The news is by your side.

الدرس الرابع والثلاثون، المقام الأول

الدرس الرابع والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – تابع الدليل الأول: الآيات – من الآية الحادية والعشرين إلى الآية الثالثة والعشرين

21 شوال 1446 هـ

لقد أشرنا في سياق دليلنا الأول على الكرامة الذاتية للإنسان إلى عشرين آية شريفة؛ وتوجد هنا آيات عدة أخرى سنعرض لها بمرور أسرع بالصناعة. وإن الغرض من ذكر هذه الآيات هو بيان كيفية الاستدلال بها وتخريج وجه احتجاجها؛ لئلا يتبادر للذهن بدواً عدم ارتباط هذه الآيات بالمدعى؛ لذا يتعين الإشارة الإجمالية لوجه الاستدلال بها، لكونه يساهم في تحكيم المدعى وتشييد أدلته بالتمام.

الآية الحادية والعشرون

قوله تعالى في سورة الحجرات الآية 13: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير؛ (كما في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13]). فالخطاب هاهنا متوجه لعموم البشر: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ»؛ ثم يقرر الباري خلقهم من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل متعددة لغرض التعارف، ويعقب ذلك بقوله: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». فالإشارة إلى وصف “أكرم” تنبئ عيناً عن استقرار أصل الكرامة لعموم البشر قاطبة؛ بمعنى أن الكرامة تتصف بكونها ذات حد أدنى وسقف أعلى؛ والارتقاء نحو السقف الأعلى وبلوغ أعلى درجات الكرامة يدور مدار تقوى الحق تبارك وتعالى. بيد أن أصل الكرامة مفروغ منه ومسلم به لعامة البشر بموجب لسان الآية؛ وهذا بحد ذاته يكشف عن ثبوت كرامتين للإنسان؛ كرامة ذاتية وأخرى اكتسابية بالصناعة. والكرامة الاكتسابية تدور مدار التقوى وتحوز رتباً ودرجات متعددة؛ بينما يثبت أصل الكرامة لعامة البشر بمقتضى ظاهر هذا النص الشريف بالذات.

السؤال: …

الأستاذ: يقرر قوله: «أكرمكم أتقاكم» أن صاحب الكرامة الأعلى هو الأكثر تقوى… وهذا يثمر جهتين بالصناعة: الأولى: ثبوت الكرامة للإنسان بما هو إنسان في الجملة… وصيغة التفضيل “أكرم” تفيد الاشتراك في أصل الوصف والكرامة عيناً…

إن قلت: يبرز إشكال هاهنا حاصل من كون صيغة التفضيل “أتقاكم” في قبال “أكرمكم”؛ وهو ما يعلق الكرامة الأعلى على التقوى الأعلى بالتمام. فإذا كانت التقوى ملاكاً للأكرمية، ثبت تلازم التقوى والكرامة وجوداً وعدماً؛ بمعنى دوران الكرامة مدار التقوى؛ فلا دلالة في الآية الشريفة على ثبوت كرامة لمن خلا وجوده من التقوى بالصناعة.

الأستاذ: ما أذهب إليه هو وجوب النظر لصدر الآية الشريفة القاضي بـ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»؛ فالكلام ناظر لعرض حقيقة الخلق ووحدة المنشأ البشري مع تفاوت الأنساب والشعوب؛ ثم يعقبه بالقول: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». فالباري في الجملة السابقة المقرونة بشاهدنا، أشار لخلق العباد على الاستواء والتماثل مع حصول الفروق الطبيعية بينهم، وصيّر هذا الخلق وتلك الحقيقة بمثابة الكرامة التكوينية المفروغ منها، ثم قرر أن ملاك التفضيل والكرامة الحقيقية الأخروية يكمن في التقوى والعمل الصالح بالذات… فالشرف لا يثبت بالأنساب والأعراق بل بالتقوى؛ وهو ما يؤكد تضمن الآية للشرفين والكرامتين معاً.

الآية الثانية والعشرون

وقوله تبارك وتعالى في سورة المائدة الآية 32: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً؛ (كما في قوله تعالى: «…مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…» [المائدة: 32]). فقد استثنى النص حالتين لثبوت جواز القتل وسلب حيازة النفس؛ وهما القصاص للقتل العمد، أو الإفساد في الأرض. فمن خلا صنيعه من هاتين الجهتين كان قتله بمثابة إهلاك للناس قاطبة. وبمقتضى هذا النص، يثبت حق الحياة وصيانته لعامة العباد؛ فالقتل محرم عيناً مالم يقع القصاص أو عقاب الإفساد. وهذان الاستثناءان ينهضان شاهداً رصيناً على مدعانا؛ فلولا ثبوت الكرامة الذاتية وحرمة النفس الإنسانية في الجملة، لما استقام تعظيم حرمة القتل وصيرورته معادلماً لإهلاك العشيرة البشرية برمتها.

السؤال: …

الأستاذ: مدار بحثنا هاهنا ينصب على ظاهر الآية الشريفة؛ وهو بمفرده يقرر حرمة الدماء وصيانتها دون تقييدها بوصف الإيمان أو الإسلام؛ فلم يقل سبحانه: “من قتل مؤمناً” أو “من قتل مسلماً”، بل قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ». نعم، وثمة كائن يتصف بالإفساد في الأرض عيناً… والآية تحدد من يستوجب قتله إهلاكاً لعامة البشر ومن لا يستوجب؛ فالمستثنى هو القاتل قصاصاً والمفسد في الأرض. وأما تساؤلكم حول دلالة هذا الاستثناء وعقوبة القتل على انتفاء وصف الكرامة عن هؤلاء؛ فجوابه أن القتل هاهنا يقع في سياق العقاب والجزاء والمحاكمة على ما اقترفه الجاني خارجاً؛ والجرائم والكبائر تستوجب العقوبة والردع شرعاً، وهو ما لا يصادم بحال القول بحيازة الإنسان لقيمته وحرمته الذاتية المقررة التكوينية لولا الجناية والعدوان بالصناعة… فالتعدي يستلزم العقوبة والحدود تفرعاً. وما كنه الكرامة التي تفرون منها وتجعلونها كائناً غريباً تستوحشون من إثباته؟ الكرامة تعني تبجيل الكائن والاعتراف بقيمته وحرمته وصيانة حقوقه بالذات. وبطبيعة الحال، فللحيوان أيضاً نصيب ورتبة من الكرامة والحرمة بموجب نصوص الشريعة… بل ونذهب لكون النبات والجماد واجداً لرتبة من الكرامة والحرمة أيضاً؛ فالإسلام يقرر رعاية الكائنات قاطبة وعدم التعدي عليها عبثاً. فالأمر يدور مدار المراتب والدرجات الوجودية؛ ولكن هذا التعظيم المقر لحرمة قتل النفس الإنسانية في الآية وجعله مساوياً لإبادة البشر قاطبة لم يثبت لغير الإنسان من كائنات النشأة المادية بالتمام… فلا يصح إلحاق الحيوان به هاهنا. فثبت اختصاص الإنسان بهذا الاهتمام والتعظيم الوجودي العظيم؛ ولا ريب في شموله للبشر قاطبة قبل ارتكابهم للجناية المعاقب عليها. فاهتمام الشارع بدم الإنسان وحرمته بلغ من العظم رتبة يمتنع معها إنكار أهليته وكرامته الذاتية بالوجدان؛ وهو شرف تفرد به الإنسان دون سائر الكائنات بالصناعة. وتخصيص الأحكام وتوجيه العقوبات للجاني والقاتل أمر تقره المنظومات العقلائية والقوانين الوضعية قاطبة مع التزامهم التام بكرامة وحرمة الإنسان عيناً…

الآية الثالثة والعشرون

وقوله جل وعلا في سورة الممتحنة الآيتين 8 و9: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون؛ (كما في قوله تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» [الممتحنة: 8-9]). فالآية صريحة في عدم نهي الباري جل وعلا عن الإحسان والبر والعدل مع المخالفين في الدين الذين لم يوجهوا حرباً أو يخرجوا المؤمنين من ديارهم؛ بل يقرر حب الحق سبحانه للمقسطين معهم. ويعقب ذلك ببيان مورد النهي المحصور في طائفة حاربت الدين وسعت في إخراج العباد ومظاهرة الأعداء عيناً. فهذه التوصية الشريفة بلزوم البر والعدل والإحسان مع الكافرين غير المحاربين دليل جلي على ثبوت كرامة وحرمة العبد لمجرد كونه كائناً إنسانياً؛ لكون البر والإحسان للآخر تكريماً وتبجيلاً له بالذات.

وبطبيعة الحال، لا يعني هذا تماثل رتب البر والإحسان للآخر الكافر مع رتبة الأخوة الإيمانية وحقها الرفيع؛ لكون الأخيرة مستقرة في وادٍ فسيح من المحبة والالتزام العقدي؛ غير أن صيرورة البر والعدل مطلباً شرعياً للتعامل مع الإنسان المخالف في الدين يؤول لكرامته وحرمته الذاتية عيناً.

وقد يعترض معترض بالقول إن مراعاة الرفق بالحيوان والشجر مأمور بها شرعاً أيضاً؛ والجواب أن الأمر بالقسط هاهنا ركن فريد يختص بالبشر والمجتمعات الإنسانية بالذات؛ فالقسط يدور مدار العلاقات المعاملية وحقوق العباد، ويغاير مفهوم العدل العادي. والوجوب الشرعي للقسط والبر مع الكافر غير الحربي دليل واجد على تشريفه وتكريمه الذاتي بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: لو قررنا دلالة قوله: «أكرم العلماء إلا الفساق» على استحقاق الإكرام لوصف العلم بالذات؛ فهل يصح القول بامتناع اتصاف العالم بالكرامة الذاتية لمجرد استثناء الفاسق عيناً؟ فالعالم بما هو عالم يستوجب التكريم بالذات، والاستثناء الحاصل للجاني أو الفاسق لا يصادم أصل المبدأ وقاعدته الحاكمة بالصناعة..