The news is by your side.

الدرس الثامن والثلاثون، المقام الأول

الدرس الثامن والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الأولى – الرواية الأولى – الرواية الثانية – الطائفة الثانية – الرواية الأولى – الرواية الثانية

5 ذو القعدة 1446 هـ

بيّنّا سابقاً أن جملة من الأدلة والشواهد قد استُشهد بها لإثبات الكرامة الذاتية للإنسان؛ وكان الدليل الأول هو طائفة من الآيات الكريمة التي أخضعناها للدراسة والمحاكمة، وتصدينا لدفع توهم تعارض بعض الآيات الشريفة الأخرى معها بالبيان والتحقيق العلمي.

الدليل الثاني: الروايات

الدليل الثاني يكمن في الروايات والأخبار المأثورة؛ حيث تتوفر بأيدينا نصوص شتى متواترة تدل بوضوح على ثبوت الكرامة الذاتية للإنسان. وتنقسم هذه الأخبار إلى طوائف متعددة؛ ونقتصر هاهنا على نقل رواية أو روايتين من كل طائفة رعاية للاختصار؛ لكون الأخبار الدالة على المطلب بالدلالة المطابقية أو الالتزامية وافرة جداً. وإضافة لذلك، فإن قسماً من هذه الروايات لا يقتصر على إثبات أصل الكرامة الذاتية فحسب، بل يمتد عيناً لتأسيس بعض الحقوق الطبيعية المتولدة عن هذه الكرامة بالصناعة.

الطائفة الأولى

الطائفة الأولى تشتمل على الأخبار الآمرة بالتعامل برفق ولين وملاطفة إنسانية مع الآخرين؛ ومقتضى التوجيه في هذه الروايات أن المعيار الحاكم في التعامل هو محض اتصاف الطرف بالبشرية والإنسانية، بمعزل عن عقيدته ودينه ومذهبه عيناً؛ فلا مدخلية لهذه الجهات في أصل وجوب المعاملة بالرفق بالصناعة.

الرواية الأولى

الرواية الأولى تنقل صنيع الرسول الأعظم (ص) مع بلال بن رباح وإنكاره عليه في قصة صفية بنت حيي بن أخطب؛ حيث مَرَّ بها بلال وبصاحبتها بجانب قتلى قومهما من صرعى الحرب في خيبر، مما أحدث في نفوس أولئك النسوة فزعاً وألماً شديداً. ورُوي عنه (ص) مخاطباً بلالاً: «أَ نُزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلَالُ حَيْثُ تَمُرُّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا؟».

وهذه الرواية ناطقة بامتناع مجافاة حدود الرفق والرحمة الإنسانية في التعامل مع العبد حتى وإن كان كافراً محارباً؛ ويمتنع صنيع من يضاعف آلامه ويزيد كربه. وهل يدل هذا النهي والإنكار النبوي على شيء سوى حيازة العبد لمنزلة وقيمة ذاتية في نفسه؟ وأؤكد هاهنا أننا لا نروم استنباط تماثل واستواء مطلق بين الكافر والمؤمن في سائر الحقوق الشرعية والأحكام؛ بل الغرض إثبات حيازة الإنسان بما هو إنسان لحدود دنيا من الحقوق الطبيعية التي تمنع مجافاة الرفق معه. فلا يصح القول بانتفاء الحرمة الكلية للكافر وجواز اقتياده ومعاملته بكل غلظة وعنف بدعوى كفره بالصناعة.

الرواية الثانية

الرواية التالية تتبلور في العهد الشريف والأثر الشهير لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) لمالك الأشتر النخعي؛ وهو عهد وافر الدلالة صريح في إثبات مدعانا: «وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ». فالأمر والوصية تقتضي لزوم بسط الرحمة واللطف والمحبة لعامة الرعية من قِبل الوالي والحاكم؛ فيأمره بالقول: اجعل قلبك ممتلئاً بالرحمة والمحبة والرفق بالرعية؛ واحذر أن تكون في مواجهتهم كسبع ضار يستهدف إهلاكهم. ويعقب (ع) معللاً هذا الأمر التأسيسي بقوله: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»؛ فالكلام من الجلاء والوضوح بمكان؛ إذ يأمر بالمعاملة الإنسانية والرحمة واللطف مع الناس قاطبة؛ مقسماً إياهم لصنفين: إما أخ لك في الملة والدين، أو نظير وشبيه لك في الخلق والبشرية. فهذه الوصية المأثورة تؤكد لزوم الرحمة واللطف بالبشر قاطبة. وهل يستقيم هذا الاستدلال لولا حيازة العبد الوجودي لمنزلة خاصة واهتمام رباني بمحض كونه إنساناً؟ فالإنسانية والنظيرية في الخلق تقتضي عيناً ملاقاة الناس باللطف والمحبة. وهذا هو كنه الكرامة الذاتية؛ ومفادها ثبوت ميزة للعبد يترتب عليها الحق بالصناعة؛ وهو تشريف حالي تكويني غير كسبي بالتمام. وكما نبهت مراراً، فبمجرد إثباتنا لحرمة الكافر ورعايته الإنسانية بمعزل عن دينه وعقيدته، يتوهم البعض التسوية التامة في رتب الحقوق بين الكافر والمؤمن؛ وهو توهم فاسد؛ فالمنظور هو رعاية المقدار الأدنى والحدود الدنيا من الحقوق الطبيعية عيناً، وسنعرض لبيانها لاحقاً.

ثم يردف أمير المؤمنين (ع) وصيته الشريفة بالقول: «يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَ صَفْحِكَ»؛ فيأمر بالصفح والعفو ومقابلة الهنات والأخطاء الصادرة منهم بالمسامحة والرحمة عيناً.

الطائفة الثانية

الطائفة الثانية من الأخبار تنطوي على نصوص شريفة تأمر برعاية الاحتياجات الطبيعية والأولية للعبد وتلبيتها؛ فالإنسان تحكم وجوده ضرورات مادية؛ كالحاجة للغذاء والماء والملبس وأشباهها. وقد تضافرت الأخبار وتواترت الوصايا الشريفة بالالتزام برعاية هذه الاحتياجات الأولية للبشر مع نفي وإلغاء مدخلية الإيمان والعقيدة والمذهب في أصل ثبوت هذا الواجب الإنساني بالصناعة.

الرواية الأولى

روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُحِبُّ إِبْرَادَ الْكَبِدِ الْحَرَّى وَ مَنْ سَقَى كَبِداً حَرَّى مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». فالإمام الباقر (ع) يقرر محبة الباري جل وعلا لسقي العطاش بالماء؛ وخلو اللفظ من التقييد كقوله: “إبراد الكبد المسلمة”، بل جاء عاماً: «كَبِدًا حَرَّى»؛ دالاً على كل من يتصف بالظمأ والتشوق للماء. فمن سقى نفساً عطشى سواء من البهائم أو غيرها، حظي بأثر جليل وهو صيرورته تحت ظل الرحمة واللطف الإلهي يوم لا ظل إلا ظله الشريف. ووجه الاستدلال بالرواية واضح بالصناعة.

بيد أنه قد يثور إشكال واعتراض بدواً حول قوله: «مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا»؛ لكون الأمر بالسقي والرفق عاماً مستوعباً للبهائم والدواب وسائر الكائنات العجمى؛ وقيل إن غير البهيمة يؤول للنباتات والأشجار وسائر الأحياء ذات النمو النباتي. فمتى كانت البهائم والنباتات شريكة للإنسان في هذا الانتفاع والواجب، فأي مزية وخصوصية للإنسان هاهنا؟ وهل يستقيم إثبات الكرامة الذاتية للإنسان بمستند يشترك فيه مع البهائم والنبات؟ ولسنا نملك هاهنا إلا الإجابة بركنين أساسيين:

الأول: هل يراد بالغير في لسان الرواية هو الإنسان، أم ما يعم الإنسان والنبات عيناً؟ وكلا التوجيهين مقبول بالصناعة. ويمكن التوجيه بالقول إن الكبد المنظورة ليست الكبد المادية العضوية؛ لكون الماء مستقراً في وعاء غير الكبد حقيقة؛ بل التعبير مجازي كناية عن الظمأ الشديد وحاجة الباطن للماء؛ وهو معنى جارٍ في حق النباتات مجازاً أيضاً. وصيرورة اللفظ شاملاً للنباتات أو منحصراً عنها غير قادح في المطلب.

الثاني: لو سلمنا بجريان الأمر بسقي عامة ذوات الأكباد وتعميم الرفق للبهائم والدواب، فهل يستلزم ذلك انتفاء دلالة الخبر على خصوص الكرامة الذاتية للإنسان؟ ونحن نذهب لكون المطلب ينهض حجة رصينة على دعوانا عيناً؛ رداً على ما طرحناه في الأبحاث السالفة من توهم انتفاء الكرامة بجهت اشتراك البهائم مع الإنسان في بعض الحقوق والوجائب. فالتكليف والالتزام بسقي الظمآن كائناً من كان ولو كان كافراً جاحداً يثبت بالضرورة لزوم رعاية حقه وحفظ حياته التكوينية؛ بل ويتعدى الوجوب والرفق لعموم الدواب والبهائم. ومتى ثبت الحق لغير الإنسان بالتبع، فثبوته للإنسان بما هو إنسان من باب أولى بالصناعة. فحق الحياة ميزة وحق وجودي تشترك فيه الكائنات الحية قاطبة…

السؤال: …

الأستاذ: ما نلتزم به هو أن حق الحياة وصيانته لا يعني وجوب سقيه بالماء طوال عمره وبلا انقطاع ليبقى حياً بالتمام؛ بل المأثور هو رعاية الظمآن وحفظ رمقه… وأما الوجوب الشرعي لسقي الأنعام والبهائم قبل المباشرة بذبحها فخارج عن غرضنا فعلاً؛ لكون السقي هاهنا معلولاً لجهة وغاية أخرى غير جهة الظمأ التكويني؛ فالأمر بسقي الظمآن وإرواء غليله يستوجب الثواب والفضل جزاءً؛ ونحن هاهنا بمعزل عن رصد الآثار الوضعية والأحكام الوجوبية أو الاستحبابية للخبر؛ بل نذهب لكون مطلق الحث والاستحباب كافٍ لإثبات غرض التكريم وصيانة منزلة الوجود الحي؛ ولا صلة لحقيقة الإحسان بالمطلب فعلاً، وإن تداخل المفهومان بالتبع. فنحن هاهنا بصدد فرز المعاني… فحق الحياة وصيانة حرمة النفس ثابت وعام، والمنع من التعدي سارٍ عيناً، ولا عبرة بعروض المانع اللاحق الرافد لسلبه؛ فالأصل مستقر في التكوين والتشريع. ونفس هذا التوجيه والتدبير الشرعي برعاية البهائم والأنعام يؤول في حقيقته لرعاية منزلتها وكرامتها الوجودية بحسب رتبتها؛ ورعاية الإنسان وصيانة حقه بالعدل والبر الإلهي ثابت بمقتضى عظم رتبته ومنزلته الرفيعة في الخليقة. وصيرورة البهائم شريكة للإنسان في حق السقي والرفق لا يحط من قيمة التكريم الإنساني ولا ينفي كونه كرامة ذاتية للبشر بما هم بشر، بل يؤكده ويشيده عيناً؛ ومنه يثبت حق الحياة وصيانة الدماء بالصناعة.

الرواية الثانية

الرواية الثانية تتجلى في الوصية التاريخية العظيمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الخالدة بشأن قاتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي (لعنه الله): «أَطِيبُوا طَعَامَهُ وَ أَلِينُوا فِرَاشَهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، عَفْوٌ أَوْ قِصَاصٌ، وَ إِنْ مُتُّ فَأَلْحِقُوهُ بِي أُخَاصِمْهُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ». فرغم كونه الجاني والقاتل وصاحب أبشع جريمة اقترفت في حق الوصي والدين، يوصي (ع) برعاية مأكله وتطييبه ولين فراشه وتجنب أذيته والتنكيل به حتى حلول القضاء والقصاص؛ فيقرر ولايته لدمه عفواً أو قصاصاً حال البقاء، ويطالب بإلحاقه به عند الوفاة لمخاصمته عند الحق سبحانه. فرعاية مأكل الجاني ومشربه وتوفير سبل نومه وراحته في دار أسره وهو مقبل على القصاص والعقاب، على ماذا تدل بالصناعة؟ لولا كونه إنساناً يستوجب رعاية ضروراته وحقوقه الطبيعية الأولى ما دام حياً في النشأة المادية بالتمام؟ وهذا صنيع يمثل ذروة السلوك الأخلاقي والرفق الإنساني الذي تفرد به الوصي (ع) ولم تعاين البشرية نظيراً له عبر تاريخها بالتمام.