The news is by your side.

الدرس الثالث والثلاثون، المقام الأول

الدرس الثالث والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الأول: الآيات – من الآية الخامسة عشرة إلى الآية العشرين

15 شوال 1446 هـ

لقد أشرنا إلى معظم الآيات الشريفة التي استُشهد بها في الأبحاث الماضية، وبقيت بضع آيات أخرى؛ حيث ذكرنا حتى الآن أربع عشرة آية يمكننا في الجملة أن نستفيد منها دلالة على الكرامة الذاتية للإنسان بالمعنى الذي بيناه. وكانت الآية الرابعة عشرة خاصة بالفطرة؛ حيث أوضحنا كيف دشن قوله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله؛ (كما في قوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» [الروم: 30]) الدلالة على الكرامة الذاتية للإنسان، ومشاركة عامة البشر قاطبة كافراً ومسلماً، باراً وفاجراً، في حيازة هذه المزية والخصوصية بالذات.

الآية الخامسة عشرة

وثمة طائفة أخرى من الآيات الكريمة تدل عيناً على خلق السماوات والأرض لصالح الإنسان ومنفعته؛ كقوله تعالى في سورة البقرة الآية 22: الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم؛ (كما في قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رزقاً لكم…» [البقرة: 22]). فالكلام في هذه الآية جلي في تبيين خلق السماء والأرض وتناظرهما وإيجاد سبل العيش للعباد بإنزال المطر من لدن الحق لإخراج الثمرات لتصير رزقاً لهم بالتمام؛ وهو تشريف ونعمة خاصة وهبها الباري للإنسان بالذات. وقولنا إنها نعمة خاصة للإنسان يقتضي صيرورة العبد هو المقصود والغاية بالذات من خلق السماء والأرض؛ وإن كان سائر كائنات التكوين تشاركه الانتفاع بهما عيناً؛ غير أن حظوة الأنعام والنبات بالانتفاع حاصل بالتبع والعرض، والأصل والمقصد الحقيقي هو الإنسان بالصناعة. وتوجيه خلق عوالم الطبيعة لصالح الإنسان دليل قاطع على تشريفه وتكريمه من لدن الحق سبحانه وتعالى؛ ولم يرد في موضع من الذكر الحكيم اختصاص هذه النعم بالمؤمنين أو المسلمين بالذات؛ فلم يقل سبحانه: “الذي جعل للمؤمنين الأرض فراشاً” أو “رزقاً للمسلمين”، بل وجه خطابه لعموم بني آدم بلا استثناء.

الآية السادسة عشرة

وقوله تبارك وتعالى في سورة لقمان الآية 20: ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة؛ (كما في قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» [لقمان: 20]). ومساق هذا النص قريب من الآية السابقة بالتمام، بيد أنه صرّح بتسخير الباري جل وعلا لكل ما في عوالم السماء والأرض وإفاضة نعمه الظاهرة والباطنة على الإنسان بالخصوص. وتفويض سلطة التسخير والتوجيه للعبد يصح إرجاعه عيناً لامتيازه بقوة العقل والتفكر، أو صيرورته مزية مستقلة بذاته؛ وليس هذا التفصيل بذي بال هاهنا; لكون العمدة تدور مدار فراغ العبد في النشأة المادية من حيازة هذه القدرة والمكنة التكوينية الشاملة دون اختصاصها بطائفة معينة من البشر، بل هي كرامة حالية مفيضة من لدن الباري مستمرة وممتنعة عن السلب والزوال بالتمام.

الآية السابعة عشرة

وقوله عز وجل في سورة إبراهيم الآية 33: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار؛ (كما في قوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» [إبراهيم: 33]). فقد ورد التخصيص هاهنا بذكر الحقيقتين الماديتين (الليل والنهار) الناشئتين عن حركة الشمس والقمر وجريهما بالتمام؛ حيث يقرر تسخير الليل والنهار والشمس والقمر للإنسان بالخصوص. وبذات التقريب السالف، تنهض دلالة هذا النص الشريف لإثبات الكرامة الذاتية للإنسان؛ فما كنه هذا التسخير والتفويض لولا رغبة الحق في تكريم العبد وتشريفه في الخليقة بالذات؟

الآية الثامنة عشرة

وقوله تبارك وتعالى في سورة النحل الآية 14: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها؛ (كما في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا» [النحل: 14]).

الآية التاسعة عشرة

وقوله جل شأنه في سورة إبراهيم الآية 32: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار؛ (كما في قوله تعالى: «…وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ» [إبراهيم: 32]).

وقد جمعت هذه الآيات الشريفة الأخيرة الإشارة الإجمالية لتسخير هذا الكون وقدرة سلطة الإنسان وهيمنته على سائر مكوناته، أو صرحت بتمكينه وتسليطه على نعم وخصوصيات معينة بالذات. ويثار البحث هاهنا في تعيين كنه التعبير القرآني بـ «سخر لكم»؛ كما ورد في قوله: «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ» أو قوله: «سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»؛ فما المعنى المراد منه بالصناعة؟ وقد سلف لنا الإشارة لإمكانية تصوير تفسيرين للمطلب:

الأول: حمل التسخير على تذليل الشيء وتسييره لغرض وغاية معينة؛ وهو يفيد معنى الإخضاع والخشوع والامتثال القهري للتكوين؛ وبموجبه صير الحق عوالم المادة طوع العبد والتقدير البشري، ورتب خلقتها بكيفية تخضع لسلطانه وانقياده بالتمام.

الثاني: حمل التسخير على تهيئة عوالم التكوين وبنائها بكيفية تجعل الإنسان منتفعاً ومستفيداً من آثارها على الدوام؛ فالطبيعة تمد العبد بالانتفاع والفوائد باستمرار عيناً.

وقد أقام الباحثون الشواهد والقرائن لتأیید كلا المسلكين؛ غير أن جل المفسرين يرتضون المعنى الأول ويعتمدونه في أبحاثهم بالذات. وكما أسلفنا، فإن تأسيس الباري لعوالم الطبيعة وصياغتها بكيفية تخضع لخدمة الإنسان وانقياده يمثل غاية التكريم والتبجيل البشري؛ ولولا خصوص كينونة الإنسان وأهليته التفضيلية، لما كان لتسخير العوالم وتفويض مكنتها للعبد معنى وصياغة بالصناعة.

الآية العشرون

وتتكفل طائفة أخرى من الآيات الشريفة ببيان ثبوت وجود العواطف والمشاعر الإنسانية والأخلاقية الكامنة في جبلة العبد عيناً. وقد سلف لنا تفصيل كنه هذه العواطف؛ وعمدتها انتفاء تباين البشر في مساحة إدراك هذه العواطف وتفعيلها خارجاً من حيث اللون والعرق والعقيدة والمذهب بالصناعة. فالعبد يجد في باطنه دافعاً ونزوعاً ذاتياً لنجدة بني جنسه عند الاضطرار والفاقة، ويعترضه شعور بالرضا والسكينة عند إحسانه ومعونته؛ ولو أحجم وتنكر لهذا الواجب الإنساني، واجهه باطنه بالملامة والتقريع والندم بالوجدان؛ وهذا هو مقتضى التلقي الباطني للعبد. وكذا يسير الأمر بالنظر الخارجي للمجتمع؛ فالإنسان متى سلك مسلك النجدة والإحسان والفضيلة نال تقدير العقلاء وثناءهم قاطبة؛ ومتى نأى بنفسه عن الإحسان وسلك الجفاء واجه ذم المجتمع وتقريعه عيناً. فالعواطف الأخلاقية تحكم سلوك العبد بالثناء والذم الباطني والخارجي على السواء.

وقد مهدت بهذا التبيين لعرض دلالة الآيتين الأولى والثانية من سورة القيامة على هذا المطلب بالذات: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة؛ (كما في قوله تعالى: «لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» [القيامة: 1-2]). وصحيح أن المطلب يفتقر لتمهيد ومقدمات مطوية لاستبيان دلالته بالصناعة؛ غير أن حمل النفس اللوامة على النفس السرزنش‌گر والتقريع الباطني للعبد مستقيم؛ ويسوغ إرجاع النفس اللوامة عيناً لذات الفطرة الوجدان للإنسان. والوجدان مباين للفطرة بالاصطلاح عند طائفة، ومتحد معها عند أخرى؛ وصرف النظر عن الخلاف المنهجي في اتحاد الفطرة والوجدان، وصرف النظر عن إرجاع النفس اللوامة للفطرة، فالمعلوم يقيناً حيازة الإنسان لقوة وباطن يقرعه ويلوم صنيعه وصنيع بني جنسه عند الخطأ؛ فما كنه التقريع واللوم؟ تقع النفس اللوامة في قبال النفس الأمارة بالسوء؛ فالنفس الأمارة تأمر بالقبح والرذيلة، بينما تنهض النفس اللوامة لحث العبد وتوجيهه لمسار الخير والفضيلة والكمال؛ فمتى قارف العبد الشرك أو عقوق المنعم تبارك وتعالى، واجهته باللوم والتقريع الباطني؛ وكذا الشأن حال إهماله لنجدة الملهوف والتنكر للعواطف الإنسانية الكامنة؛ فهي تحثه وتردعه مسبقاً وتذكره بالمسؤولية. وعليه، تدل الآية الشريفة على حيازة الإنسان لنعمة خاصة وميزة وجودية متمثلة بالنفس اللوامة المودعة في طينته؛ وهي خصيصة ثابتة لعموم البشر قاطبة، ولا يختص ثبوتها بالمتقين والصلحاء بالتمام. نعم، وقد يعمد العبد لتعطيل هذه القوة وسحق ندائها تكراراً حتى ينقطع صوتها وينتفي أثر لومها في باطنه؛ ويصير نداؤها خافتاً بالكلية.

وقد عرضنا بكيفية مستوفاة لبيان دلالة هذه الآيات قاطبة على إثبات المدعى بالتمام؛ مستندين للمعيار والضابط المقرر سابقاً؛ ومفاده أن الباري جل جلاله متى خص الإنسان بهبة ونعمة اختصاصية خلا منها سائر المخلوقات لغرض ومقصد غائي مقرر، فإن ذات إفادة العبد وتخصيصه بهذه الهبة يؤول بالتمام لتثبيت الكرامة الذاتية له بالصناعة؛ لكون الكرامة الذاتية تعني حيازة العبد لموهبة وخصوصية ينفرد بها دون غيره بالذات.

السؤال: …

الأستاذ: لقد أوضحنا ثبوت دلالة بعض الآيات بالصراحة والمطابقة، وعمدتها النصوص الشريفة الواجدة لألفاظ التكريم والإحسان أو الأحسن؛ كقوله: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، وقوله: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»؛ وقد سلف تبيين مفادها. وصحيح قلّة ورود هذه الألفاظ والواجهات اللغوية في سائر النصوص الشريفة؛ بيد أن جل الآيات الكريمة تنهض لإثبات جوهر التكريم والامتنان الإلهي عيناً وإن خلت من صريح اللفظ والعبارة. والآيات العشرون التي درسناها تعود في مآلها لبيان هذا المنهج عيناً؛ حيث يمتن الحق سبحانه في تضاعيفها بإفاضة نعم موهوبة للإنسان بخصوصه دون غيره، وجاء ذكرها في مساق الامتنان والتقريع عيناً؛ وهو امتنان يقتضي بالضرورة تبجيل العبد وتكريمه وإثبات كرامته التكوينية بالوجدان؛ فما الكرامة إلا حيازة هذا التفضيل والخصوصية؟… وقوله تعالى: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»… فالنصوص القاضية بالابتلاء والامتحان أردفت عيناً بذكر رتبة “أحسن عملاً”؛ وباعتماد هذه الغاية وتأكيد مكنة مباشرة العمل الأحسن يستقيم الاستدلال بالآية، ولا صلة لأصل الابتلاء المجرد بالمطلب. وقد يتطرق الخوف والوجل لنفوس البعض من القول بثبوت الكرامة الذاتية للإنسان… وأود أن أقرر الحق هاهنا جلياً بالقول: إن الكرامة الذاتية أمر ثابت لا ريب فيه؛ وهي تعني حيازة العبد بوصفه إنساناً لمجموعة من المواهب والخصوصيات التي تفرّد بها في الخليقة؛ وحيازته لهذه المزايا والامتيازات تمت وتأسست بمحض إنسانيته وعلو كعبه الوجودي، دون تعليق ثبوتها عيناً على رتب الإيمان والإسلام والعدالة؛ فالباري وهب العباد هذه الخصائص لمجرد اتصافهم بالإنسانية؛ وغاية ما في الباب حصول غرض وهدف من الخلق لبلوغ القمة والكمال دون ريب؛ غير أن التكريم الفعلي بوهب المزايا ثابت عيناً وهو جوهر الكرامة الذاتية. وهذه المباني التي أسلفناها تنهض قاطبة لإثبات هذا المطلب؛ نعم، وبكيفيات متباينة… ومتى تقرر تأسيس الكرامة الذاتية للإنسان، تفرعت عنها بالضرورة طائفة من الحقوق الطبيعية الأساسية له بالصناعة؛ كما بيّنّا في مقام البحث الثاني. فنعم، يثبت له حق الحياة وحق الاختيار وحرية السلوك بحدودها… والقول بسقوط احترام وحرمة المكافح والجاحد تكويناً، فبأي مسوغ يُحظر ظلمه وإذلاله وإهانته شرعاً بالذات؟…