الدرس التاسع والأربعون، المقام الأول
الدرس التاسع والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – نطاق الكرامة الذاتية للإنسان – نتيجة البحث في النطاق – دراسة ثلاث شبهات – الشبهة الأولى والثانية والثالثة وأجوبتها – النتيجة العامة للبحث
6 ذو الحجة 1446 هـ
تعد هذه الجلسة الخاتمة لسلسلة هذه المباحثة العلمية؛ والواقع يقضي بوفور المطالب والمسائل الفقهية التي تستحق البحث والمحاكمة الفقهية في ثنايا أبواب الفقه، وإن ضاق الوقت؛ كاستعراض الشواهد والتطبيقات العملية لهذه القاعدة وتتبع موارد النقض والتعارض الظاهري لها في الفروع والأحكام. بيد أن معالجة هذه الفروع واستقصاءها يفتقر لمزيد متسع وتتبع فقهي مورد بمورد لتوجيه الجواب عنها خارجاً بالصناعة؛ غير أن المقدار اللازم المقنن للأصل والقاعدة قد سلف بيانه بالتمام.
نتيجة البحث في النطاق
وقد أثبتنا في طيات المباحث السالفة ثبوت الكرامة الذاتية للإنسان يقيناً؛ وحددنا نطاقها وقلمورها الوجودي في حدود تلك المزايا والامتيازات الست المقررة؛ دون حاجة لإرجاع بعضها لبعض بالصناعة. فهذه المزايا الست تمثل الكرامات الخاصة التي وهبها الحق سبحانه للعبد، وبها حظي بالتبجيل والتكريم الرباني؛ وهي مزايا ثابتة لعامة العباد قاطبة بالفعل. وبيّنّا تالياً تفرع وثبوت طائفة من الحقوق الأساسية للعبد بموجب كل ميزة منها؛ وأوضحنا في الجلسة السابقة لزوم رعاية هذه الحقوق عيناً، وصيرورة كل حكم أو فرع فقهي يصادمها وينافي مقتضياتها باطلاً ممتنعاً عن القبول بالصناعة. وأما ما خرج عن حيز هذه الحقوق الأساسية الست، وسواء ثبت فيه التفاوت والاختلاف بين البشر في الفروع الفقهية أم انتفى، وسواء كان هذا التفاوت مقبولاً مبرهناً أم مردوداً؛ فإنه خارج بالكلية عن موضوع بحثنا وعقد قاعدتنا، ولا يمس بالصناعة حجية ما أثبتناه من الكرامة الذاتية. فنحن لا ندعي صحة سائر وجوه التفاوت المقررة بين البشر في الكلمات، ولا نلتزم بتمامية كل ما ذهب إليه مشهور الفقهاء في الفروع؛ بل المدار ينحصر في محاكمة هذه الجهة والحدود في مظانها عيناً بالتحقيق.
دراسة ثلاث شبهات
ويتعین علينا الآن في حدود هذا النطاق والقلمور رصد الشبهات والإشكالات الموجهة للمدعى؛ لبيان ما إذا كان ثمة إيراد يوجب تزلزل هذا التأصيل وكسر أركانه أم لا. ونظراً لضيق الوقت المتوفر، نتصدى لمعالجة ثلاث شبهات ترتبط بدقة بنطاق البحث وتطبيقاته، وتتعلق ببعض الحقوق المتولدة عن المزايا الست السالفة، لنرى مدى إمكانية دفعها وتأويلها بالصناعة:
الشبهة الأولى وأجوبتها
الوجه الأول من الإيراد يقضي بحصول النقض الفعلي لبعض تلك الحقوق في تضاعيف جملة من الأحكام والفرائض الفقهية المقبولة والمتفق عليها إجمالاً؛ ومثاله: انتفاء إعطاء الفرصة للمرتد الفطري للبحث والتأمل والمراجعة والاستعلام عقيب ارتداده وخروجه عن الملة؛ إذ يستوجب ارتداده إقامة عقوبة القتل عليه عاجلاً، ويمتنع قبول توبته ظاهراً في إسقاط العقوبة الجسدية عيناً؛ وإن كانت توبته مقبولة عند الباري سبحانه ثبوتاً وأثرها نافذ في شأن معاده؛ غير أن عقوبته الدنيوية مستقرة لا تتبدل. وهذا الحكم يناقض بالتمام أصل “حق التفكر والبحث والتعلم والوقوف على المعارف” الذي قررناه للعبد بموجب عقله وجبلته؛ فإذا كان هذا الحق ثابتاً للإنسان بما هو إنسان، فكيف يسقط ويُهدر في حق المرتد الفطري بالصناعة؟ فيثبت انتفاء الكرامة الذاتية عيناً.
الجواب: ويظهر الاندفاع والجواب بالتحقيق من وجوه:
أولاً: إن التزام الفقهاء بعدم إعطاء الفرصة والمشورة للمرتد الفطري لغرض البحث والتأمل وإزالة الشبهات محل للبحث والنظر؛ لكون طائفة من الأعاظم يلتزمون بثبوت حق المراجعة والبحث لبعض أصناف الجناة المحكومين بـ مهدور الدم كالبغاة مثلاً؛ فيقررون وجوب تأمين حمايتهم وفسح المجال لحوارهم واستصلاحهم. فما المانع صناعة من إحداث ذات المراجعة وقبول المهل والبحث في شأن المرتد الفطري بالاستناد لهذه القاعدة الحاكمة؟ فالمسلك فقهياً ميسور ولا محذور فيه؛ وإن ادعى البعض تحقق الإجماع على خلافه؛ لكون الإجماع في تضاعيف هذه الفروع قابلاً للمراجعة والبحث بموجب الأصول التي أسلفناها.
ثانياً: إن حقيقة الكفر والجحود المنهي عنه تتقوم عيناً بالإنكار الصادر من سريرة اللجاج والعناد والخصومة المعارضة للحق؛ وصاحب هذا المسلك معاند مقصر بالذات؛ وهم قلة في العشيرة البشرية؛ بينما يخلو السواد الأعظم من البشر من جبلة العناد والخصومة. ومن ثم، بملاحظة التفصيل والتفرقة المقررة في كلمات الفقهاء (كالشهيد الثاني والمحقق النائيني) وثبوت الواسطة والمنزلة المتوسطة بين الإسلام والكفر؛ يستقيم لنا القول بخروج المرتد الناشئ ارتداده عن شبهة أو تساؤل أو شك علمي طارئ عن حيز هذا الحكم الشديد الغليظ؛ فلا يصح الحكم بقتله وسلبه فرصة الحوار والتبين عيناً؛ لكونه قاصراً غير معاند بالصناعة. وتبرز أهمية هذا التأصيل عيناً بملاحظة ما تواجهه عوائل المسلمين في واقعنا المعاصر من ولوج أبنائهم في مسالك الشبهات والتيارات الفكرية المضلّة؛ فهل يسوغ لنا فقهياً تمديد عقوبة القتل لتستوعب الجميع وتفضي لإبادة نفوسهم؟ يمتنع ذلك بالوجدان.
ثالثاً: إن عقوبة القتل المقررة للارتداد تتصف بكونها حكماً ذا صبغة سياسية واجتماعية عامة؛ بموجب ما نبه عليه المحقق الأردبيلي وغيره؛ لكون العقوبة مساقة لحفظ كيان المجتمع ومنع التآمر السياسي والتخريب الفكري المنظم؛ كشأن المنافقين واليهود الذين سلكوا مسار الدخول في الإسلام صباحاً والخروج منه مساءً لتوهين عقائد الضعفاء وهدم الملة؛ فكان قطع فرصة التوبة وإقامة الحد رادعاً لهذا المخطط السياسي الهدام، ولا صلة له بتبدل عقيدة العبد في نفسه خارجاً.
الشبهة الثانية وأجوبتها
الوجه الثاني من الشبهة يسلم بامتناع نقض هذه الحقوق في الجملة لعامة البشر؛ بيد أنه يقرر حصول التباين والتفاضل في ديرة وحيز ذات الحقوق الستة التأسيسية؛ ومفاده أن بعض البشر يحوزون رتباً وحرمة تفوق البعض الآخر بموجب أحكام الشريعة؛ كالتفاوت القائم بين الكافر والمسلم في أبواب الإيذاء والتنكيل والقذف؛ فللقذف والسب الموجه للمسلم عقوبة الحد الشرعي بالتمام، بينما يخلو قذف الكافر من الحد ويقتصر على التعزير؛ وهذا التفاوت يناقض بالتمام حق صيانة حريمه وعواطفه الأخلاقية المستمدة من إنسانيته؛ فكيف يستقيم القول بثبوت ذات الحق لجميع البشر مع تفاوت عقوبات انتهاكه بالصناعة؟ وكذا الشأن في تفاضل الديات والقصاص بين المسلم والكافر، والذكر والأنثى؛ مما يبطل فكرة الكرامة الذاتية لعموم البشر بالتمام.
الجواب: وندفع هذه الشبهة بالقول إن المأثور في هذه الحقوق رعاية حدها الأدنى ومستواها الأساسي المضمون لعامة النفوس؛ فأصل صيانة الحرمة ومنع الظلم والتعدي ثابت للجميع دون استثناء؛ وبخس هذه الحقوق وقذف العبد الكافر ممتنع ومحرم عيناً؛ وبموجبه يترتب التعزير والتأديب للفاعل الجاني؛ وهو ما يقطع بكون صنيعه معصية وجناية مأثومة شرعاً؛ فالكافر حائز لحرمة تمنع قذفه وسب عرضه خارجاً بالصناعة. وصحيح أن قذف المسلم يستوجب عقوبة أشد غلظة وحداً شرعياً مقرراً بالذات، إلا أن هذا التفاضل يؤول لإثبات حظوة وتفصيل للمسلم إيماناً، ولا يستلزم نفي وإهدار أصل الحق والضمانة للكافر بالكلية. فالتعدي والظلم ممتنع في حقهما على السواء؛ وإن تفاوتت مراتب العقوبة والآثار المادية رعاية لاعتبار الإيمان؛ وهو تفصيل لا يصادم أصل المطلب. وكذا يسير الأمر في أبواب الديات والقصاص؛ فجناية المسلم على الكافر بالقتل تمنعه من الإفلات من التكليف، بل تلزمه بالدية وحظر صنيعه بالتمام؛ وهو تشريف وحفظ لرمق الكافر وحرمة دمه؛ وإن اختلفت المقادير والأنصبة بالصناعة؛ فالجميع حائزون للحقوق والأمان التكويني جبلة. ووجود هذه المزايا والتفضيلات للمسلمين في الشريعة لا يستلزم بالكلية سلب الحقوق الأساسية عن غيرهم؛ بل هو تفصيل مقبول وصيرورة نبهنا عليها في الجواب العام المأثور.
الشبهة الثالثة وأجوبتها
الوجه الثالث من الشبهة يسلم بثبوت هذه الحقوق لعامة البشر قاطبة كافراً ومسلماً؛ بيد أنه يمنع تفرد الإنسان بخصوصيتها؛ لكون الحيوانات والبهائم تشاركه عيناً في حيازة هذه الحقوق بالتمام؛ فللحيوان حق سد جوعته وسقيه، وحرمة أذيته وتحميله ما لا يطيق، وله حق حيواته وصيانة دمه بغير وجه معتبر. ومتى ثبت الاشتراك والاستواء مع البهائم، بطلت دعوى تفرّد الإنسان بالكرامة بموجب هذه الحقوق بالصناعة; لكون الكرامة تقتضي التفرد وعلو الشأن للإنسان بما هو كذلك دون غيره من الكائنات.
الجواب: ويظهر بطلان هذا القياس بالتحليل من وجوه؛ لكون خمسة موارد من هذه الكرامات الست مفقودة ومنتفية بالكامل عن عالم الحيوان وجبلته بالوجدان؛ فليس للحيوان عقل، ولا إرادة واختيار، ولا فطرة، ولا أحسن تقويم، ولا عواطف إنسانية أخلاقية بالصناعة. وصحيح ثبوت بعض وجوه الرفق والوجائب للحيوان في الشريعة (كحرمة ترويعه وأذيته ووجوب سقيه بالماء)، بيد أن شتان بين الرفق بالحيوان والرفق بالإنسان بمراتبه الوجدانية المعقدة! فالإهانة المعنوية وتوهين الشخصية والتحقير اللفظي ممتنع عن فكر وإدراك الحيوان لفقده الوعي؛ بينما يتألم الإنسان بالإذلال والتحقير عذاباً يفوق بكثير عذاب الضرب والجسد التكويني. فكيف يستقيم قياس حرمة الإنسان وحظر تحقيره برعاية الحيوان بالذات؟
وأما في مساحة مكنة تسخير الموجودات والانتفاع بمواهب الطبيعة المقررة للإنسان؛ فإن انتفاع الحيوان واقتياته على العلف والكلأ ومباشرته الهواء والماء ضرورات تكوينية لبقائه؛ بيد أن تسخير الكائنات وإخضاع قواها وصياغة العناصر وتدبير المعاش والتكوين بالتأليف، فمن خصوصيات الإنسان ومزاياه التي تفرد بها دون سائر المخلوقات عيناً. فالقياس مع الفارق بالكلية وبطلانه ظاهر جلي؛ فلا تضر هذه الشبهة بمدعانا.
النتيجة العامة للبحث
ويتحصل ويتحقق لنا عقيب هذه الأبحاث والمحاكمات الفقهية المستفيضة ثبوت قاعدة شريفة في الفقه نطلق عليها “قاعدة الكرامة للإنسان”؛ غير أنها تباين بحدودها وقوانينها المنهجية التوجيه المروج له في المدارس الوضعية المعاصرة وتيار التفريط؛ لكون الأخير يلتزم بتعدية سائر ما أصيب في المواثيق والإعلانات الدولية من حريات وحقوق (كحق الشذوذ الجنسي والمثليين، وحرية الانحراف العقدي الهدام بالتمام) لعامة البشر كافراً ومسلماً على السواء بدعوى مقتضيات الكرامة الإنسانية الذاتية؛ وهو مسلك باطل منكر نبرأ منه بالصناعة؛ لكون الكرامات الست الأساسية المأثورة لا تقتضي هذه التفريعات ولا تؤسس لها بحال بالوجدان. فنحن نلتزم بثبوت هذه الكرامات الست (ولا ضير في دمجها في أصلين أو ثلاثة لجهات تصورية) وقدرتها الكاشفة لتأسيس حقوق طبيعية أساسية يستوي في حيازتها البشر قاطبة. وبموجب هذا التأسيس، يتعين مراجعة وتأويل سائر الفروع والأحكام الفقهية الصادمة والمنافية لهذه الحقوق الطبيعية، مالم تندرج تضييقاتها تحت حيز العقوبات والحدود الجنائية الردعية، أو رعاية المصالح الاجتماعية العامة وحقوق النظم العام وصيانته من الفوضى والهرج بالصناعة. فالأصل مستقر، والقيود جارية بمقتضى التزاحم ورعاية المصلحة العامة والجمعية؛ ومتى انحصر التضييق في وجوه العقوبة والجزاء لسلوك اقترفه المكلف بيده، تعين قصره على موضع الجناية وتجنب تعديه لسائر شؤونه وحقوقه الطبيعية عيناً.
السؤال: …
الأستاذ: يلوح الاستيحاش والإنكار للفظ الكرامة الذاتية في كلمات طائفة من العلماء؛ بيد أن حقيقة استيحاشهم غير متوجهة لذات اللفظ والصناعة الفطرية المقررة؛ بل منبع وجلهم وخوفهم يكمن في التبعات الفقهية والآثار المروجة في القوانين الوضعية والدولية المنافية لثوابت الشريعة عيناً بالذات…
الدرس التاسع والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – نطاق الكرامة الذاتية للإنسان – نتيجة البحث في النطاق – دراسة ثلاث شبهات – الشبهة الأولى والثانية والثالثة وأجوبتها – النتيجة العامة للبحث
6 ذو الحجة 1446 هـ
تعد هذه الجلسة الخاتمة لسلسلة هذه المباحثة العلمية؛ والواقع يقضي بوفور المطالب والمسائل الفقهية التي تستحق البحث والمحاكمة الفقهية في ثنايا أبواب الفقه، وإن ضاق الوقت؛ كاستعراض الشواهد والتطبيقات العملية لهذه القاعدة وتتبع موارد النقض والتعارض الظاهري لها في الفروع والأحكام. بيد أن معالجة هذه الفروع واستقصاءها يفتقر لمزيد متسع وتتبع فقهي مورد بمورد لتوجيه الجواب عنها خارجاً بالصناعة؛ غير أن المقدار اللازم المقنن للأصل والقاعدة قد سلف بيانه بالتمام.
نتيجة البحث في النطاق
وقد أثبتنا في طيات المباحث السالفة ثبوت الكرامة الذاتية للإنسان يقيناً؛ وحددنا نطاقها وقلمورها الوجودي في حدود تلك المزايا والامتيازات الست المقررة؛ دون حاجة لإرجاع بعضها لبعض بالصناعة. فهذه المزايا الست تمثل الكرامات الخاصة التي وهبها الحق سبحانه للعبد، وبها حظي بالتبجيل والتكريم الرباني؛ وهي مزايا ثابتة لعامة العباد قاطبة بالفعل. وبيّنّا تالياً تفرع وثبوت طائفة من الحقوق الأساسية للعبد بموجب كل ميزة منها؛ وأوضحنا في الجلسة السابقة لزوم رعاية هذه الحقوق عيناً، وصيرورة كل حكم أو فرع فقهي يصادمها وينافي مقتضياتها باطلاً ممتنعاً عن القبول بالصناعة. وأما ما خرج عن حيز هذه الحقوق الأساسية الست، وسواء ثبت فيه التفاوت والاختلاف بين البشر في الفروع الفقهية أم انتفى، وسواء كان هذا التفاوت مقبولاً مبرهناً أم مردوداً؛ فإنه خارج بالكلية عن موضوع بحثنا وعقد قاعدتنا، ولا يمس بالصناعة حجية ما أثبتناه من الكرامة الذاتية. فنحن لا ندعي صحة سائر وجوه التفاوت المقررة بين البشر في الكلمات، ولا نلتزم بتمامية كل ما ذهب إليه مشهور الفقهاء في الفروع؛ بل المدار ينحصر في محاكمة هذه الجهة والحدود في مظانها عيناً بالتحقيق.
دراسة ثلاث شبهات
ويتعین علينا الآن في حدود هذا النطاق والقلمور رصد الشبهات والإشكالات الموجهة للمدعى؛ لبيان ما إذا كان ثمة إيراد يوجب تزلزل هذا التأصيل وكسر أركانه أم لا. ونظراً لضيق الوقت المتوفر، نتصدى لمعالجة ثلاث شبهات ترتبط بدقة بنطاق البحث وتطبيقاته، وتتعلق ببعض الحقوق المتولدة عن المزايا الست السالفة، لنرى مدى إمكانية دفعها وتأويلها بالصناعة:
الشبهة الأولى وأجوبتها
الوجه الأول من الإيراد يقضي بحصول النقض الفعلي لبعض تلك الحقوق في تضاعيف جملة من الأحكام والفرائض الفقهية المقبولة والمتفق عليها إجمالاً؛ ومثاله: انتفاء إعطاء الفرصة للمرتد الفطري للبحث والتأمل والمراجعة والاستعلام عقيب ارتداده وخروجه عن الملة؛ إذ يستوجب ارتداده إقامة عقوبة القتل عليه عاجلاً، ويمتنع قبول توبته ظاهراً في إسقاط العقوبة الجسدية عيناً؛ وإن كانت توبته مقبولة عند الباري سبحانه ثبوتاً وأثرها نافذ في شأن معاده؛ غير أن عقوبته الدنيوية مستقرة لا تتبدل. وهذا الحكم يناقض بالتمام أصل “حق التفكر والبحث والتعلم والوقوف على المعارف” الذي قررناه للعبد بموجب عقله جبلته؛ فإذا كان هذا الحق ثابتاً للإنسان بما هو إنسان، فكيف يسقط ويُهدر في حق المرتد الفطري بالصناعة؟ فيثبت انتفاء الكرامة الذاتية عيناً.
الجواب: ويظهر الاندفاع والجواب بالتحقيق من وجوه:
أولاً: إن التزام الفقهاء بعدم إعطاء الفرصة والمشورة للمرتد الفطري لغرض البحث والتأمل وإزالة الشبهات محل للبحث والنظر؛ لكون طائفة من الأعاظم يلتزمون بثبوت حق المراجعة والبحث لبعض أصناف الجناة المحكومين بـ مهدور الدم كالبغاة مثلاً؛ فيقررون وجوب تأمين حمايتهم وفسح المجال لحوارهم واستصلاحهم. فما المانع صناعة من إحداث ذات المراجعة وقبول المهل والبحث في شأن المرتد الفطري بالاستناد لهذه القاعدة الحاكمة؟ فالمسلك فقهياً ميسور ولا محذور فيه؛ وإن ادعى البعض تحقق الإجماع على خلافه؛ لكون الإجماع في تضاعيف هذه الفروع قابلاً للمراجعة والبحث بموجب الأصول التي أسلفناها.
ثانياً: إن حقيقة الكفار والجحود المنهي عنه تتقوم عيناً بالإنكار الصادر من سريرة اللجاج والعناد والخصومة المعارضة للحق؛ وصاحب هذا المسلك معاند مقصر بالذات؛ وهم قلة في العشيرة البشرية؛ بينما يخلو السواد الأعظم من البشر من جبلة العناد والخصومة. ومن ثم، بملاحظة التفصيل والتفرقة المقررة في كلمات الفقهاء (كالشهيد الثاني والمحقق النائيني) وثبوت الواسطة والمنزلة المتوسطة بين الإسلام والكفر؛ يستقيم لنا القول بخروج المرتد الناشئ ارتداده عن شبهة أو تساؤل أو شك علمي طارئ عن حيز هذا الحكم الشديد الغليظ؛ فلا يصح الحكم بقتله وسلبه فرصة الحوار والتبين عيناً؛ لكونه قاصراً غير معاند بالصناعة. وتبرز أهمية هذا التأصيل عيناً بملاحظة ما تواجهه عوائل المسلمين في واقعنا المعاصر من ولوج أبنائهم في مسالك الشبهات والتيارات الفكرية المضلّة؛ فهل يسوغ لنا فقهياً تمديد عقوبة القتل لتستوعب الجميع وتفضي لإبادة نفوسهم؟ يمتنع ذلك بالوجدان.
ثالثاً: إن عقوبة القتل المقررة للارتداد تتصف بكونها حكماً ذا صبغة سياسية واجتماعية عامة؛ بموجب ما نبه عليه المحقق الأردبيلي وغيره؛ لكون العقوبة مساقة لحفظ كيان المجتمع ومنع التآمر السياسي والتخريب الفكري المنظم؛ كشأن المنافقين واليهود الذين سلكوا مسار الدخول في الإسلام صباحاً والخروج منه مساءً لتوهين عقائد الضعفاء وهدم الملة؛ فكان قطع فرصة التوبة وإقامة الحد رادعاً لهذا المخطط السياسي الهدام، ولا صلة له بتبدل عقيدة العبد في نفسه خارجاً.
الشبهة الثانية وأجوبتها
الوجه الثاني من الشبهة يسلم بامتناع نقض هذه الحقوق في الجملة لعامة البشر؛ بيد أنه يقرر حصول التباين والتفاضل في ديرة وحيز ذات الحقوق الستة التأسيسية؛ ومفاده أن بعض البشر يحوزون رتباً وحرمة تفوق البعض الآخر بموجب أحكام الشريعة؛ كالتفاوت القائم بين الكافر والمسلم في أبواب الإيذاء والتنكيل والقذف؛ فللقذف والسب الموجه للمسلم عقوبة الحد الشرعی بالتمام، بينما يخلو قذف الكافر من الحد ويقتصر على التعزير؛ وهذا التفاوت يناقض بالتمام حق صيانة حريمه وعواطفه الأخلاقية المستمدة من إنسانيته؛ فكيف يستقيم القول بثبوت ذات الحق لجميع البشر مع تفاوت عقوبات انتهاكه بالصناعة؟ وكذا الشأن في تفاضل الديات والقصاص بين المسلم والكافر، والذكر والأنثى؛ مما يبطل فكرة الكرامة الذاتية لعموم البشر بالتمام.
الجواب: وندفع هذه الشبهة بالقول إن المأثور في هذه الحقوق رعاية حدها الأدنى ومستواها الأساسي المضمون لعامة النفوس؛ فأصل صيانة الحرمة ومنع الظلم والتعدي ثابت للجميع دون استثناء؛ وبخس هذه الحقوق وقذف العبد الكافر ممتنع ومحرم عيناً؛ وبموجبه يترتب التعزير والتأديب للفاعل الجاني؛ وهو ما يقطع بكون صنيعه معصية وجناية مأثومة شرعاً؛ فالكافر حائز لحرمة تمنع قذفه وسب عرضه خارجاً بالصناعة. وصحيح أن قذف المسلم يستوجب عقوبة أشد غلظة وحداً شرعياً مقرراً بالذات، إلا أن هذا التفاضل يؤول لإثبات حظوة وتفضيل للمسلم إيماناً، ولا يستلزم نفي وإهدار أصل الحق والضمانة للكافر بالكلية. فالتعدي والظلم ممتنع في حقهما على السواء؛ وإن تفاوتت مراتب العقوبة والآثار المادية رعاية لاعتبار الإيمان؛ وهو تفصيل لا يصادم أصل المطلب. وكذا يسير الأمر في أبواب الديات والقصاص؛ فجناية المسلم على الكافر بالقتل تمنعه من الإفلات من التكليف، بل تلزمه بالدية وحظر صنيعه بالتمام؛ وهو تشريف وحفظ لرمق الكافر وحرمة دمه؛ وإن اختلفت المقادير والأنصبة بالصناعة؛ فالجميع حائزون للحقوق والأمان التكويني جبلة. ووجود هذه المزايا والتفضيلات للمسلمين في الشريعة لا يستلزم بالكلية سلب الحقوق الأساسية عن غيرهم؛ بل هو تفصيل مقبول وصيرورة نبهنا عليها في الجواب العام المأثور.
الشبهة الثالثة وأجوبتها
الوجه الثالث من الشبهة يسلم بثبوت هذه الحقوق لعامة البشر قاطبة كافراً ومسلماً؛ بيد أنه يمنع تفرد الإنسان بخصوصيتها؛ لكون الحيوانات والبهائم تشاركه عيناً في حيازة هذه الحقوق بالتمام؛ فللحيوان حق سد جوعته وسقيه، وحرمة أذيته وتحميله ما لا يطيق، وله حق حيواته وصيانة دمه بغير وجه معتبر. ومتى ثبت الاشتراك والاستواء مع البهائم، بطلت دعوى تفرّد الإنسان بالكرامة بموجب هذه الحقوق بالصناعة؛ لكون الكرامة تقتضي التفرد وعلو الشأن للإنسان بما هو كذلك دون غيره من الكائنات.
الجواب: ويظهر بطلان هذا القياس بالتحليل من وجوه; لكون خمسة موارد من هذه الكرامات الست مفقودة ومنتفية بالكامل عن عالم الحيوان وجبلته بالوجدان؛ فليس للحيوان عقل، ولا إرادة واختيار، ولا فطرة، ولا أحسن تقويم، ولا عواطف إنسانية أخلاقية بالصناعة. وصحيح ثبوت بعض وجوه الرفق والوجائب للحيوان في الشريعة (كحرمة ترويعه وأذيته ووجوب سقيه بالماء)، بيد أن شتان بين الرفق بالحيوان والرفق بالإنسان بمراتبه الوجدانية المعقدة! فالإهانة المعنوية وتوهين الشخصية والتحقير اللفظي ممتنع عن فكر وإدراك الحيوان لفقده الوعي؛ بينما يتألم الإنسان بالإذلال والتحقير عذاباً يفوق بكثير عذاب الضرب والجسد التكويني. فكيف يستقيم قياس حرمة الإنسان وحظر تحقيره برعاية الحيوان بالذات؟
وأما في مساحة مكنة تسخير الموجودات والانتفاع بمواهب الطبيعة المقررة للإنسان؛ فإن انتفاع الحيوان واقتياته على العلف والكلأ ومباشرته الهواء والماء ضرورات تكوينية لبقائه؛ بيد أن تسخير الكائنات وإخضاع قواها وصياغة العناصر وتدبير المعاش والتكوين بالتأليف، فمن خصوصيات الإنسان ومزاياه التي تفرد بها دون سائر المخلوقات عيناً. فالقياس مع الفارق بالكلية وبطلانه ظاهر جلي؛ فلا تضر هذه الشبهة بمدعانا.
النتيجة العامة للبحث
ويتحصل ويتحقق لنا عقيب هذه الأبحاث والمحاكمات الفقهية المستفيضة ثبوت قاعدة شريفة في الفقه نطلق عليها “قاعدة الكرامة للإنسان”؛ غير أنها تباين بحدودها وقوانينها المنهجية التوجيه المروج له في المدارس الوضعية المعاصرة وتيار التفريط؛ لكون الأخير يلتزم بتعدية سائر ما أصيب في المواثيق والإعلانات الدولية من حريات وحقوق (كحق الشذوذ الجنسي والمثليين، وحرية الانحراف العقدي الهدام بالتمام) لعامة البشر كافراً ومسلماً على السواء بدعوى مقتضيات الكرامة الإنسانية الذاتية؛ وهو مسلك باطل منكر نبرأ منه بالصناعة؛ لكون الكرامات الست الأساسية المأثورة لا تقتضي هذه التفريعات ولا تؤسس لها بحال بالوجدان. فنحن نلتزم بثبوت هذه الكرامات الست (ولا ضير في دمجها في أصلين أو ثلاثة لجهات تصورية) وقدرتها الكاشفة لتأسيس حقوق طبيعية أساسية يستوي في حيازتها البشر قاطبة. وبموجب هذا التأسيس، يتعين مراجعة وتأويل سائر الفروع والأحكام الفقهية الصادمة والمنافية لهذه الحقوق الطبيعية، مالم تندرج تضييقاتها تحت حيز العقوبات والحدود الجنائية الردعية، أو رعاية المصالح الاجتماعية العامة وحقوق النظم العام وصيانته من الفوضى والهرج بالصناعة. فالأصل مستقر، والقيود جارية بمقتضى التزاحم ورعاية المصلحة العامة والجمعية؛ ومتى انحصر التضييق في وجوه العقوبة والجزاء لسلوك اقترفه المكلف بيده، تعين قصره على موضع الجناية وتجنب تعديه لسائر شؤونه وحقوقه الطبيعية عيناً.
السؤال: …
الأستاذ: يلوح الاستيحاش والإنكار للفظ الكرامة الذاتية في كلمات طائفة من العلماء؛ بيد أن حقيقة استيحاشهم غير متوجهة لذات اللفظ والصناعة الفطرية المقررة؛ بل منبع وجلهم وخوفهم يكمن في التبعات الفقهية والآثار المروجة في القوانين الوضعية والدولية المنافية لثوابت الشريعة عيناً بالذات…