The news is by your side.

الدرس الخامس والثلاثون، المقام الأول

الدرس الخامس والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – تابع الدليل الأول: الآيات – من الآية الرابعة والعشرين إلى الآية الثلاثين

22 شوال 1446 هـ

استكمالاً لدراستنا للآيات الدالة على الكرامة الذاتية للإنسان في سياق دليلنا الأول؛ نتابع هاهنا عرض ما تبقى من آيات شريفة بكيفية أسرع بالصناعة. وإن الغرض من ذكر هذه الآيات قاطبة يكمن في تبيين كيفية الاستدلال بها وتخريج وجه احتجاجها العلمي؛ لكون المعاني بدواً قد تبدو متباعدة عن المدعى لغير المتأمل؛ لذا ينهض إيراد وجه الاستشهاد بكل آية ركيزة هامة في تشييد المطلب وإثبات حجية المدعى بالصناعة.

الآية الرابعة والعشرون

قوله تعالى في سورة آل عمران الآية 134: الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين؛ (كما في قوله تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [آل عمران: 134]). حيث أشار النص الشريف لجملة من سلوكيات الإحسان والفضيلة؛ وهي: الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو والصفح عن الإساءة؛ مصيراً فاعلها مستحقاً لوصف الإحسان ومحبة الباري جل وعلا. والملحوظ خلو التعبير من التقييد بطائفة معينة من البشر؛ فالعفو والصفح مقرر في حق الناس قاطبة بلفظ «النَّاسِ» المجرّد من أي خصوصية دينية أو مذهبية. والوصيتان الأخريان تجريان مجراه عيناً؛ وإن خلت صياغتهما من التعقيب بالناس صراحة، إلا أن المفهوم العرفي يقضي بعموميتهما للجميع.

وما يعنينا في هذا المقام بوصفه شاهداً هو نفس احتساب هذه السلوكيات -ولا سيما العفو عن الناس- في عداد الإحسان وصناعة المعروف، وكون فاعلها مستحقاً لمحبة الباري عز وجل؛ وهو دليل قاطع على تشريف الإنسان وتكريمه بالصناعة؛ لكون لزوم العفو والرفق بالعبد وإحاطته باللطف وتجنب الغضب في مواجهته، يمثل كرامة ومقاماً وُهب له بموجب إنسانيته عيناً. فالعفو والرفق إنما يتقرران للإنسان بوصفه قيمة في نفسه.

الآية الخامسة والعشرون

قوله تعالى في سورة المائدة الآية 8: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون؛ (كما في قوله تعالى: «…يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» [المائدة: 8]). حيث يأمر الحق سبحانه وتعالى المؤمنين بضرورة القيام لله والشهادة بالقسط، وينهى أن يحدوهم بغض قوم وشنآنهم على مفارقة طريق العدل وارتكاب الجور في حقهم، ويأمر بالعدل بوصفه أقرب للتقوى. وثمة شطران في هذا النص الشريف ينهضان شاهدين على المدعى:

الأول: قوله: «شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ»؛ لكون القسط والعدل يمثلان قيمة مطلقة في الشريعة والمجتمع الإنساني، وهو ما يؤكد عظم اهتمام الشارع وشرعه بالبشر؛ لكون الخطاب عاماً يستوعب المؤمن والكافر على السواء في شؤون المعاملة والحقوق.

الثاني: النهي الصريح عن مجافاة طريق العدل وارتكاب الظلم بدواعي العداء والشنآن مع الخصوم؛ وهو نهي يقتضي لزوم رعاية العدل حتى مع الأعداء والمخالفين بالتمام. فلو لم يكن لهؤلاء المخالفين حرمة وقيمة إنسانية ذاتية، لما حرم الشارع ارتكاب الظلم في حقهم، ولما أوجب إقامة العدل معهم على السواء.

الآية السادسة والعشرون

قوله تعالى في سورة العنكبوت الآية 46: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ…» [العنكبوت: 46]). حيث ينهى الباري تبارك وتعالى عن مجادلة أهل الكتاب (وهم من المخالفين في العقيدة) بغير الطريقة والأسلوب الذي هو أحسن وأرفق؛ مستثنياً من ذلك خصوص الظالمين والمعتدين منهم بالصناعة. وتوجيه الخطاب للالتزام بالجدال بالتي هي أحسن مع غير المسلمين دليل قاطع على ثبوت حرمة وقيمة ذاتية للإنسان؛ لكون الحوار والجدال الأرفق يمثل صوناً لكرامته وحرمته الشخصية بالذات.

السؤال: …

الأستاذ: غاية الجدال الأحسن تؤول للتأثير الإيجابي والوقوف على مكامن الهداية… فالبشر يحوزون حرمة وقيمة وجودية يتعين حفظها وصيانتها… ولماذا يحرص الشارع على الهداية والتبليغ الأرفق؟ لكون العبد أهلاً للتكريم والخطاب بالتي هي أحسن بالذات؛ فمهما كانت الغاية من الجدال إرشاداً أو تأثيراً أو حواراً، فإن لزوم سلوك الطريق الأرفق يكشف عيناً عن اتصاف المخاطب بمرتبة وشرف يستوجب رعاية الرفق في حواره؛ وهو ما نطلق عليه عيناً الكرامة والحرمة الذاتية بالصناعة؛ وصيرورة هذا المعنى غريباً وموحشاً في أنظار البعض محل تعجب واستغراب بالذات.

الآية السابعة والعشرون

قوله تعالى في سورة البقرة الآية 83: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً؛ (كما في قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا…» [البقرة: 83]). حيث يذكر النص الشريف أخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل بعبادة الله وحده، والإحسان للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، ثم يعقب بقوله: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا». ووجه الاستشهاد يتضح عيناً في الأمر بالخطاب والحديث الحسن مع عامة الناس؛ بلفظ «النَّاسِ» الشامل للكافر والمسلم بالتمام. فلولا حيازة المخاطب لقيمة وحرمة وشخصية ذاتية، لَمَا استقام هذا الأمر الإلهي بالرفق والقول الحسن معه بالذات؛ وحمل غاية القول الحسن على الرغبة في بسط التأثير والتبليغ لا ينفي كونه تكريماً وتبجيلاً للذات الإنسانية عيناً بالصناعة. وتأثير هذه التوصية في رعاية الآداب والرفق مع المخالفين يؤول بالتبع للاعتراف بحرمتهم الذاتية. وتفصيل قوله: «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ» ينهض أيضاً دلالة على تكريم الإنسان وصيانة منزلته، وإن لم يبلغ صراحة قوله: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» في تعميمه بالصناعة.

الآية الثامنة والعشرون

قوله تعالى في سورة النساء الآية 58: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» [النساء: 58]). حيث يأمر النص الشريف بأداء الأمانة لأهلها، ويعقبه بوجوب الحكم والداورية بالعدل بين الناس قاطبة دون تقييد. فالأمر بالعدالة مستوعب للجميع بلفظ «النَّاسِ»؛ وهو ما يكشف عيناً عن ثبوت قيمة وحرمة ذاتية للعبد المخاطب تستوجب إقامة العدل في حقه بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: نحن نلتزم بدلالة هذا النهي عن الظلم ولزوم رعاية العدل عيناً على إثبات التكريم وحرمة العبد… ولسنا معنيين هاهنا ببحث كنه المنشأ الإدراكي للعدل والظلم؛ أهو الفطرة، أم حكم العقل، أم صيرورته من البديهيات؛ فهذه جهة خارجة عن المطلب؛ وإن كان ثبوت قبح الظلم وحسن العدل مجمعاً عليه عيناً بالوجدان. وأما مجرد امتناع التعدي والظلم على العبد وحظر ارتكابه في حقه، فيكشف بيقين عن اتصافه بحرمة ذاتية توجب صيانة حقه بالذات؛ وهو عين الكرامة الذاتية المقررة بالصناعة.

الآية التاسعة والعشرون

قوله تبارك وتعالى في سورة هود الآية 85: ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين؛ (كما في قوله تعالى: «وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» [هود: 85]). فالخطاب متوجه لعموم المعاملين والناس دون تقييد بالإيمان؛ ومفاده لزوم رعاية الوفاء والقسط في الكيل والميزان وحظر بخس الناس حقوقهم وأشياءهم بالتمام. وهذه الوصايا الاقتصادية والمعاملية تحكي عيناً عن وجود قيمة وحرمة مقدرة للعبد الآخر تمنع غبنه وبخس حقه في المعاملة؛ فلولا اتصافه بحرمة وحق في نفسه، لَمَا كان لحظر البخس والغش مستند عقلائي وتشريعي بالصناعة. وسنبين لاحقاً دلالة سيرة أهل البيت (ع) العملية على تأكيد هذا المسلك ورعاية حقوق المخالفين بالتمام.

الآية الثلاثون

قوله عز وجل في سورة المائدة الآية 2: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا؛ (كما في قوله تعالى: «…وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا…» [المائدة: 2]). فالنص الشريف ينهى صراحة عن التعدي ومجاوزة الحد مع المشركين المانعين للمسلمين من ورود المسجد الحرام؛ ومفاده حظر الاعتداء والعدوان بدوافع البغض والشنآن عيناً. وهذا النهي الصريح عن الاعتداء على المشركين المعتدين دليل قاطع على ثبوت حرمة وحق لهم يمنع التجاوز في حقهم بغير وجه شرعي بالصناعة. ولا يصح حمل هذا النهي على مصلحة طارئة أو ضرورة وقتية؛ بل هو حكم عام مطلق يجري في سائر الأحوال رعاية لمبدأ العدالة وعدم العدوان بالتمام.

وعليه، فإن هذه الآيات الشريفة قاطبة تدل بكيفيات شتى وبألسن متعددة على إثبات أصل الكرامة والحرمة الذاتية للإنسان بما هو إنسان بالصناعة؛ وتترتب عليها بالتبع طائفة من الحقوق الأساسية له؛ وعمدتها حق العدالة وحرية السلوك بحدودها المقررة.

السؤال: …

الأستاذ: سنعقد مباحث الجلسة المقبلة لمعالجة طائفة من الآيات التي قد يظهر منها المنافاة والمعارضة مع دلالة هذه النصوص الشريفة؛ لبيان كيفية الجمع بين الطائفتين ودفع التعارض بالتمام بمشيئة الله تبارك وتعالى.