The news is by your side.

الدرس السادس والثلاثون، المقام الأول

الدرس السادس والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الآيات المعارضة – الطائفة الأولى – الطائفة الثانية – معالجة التعارض

28 شوال 1446 هـ

قررنا سابقاً دلالة طائفة من الآيات الكريمة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ ومفادها تكريم الباري جل وعلا للإنسان بخصائص ونعم وافرة، ومشاركة عامة البشر قاطبة كافراً ومسلماً في حيازة هذا التكريم. بيد أننا في قبال هذه الطائفة الشريفة نواجه طائفة أخرى من الآيات يظهر منها الذم والتقريع الشديد لعموم الإنسان عيناً؛ وتنهض دلالتها الصريحة أو الظاهرة أو الكنائية لنفي الكرامة الذاتية بالصناعة؛ ولهذا استند إليها منكرون الكرامة الذاتية في تبيين مذهبهم. وسنعرض هاهنا لبيان هذه الآيات وكيفية تقريب استدلالهم بها، تمهيداً لمعالجة هذا التعارض الظاهري وبيان وجه الحق فيه بالصناعة والتحقيق العلمي المعتمد.

الآيات المعارضة

تبرز في قبال الآيات الدالة على الكرامة الذاتية للإنسان، آيات أخرى تشتمل على ذم وتقريع شديد للعبد الوجودي؛ وبموجبها توهّم البعض انتفاء دلالة الأولى وقرروا نفي الكرامة الذاتية؛ لكون هذه الآيات المعارضة بعضها صريحاً وبعضها الآخر ظاهراً في نفي التكريم، والتي استدل بها المنكرون للكرامة الذاتية. وسنعرض لهذه الآيات ونبين وجه تقريب استدلال المنكرين بها، تمهيداً لعقد الكلام في إثبات انتفاء التعارض والوقوف على وجه الجمع والائتلاف بين الطائفتين بالصناعة.

تصنيف الآيات المعارضة

تندرج الآيات الشريفة المشتملة على ملامة الإنسان ونفي تشريفه، أو القاضية بلزوم التعامل بشدة وغلظة مع طائفة منه، تحت طائفتين رئيسيتين بالصناعة:

الطائفة الأولى: الآيات المتوجهة بملامتها وذمها لعموم العبد الوجودي؛ ومفادها ذم مطلق الإنسان بمعزل عن قيد أو وصف خاص.

الطائفة الثانية: الآيات النازلة في خصوص ذم الكفار والمشركين وتقريعهم، أو الآمرة بفرض التضييق والشدة والغلظة في مواجهتهم خارجاً.

وتحكي دلالة هاتين الطائفتين في أنظار الخصوم انتفاء الكرامة الذاتية للإنسان؛ لكون اتصاف الإنسان بالكرامة الذاتية يتنافى عقلاً مع توجيه هذه الملامة القاسية أو الأمر بقتله وإبادته عيناً. ونبين نماذج وشواهد لهاتين الطائفتين من الآيات الكريمة بالترتيب:

الطائفة الأولى

الآية الأولى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى؛ (كما في قوله تعالى: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى» [العلق: 6-7]). ومفادها طغيان العبد وعصيانه؛ لكون جبلته تدفعه عيناً للطغيان والتمرد حال توهمه الاستغناء وعدم الفاقة للغير؛ وصحيح أن الطغيان هاهنا مقيد بوصف الاستغناء، غير أن دلالته على ذم الجنس واضحة بالصناعة.

الآية الثانية: إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ» [المعارج: 19-22]). وعمدة الشاهد تتبلور في قوله: «خُلِقَ هَلُوعًا»؛ فالكلام صريح في جبلة العبد وصياغته الوجودية على الهلع والجزع والمنع.

السؤال: …

الأستاذ: يفسر الحق سبحانه وتعالى كنه “الهلوع” في الآيتين اللاحقتين؛ لكون الهلع يعني الجزع والاضطراب عند مس الشر، والإمساك والمنع وعدم الجود عند مس الخير، مستثنياً من ذلك المصلين… وحصول الاستثناء يثير التساؤل: هل تباين خلقة المصلين جبلة سائر البشر؟ والجواب: أن غاية ما في الباب دلالة صلاة العبد والالتزام بها على وقاية العبد وحفظه من عوارض الجزع والهلع والمنع؛ فطبع العبد ونشأته المادية تقتضي الهلع، ويسعى بالرياضة والصلاة لبلوغ مرتبة الصبر والسكينة وتجاوز طبع المادة عيناً؛ غير أنه ذم صريح لطبعه.

الآية الثالثة: خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون؛ (كما في قوله تعالى: «خُلِقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ» [الأنبياء: 37])؛ فالعجلة والسرعة مستقرة في طينة خلق العبد جبلة؛ فهو يفتقر للصبر والأناة بالذات.

الآية الرابعة: ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً؛ (كما في قوله تعالى: «وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا» [الإسراء: 11])؛ ومضمونها ذم عجلة العبد وسعيه في طلب الشر كطلبه للخير عيناً.

الآية الخامسة: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ» [الأنفال: 22])؛ فالنص يصف طائفة من الناس بأنهم شر الدواب لتعطيلهم العقل والسمع والبصر عيناً.

الآية السادسة: وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين؛ (كما في قوله تعالى: «وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ» [الزخرف: 15])؛ ومفاد الكفور المبين هو الجحود والنكران الصريح لنعم الباري وإشراك عباده به بالتمام.

الآية السابعة: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً؛ (كما في قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا» [النساء: 28])؛ فالكلام صريح في ضعف خلقة العبد وجوداً.

الآية الثامنة: إنه كان ظلوماً جهولاً؛ (كما في قوله تعالى: «…إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» [الأحزاب: 72])؛ حيث يعقب النص حمل الإنسان للأمانة بالقول بكونه ظلوماً جهولاً بالصناعة.

الآية التاسعة: قتل الإنسان ما أكفره؛ (كما في قوله تعالى: «قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ» [عبس: 17])؛ ومضمونها التقريع والموت والدعاء بالإهلاك على العبد لبالغ كفره وعناده؛ وتعادل لغة الموت والهلاك المعبر عنها معاصراً بـ “الموت لفلان”؛ لشدة نكران وجود النعمة وجحودها عيناً.

الآية العاشرة: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوساً؛ (كما في قوله تعالى: «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا» [الإسراء: 83]).

الآية الحادية عشرة: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين؛ (كما في قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» [يس: 77]).

الآية الثانية عشرة: إن الإنسان لربه لكنود؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» [العاديات: 6])؛ والكنود يؤول لمعنى كفر النعمة والجحود الشديد بالصناعة؛ وقيل إن الكنود هو الكائن الحريص على تعداد المصائب ورصد البلايا، الغافل عن النعم والعطايا الإلهية بالتمام.

الآية الثالثة عشرة: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ» [هود: 9]).

الآية الرابعة عشرة: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذن لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً؛ (كما في قوله تعالى: «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا» [الإسراء: 100])؛ والقتور هو البخيل الشديد الإمساك والمنع.

الآية الخامسة عشرة: ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» [الكهف: 54]).

الآية السادسة عشرة: وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار؛ (كما في قوله تعالى: «…إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ…» [إبراهيم: 34]).

الآية السابعة عشرة: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؛ (كما في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» [الانفطار: 6]).

الآية الثامنة عشرة: إن الإنسان لفي خسر؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ» [العصر: 2]).

وهذه جملة الآيات النازلة بمساق الملامة والذم لعموم العبد الوجودي؛ وبموجب احتجاج الخصوم، فإن دلالتها واضحة في نفي الكرامة الذاتية؛ فلولا انتفائها لَمَا صح وصف الإنسان بالكنود والظلوم والكفار والضعيف والقتور بالذات.

الطائفة الثانية

وأما طائفة الآيات المعنية بذم الكفار والمشركين وتقريعهم، فهي تباين بظاهرها دلالة نصوص الكرامة السابقة بالتمام، ومنها:

الآية الأولى: أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون؛ (كما في قوله تعالى: «…أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» [الأعراف: 179]).

الآية الثانية: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ (كما في قوله تعالى: «…فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ…» [التوبة: 5]). فهذا النص يحث المؤمنين على الشدة والقتل والمحاصرة للمشركين المعتدين عيناً.

الآية الثالثة: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» [البينة: 6]).

الآية الرابعة: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير؛ (كما في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» [التوبة: 73]).

الآية الخامسة: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ» [البقرة: 161-162]).

الآية السادسة: إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبَّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ» [المائدة: 36-37]).

الآية السابعة: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [المائدة: 33]).

وتقيد هذه الآيات الشريفة الملامة والذم بالعلة والوصف المصاحب للفعل؛ فالوصف يشعر بالعلية بالصناعة؛ فالعبد يذم ويقرع لأفعال وخصال معينة اقترفها خارجاً.

والسؤال المثار: ما كنه التعارض بين هاتين الطائفتين والآيات الكريمة السابقة الدالة على الكرامة الذاتية؟ وهل يستقيم الجمع بينهما صناعة، أم يمتنع الائتلاف وتتعارض دلالتهما بالذات؟ وإذا كان الجمع ميسوراً، فما معالمه وقواعده العلمية المعتمدة بالصناعة؟

معالجة التعارض

ويظهر للمتأمل انتفاء وحدة السياق والأسلوب المعرفي الحاكم في استخدام هذه الأوصاف والملامسة الموجهة للعبد في طيات هذه الآيات؛ فنعم، يبرز الذم والتقريع، غير أنه ممتنع عن التعميم والشمول المطلق للإنسان بما هو إنسان بالصناعة؛ بل يتقيد الذم في طائفة من الآيات بترك فعل الخير ومفارقة طريق الطاعة والرفق عيناً.

النكتة الأولى

الركن الأول يقضي بكون طائفة من الآيات الشريفة متجهة عيناً لرصد الخصال والأوصاف الذاتية للعبد الوجودي؛ فصاغت ملامتها وذمها تالياً بالنظر لارتكاب المكلف لوصف قبيح خارجاً؛ ومعالجة الآيات المذكورة من هذا القبيل يخرجها بالتمام من حيز التعارض بالصناعة. لكون تلك الآيات تقرر تبجيل العبد وتكريمه الرباني التكويني الذاتي، وتوجيه الذم في هذه الآيات طارئ عارض لفعل اقترفه، فلا تعارض عيناً. ومثاله قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ»؛ فالاستثناء الحاصل للمصلين يكشف عن خلو كينونتهم من هذا الوصف؛ والعبد مجبول على الهلع والجزع بطبعه المادي، غير أن الكرامة الذاتية المتمثلة في العقل والفطرة والإرادة باقية لا تصادم عروض الهلع والضعف على جبلته المادية عيناً. فالضعف والهلع من مقتضيات المادة والتركيب، ولا يباعدان التكريم المعنوي المفيض من لدن الحق سبحانه بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: إننا لا نعمم هذا التخريج لسائر الموارد؛ بل نقتصر به على طائفة من الآيات كقوله: «خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ»، أو قوله: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ»؛ لكون ملامة الأخير متوجهة لتعطيل قوة العقل والسمع والبصر عيناً… فالحق سبحانه وهبهم العقل تكريماً ذاتياً، بيد أن تنكرهم لهذه النعمة العظيمة وعزوفهم عن إعمال التفكير وصيرورتهم صماً بكماً صيرهم شر الدواب بالصناعة. فالذم طارئ لعروض تنكرهم للنعمة وإهمالهم للكرامة عيناً.

السؤال: …

الأستاذ: يمتنع هذا التخريج لغير الموارد الموصوفة بتعطيل العقل وإقامة التقليد الأعمى للآباء والأسلاف في جبهة الكفر والعناد بالصناعة… فمن سد على نفسه مسالك البحث والمعرفة وقاد مساره بالتقليد الأعمى كان شراً من الدواب بالذات.