الدرس السابع والثلاثون، المقام الأول
الدرس السابع والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الأول: الآيات – معالجة التعارض بين الآيات – دراسة جواب آخر
29 شوال 1446 هـ
لقد عرضنا في الجلسة السابقة لبيان طائفة من الآيات التي يظهر منها بدواً تعارضها ومنافاتها للأدلة الدالة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ وقررنا انقسامها لطائفتين مآلهما نفي الكرامة بالفعل لعامة البشر؛ سواء تلك التي انصبت بملامتها وذمها لعموم العبد الوجودي عيناً، أو التي اختصت بذم الكافرين ووصفهم بصفات النقص والأمر بمجاهدتهم والتضييق عليهم خارجاً. وتناولنا وجوه استدلال المنكرين للكرامة الذاتية بهذه الآيات تمهيداً لعقد الكلام في تبيين كيفية الجمع والائتلاف المنهجي لدفع هذا التعارض الظاهري بالصناعة والتحقيق العلمي.
معالجة التعارض بين الآيات
إن هذا التهافت والتعارض الظاهري قد حدا بجملة من المفسرين والباحثين لصياغة توجيهات وأجوبة شتى لدفع الإشكال؛ وتنوعت مسالكهم ومبانيهم في تبيين وجه الائتلاف. وصحيح أن هؤلاء الباحثين لم يعالجوا المطلب من ذات المنظار والمدخل المعرفي الذي نسلكه في بحثنا؛ إذ انطلقنا عيناً من موازنة أدلة ثبوت الكرامة الذاتية مع أدلة نفيها بالصناعة؛ بيد أن أصل المبحث معني برفع تهافت الآيات القاضية بالتحسين وآيات الملامة، وحظي بالبحث والتحقيق الوافر بين المفسرين وعلماء علوم القرآن بالتمام. ومن هنا، يتعين علينا عقد تلازم وارتباط بين أبحاثهم ومطلبنا، فنعرض لتوجيهاتهم بالذكر والمناقشة؛ لكون بعض هذه التوجيهات ينطوي بجهته على نفي الكرامة الذاتية للإنسان بالفعل، بينما ينهض بعضها الآخر شاهداً ومؤيداً لمدعانا عيناً بالصناعة. والإشارة لهذا التلازم تهدف لتبيين أن المطلب غير منحصر في حدود مسلكنا المعرفي؛ بل له وجوه ومسالك وافرة في كلمات القوم.
وعلى أي حال، فإن الجواب المقبول والناهض لعلاج هذا التعارض ودفع تهافته بالصناعة، يؤول للمذهب والمبنى الذي قرره الإمام الخميني (قده) في كتابه الشريف “شرح حديث جنود العقل والجهل”؛ حيث يقرر في تحليل حقيقة الإنسان: أن قلب العبد الذي هو المجلى الفعلي لفطرته التوحيدية الأصيلة يحوز وجهتين وقابلين تالياً: الأولى: وجهة تتجه نحو عالم الغيب والملكوت والروحانية؛ والأخرى: وجهة تنصرف نحو عالم الشهادة والملك والطبيعة المادية. ولما كان العبد وليد عالم الطبيعة والنشأة المادية وربيب دنيا المادة؛ بموجب قوله تعالى في سورة القارعة الآية 9: فأمه هاوية؛ (كما في قوله تعالى: «فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ» [القارعة: 9])؛ فإنه ينشأ ويربو في غلاف وحجاب المادة، فتدخل فطرته الروحانية تحت حجب كثيفة. ومع مرور الأيام وانتقال العبد من الصبا للشباب فالكهولة، تحيط به أحكام الطبيعة وتشتد سيطرتها وهيمنتها الوجودية بتزايد نموه المادي في النشأة الدنيا. ويعقب ذلك تبيين نمو قوى الغضب والشهوة والوهم في وجوده بوصفها قوى حيوانية تسبق في نموها نمو القوة العاقلة بالتمام؛ فمتى نمت هذه القوى وتسلطت حركتها، غلبت الطبيعة والحيوانية على العبد عيناً. ويقرر (قده) أن قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقویم ثم رددناه أسفل سافلین؛ (كما في قوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ» [التين: 4-5]) يشير بدقة إلى هذه الحقيقة التكوينية؛ فاتصافه بأحسن تقويم ناظر لجهة فطرته الروحانية القدسية، ثم عروض الاحتجاب بحجب الطبيعة والمادة المظلمة يمثل نزوله رتبة “أسفل سافلين”. وقد يطلق بعض المحققين على هذا السير مفهوم قوسي النزول والصعود بالتلازم. ويضيف الإمام (قده) أن انفكاك العبد وخروجه بمفرده من حجب الطبيعة وغلاف المادة قد يمتنع ثبوتاً أو يندر وقوعه خارجاً بغير معين ومسدد؛ ومن ثم اقتضت العناية الإلهية الأزلية والرحمة الواسعة للباري إرسال الأنبياء العظام وإنزال الكتب السماوية لهداية البشر وتزكيتهم؛ ليرفدوا العبد داخلاً بمعونة خارجية تعين فطرته الباطنة الشريفة على الخلاص من غلاف الطبيعة وحجبها الكثيفة بالصناعة.
وبموجب هذا التبيين الرفيع، يتضح اتصاف الإنسان بوجهتين متباينتين بالذات: وجهة الفطرة، ووجهة الطبيعة. فالآيات القاضية بتحسين العبد ومدحه والثناء عليه ناظرة بدقة لوجهة فطرته الشريفة الأولى (وهي أحسن تقويم)؛ والآيات النازلة بذمه وتقريعه وملامته متجهة بدقة لوجهة طبيعته المادية وانغماسه في حجبها. فالعبد مستحق للمدح والثناء بمقتضى فطرته التوحيدية الأصيلة، ومستوجب للذم والتقريع بحسب خضوعه لغلاف الطبيعة وسلوكه الرذيلة بالصناعة.
وقد صب العلامة الطباطبائي مذهبه في هذا المجرى عيناً؛ حيث يقرر في تفسيره “الميزان” ذيل الآية 14 من سورة آل عمران: أن حب الشهوات المنظور في لسان الشارع لا يراد به مجرد الميل الطبيعي الجبلي المتعارف، بل الولع الشديد والتعلق المطلق المخرج للعبد عن الاعتدال، وهو نوع جنون وشغف تنسب إثارته وتزيينه للشيطان بالتمام. ولو كان المراد هو أصل الميل والتعلق الطبيعي لَمَا نُسب للشيطان لكونه أمراً فطرياً جبلة؛ لكون الميول الطبيعية والتعلقات الفطرية الضرورية من وضع الباري وهبها للعباد قاطبة رعاية لمعاشهم. ومن ثم، فإن هذه الصفات السلبية الموصوف بها الإنسان في القرآن والمثمرة لذمه وتقريعه، تؤول في حقيقتها لنوع وطبيعة البشر بما هم منغمسون في المادة والشهوة، ولا تختص بأفراد بأعيانهم بالصناعة؛ وهو قول يبطل المزاعم القاضية باختصاص الملامة بالجاحدين والكفار واختصاص المدح والثناء بالمؤمنين بالذات.
وعليه، يستقر القول بعمومية هذين الوجهين لجميع البشر؛ فالمؤمن والكافر يحوزان هاتين الجهتين (الفطرة والطبيعة) على السواء؛ فيستحق البشر قاطبة الثناء بالنظر للأولى، ويستوجبون الذم والملامة بالنظر للثانية. وهذا الجواب ينهض لعلاج تهافت الآيات وتعارضها الكلي؛ بيد أن التساؤل والتدقيق يثور في خصوص بعض المفردات: فمثلاً قوله سبحانه: خلق الإنسان هلوعاً؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا» [المعارج: 19])، وقوله: وخلق الإنسان ضعيفاً؛ (كما في قوله تعالى: «…وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا» [النساء: 28])، وقوله: وكان الإنسان عجولاً؛ (كما في قوله تعالى: «…وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا» [الإسراء: 11])، تحت أي جهة وركن تندرج هذه الأوصاف بالصناعة؟ وهل هي راجعة لجهة الفطرة أم لجهة الطبيعة والمادة؟
وإذا قررنا أن قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» متجهة عيناً لجهة الفطرة، وأن نصوص الملامة ناظرة لجهة الطبيعة والمادة، فهل يستقيم بهذا التوجيه التأسيس للكرامة الذاتية أم يمتنع؟ وهل تولد الكرامة الذاتية من صميم هذا المبنى الفلسفي؟ لكون التوجيه يقرر حيازة عموم العباد مؤمنهم وكافرهم لهذه الفطرة وقدراتها بالاستعداد والوعاء لنيل المقامات الرفيعة بالعمل؛ وإن كان غلاف المادة يهدد وجودهم بالتمام. فثبوت الاستعداد والوعاء التكويني لعامة البشر يرفع تعارض الآيات الشريفة ويقضي بدفع تهافتها بالوجدان؛ غير أن السؤال يدور حول تلازم هذا التوجيه مع الكرامة الذاتية بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: قد يذهب مذهب للقول بامتناع تلازم هذا التوجيه مع تأسيس الكرامة الذاتية للإنسان؛ وهو قول تام بالصناعة… فالمستدل يرى انتفاء الملازمة بين الأمرين بالذات… غير أن غرضنا ينصب على علاج ودفع التعارض الظاهري؛ ومتى تقرر رجوع الملامة لجهة الطبيعة والمادة وسلوك العبد خارجاً، لزم من ذلك انتفاء منافاة هذه الملامة للكرامة التكوينية الفطرية الذاتية؛ فلا يصح الاستدلال بالملامة لنفي الكرامة الذاتية عيناً. فالتعارض منحل بالصناعة.
وبالجملة، فإن هذا التوجيه -كما أشرنا في مطلع البحث- غير متوقف عيناً على الالتزام بالكرامة الذاتية كشرط تلازم؛ بل هو مدشن لدفع تهافت الآيات وتوجيهها، ويصح جريانه والقول به حتى مع الالتزام بنفي الكرامة الذاتية بالصناعة.
دراسة جواب آخر
وثمة توجيه وجواب آخر مطروح في كلمات الباحثين، وتجد دلالة بعض عبارات الشهيد مرتضى مطهري في مواضع شتى ناظرة إليه ومؤكدة لمبناه؛ ومفاده: أن الآيات الكريمة القاضية بمدح الإنسان والثناء عليه متوجهة لخصوص “الإنسان مع الإيمان”، والآيات النازلة بذمه وتقريعه وملامته مختصة بـ “الإنسان من دون الإيمان” والكفار بالتمام؛ فالملاك والمعيار الحاكم في توجيه المدع والذم في القرآن يدور مدار الإيمان والكفر بالصناعة. فالإنسان متى توشح بالإيمان وتزين باليقين صار خيراً من الملائكة ومستحقاً للخلافة ومسجوداً للملائكة؛ ومتى خلا وجوده من الإيمان وسلك الكفر والجحود صار كالأنعام بل أضل سبيلاً؛ بموجب قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل هم أضل؛ (كما في قوله تعالى: «…أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» [الأعراف: 179]).
غير أن هذا المذهب محاط بالإشكال والخدشة المعرفية بالصناعة؛ لكونه غفل عن تحديد الأصل والملاك الحقيقي في كينونة الإنسان؛ فالبشر يحوزون طاقات واستعدادات هائلة ومتباينة (سواء أكانت استعدادات كمال وخير أم استعدادات نقص وشر)، فما هو الأصل والمنشأ في خلقه وجوداً؟ وأيهما يتسم بالأصالة والتقدم بالذات؟ وهل يتصف كلا الاستعدادين بخلو الأصالة واستوائهما بالرتبة؟
وإضافة لذلك، فإن حصول الإيمان والاعتقاد أو سلك الكفر والجحود في العبد، إنما تحقق وبان خارجاً بالاستناد لإرادته واختياره وسعيه بالذات؛ لكون الباري وهب العبد عقلاً وإرادة وحرية انتخاب ليسلك طريق الإيمان طواعية، وإلا لانتفت القيمة الوجودية للإيمان وصار جبراً تكوينياً لا شرف فيه. فثبوت الاختيار والإرادة متقدم رتبة على الإيمان والكفر بالتمام، وهو أمر من شؤون مقام التكوين والخلق التأسيسية بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: كل نص شريف يدل على ثبوت الإرادة والاختيار وحيازة القوة العاقلة للبشر، فهو متوجه بالذات لمرتبة التكوين التأسيسية السابقة على الإيمان والكفر عيناً؛ فيستوعب الكافر والمؤمن على السواء بالوجدان.
وأما في مساحة نصوص الملامة والذم، فلا ريب في اختصاص طائفة منها بخصوص ذم الكفر والجحود وهو أمر مسلم به بالصناعة؛ كالتضييق والشدة والغلظة المأمور بها في مواجهة الكفار المحاربين، وسنعرض لتوجيهها وبيان ملاءمتها مع صيانة الحقوق الإنسانية لاحقاً. بيد أن بعض مواطن الضعف والنقص المنسوبة للإنسان في القرآن هي أوصاف نسبية تُعرض في مقام القياس والمقارنة مع عوالم الغيب والكمال المطلق؛ وليست ذماً تكوينياً ذاتياً محقراً بالتمام؛ بل هي بمثابة دوافع واستعدادات جُعلت ممهدة لحركة العبد الترقية وتكامله الوجودي؛ ولذا صيغت لها توجيهات وحلول علمية مستقصاة في مظانها. وعليه يظهر انتفاء منافاة هذه الأوصاف والملامات مع ركائز الكرامة الذاتية ومبانيها الشريفة للإنسان. فالكرامة وثبوت العقل والإرادة والاختيار وحق الجود والعدل متقرر لعامة البشر عيناً ولا تصادمه الملامة التكوينية بالصناعة. وهذا ينهض جواباً كلياً يتبعه حل فقهي وتفصيلي لكل آية بمفردها بموجب القرائن. وتوجد وجوه وتوجيهات أخرى أعرضنا عن ذكرها لعدم الحاجة إليها فعلاً. فالقدر الحاصل يقضي بامتناع معارضة هذه الآيات للكرامة الذاتية وبطلان نفيها بموجبها بالتمام.