الدرس الثاني والثلاثون، المقام الأول
الدرس الثاني والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الأول: الآيات – من الآية الرابعة إلى الآية الرابعة عشرة
14 شوال 1446 هـ
كان مدار البحث في أدلة الكرامة الذاتية للإنسان؛ وبيّنّا أن جميع الموارد التي ذُكرت كشواهد على الطائفة الأولى من الامتيازات الإنسانية صالحة في الجملة للدلالة على كرامته الذاتية. وبطبيعة الحال، لا تتحد رتبة دلالة هذه الشواهد على الكرامة الذاتية عيناً؛ بل تارة تقع بالمطابقة وأخرى بالالتزام، وتارة بالصراحة وأخرى بالإشارة أو الكناية. ولما كانت هذه الشواهد والقرائن قد سلف تفصيلها، لزمنا المرور السريع عليها مع إبراز وجه الاستشهاد بها عيناً. وقد عرضنا لذكر ثلاث آيات في الجلسة السابقة.
الآية الرابعة
والآية الرابعة تتبلور في الآيات من الأولى إلى الرابعة من سورة الرحمن: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان؛ (كما في قوله تعالى: «الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» [الرحمن: 1-4]). وهنالك خمسة آراء واتجاهات تفسيرية في بيان كنه المراد بـ “البيان” في هذه الآية الشريفة؛ وقد سلف لنا التنبيه عليها، غير أن الذي ارتضيناه هو حمل البيان على قوة التفكير والتعقل الإنساني؛ فلولا وجود العقل لما استقام النطق والتكلم وسائر الشؤون والتطبيقات المأثورة خارجاً بالصناعة.
وقد ورد في الآيتين الأولى والثانية لفظ صريح يدل على التكريم والإحسان؛ بموجب قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» أو قوله: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»؛ والقول بأحسن تقويم يؤول بدقة لأحسن خلقة وهو العقل عيناً. بيد أن الآية السابقة القاضية بـ: «فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» والآية الحالية المذكورة خلا لفظهما من الصراحة في بيان التكريم أو الإحسان، غير أن دلالتهما واضحة في أن خلق الباري للإنسان وتعليمه البيان يمثل نعمة خاصة وتكريماً جليلاً له بالوجدان. ومتى ثبت ثبوت هذا التكريم والإحسان لخصوص الإنسان بما هو إنسان، بمعزل عن عقيدته ومذهبه، ثبت كونه كرامة ذاتية بالصناعة؛ إذ كنه الكرامة الذاتية وحقيقتها تدور مدار وتكريم الإنسان بما هو إنسان؛ ومفاده انتفاء انتفاعه وحيازته لامتياز خاص مفقود في سائر كائنات الخليقة بالتمام. فالإنسان بما هو إنسان واجد لهذه السمة الوجودية العظيمة ممتنع عن الجحود والنفي بالذات.
الآية الخامسة
والآية التالية تتبلور في الآيات من الأولى إلى الخامسة من سورة العلق: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم؛ (كما في قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» [العلق: 1-5]). فالباري جل وعلا علّم الإنسان بالقلم وبما لم يكن يحاط به علماً. وثمة بحوث وتفاصيل تفسيرية في كنه ما علّمه الباري للإنسان مما لم يكن يعلم، وهل يستوعب الخطاب البشر قاطبة أم يختص بطائفة دون غيرها؛ ولسنا بصدد الخوض فيها هاهنا. غير أن المستفاد من طيات الآية بقرينة الشواهد والظواهر هو إرادة جنس الإنسان عيناً، لا خصوص الأنبياء والرسل أو طائفة خاصة من البشر. فهذا التعليم بالقلم وما يتبعه من كشف للغوامض يمثل شعبة من شعب العقل وقوة الإدراك والشعور الإنساني؛ وصحيح أن صياغة الآية خلت من التكريم والإحسان بلفظ صريح، غير أن دلالتها قاطعة بالوجدان في أن هذه النعمة الموهوبة من الباري للعبد إنما ثبتت له لكونه إنساناً عيناً، وبها حظي بالتبجيل والتكريم والقدر العظيم بالصناعة.
الآية السادسة
والآية السادسة تتمثل في الآيتين السابعة والثامنة من سورة الشمس: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها؛ (كما في قوله تعالى: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا» [الشمس: 7-8]). حيث يقسم الباري تبارك وتعالى بالنفس ويقرر إلهامه لها طريقي الفسق والفجور والشر، والتقوى والخير عيناً. وإلهام النفس لكلا الطريقين بالتمام دليل قاطع على ثبوت مكنة وقوة الاختيار والانتخاب للإنسان ليسلك بإرادته ومشيئته أحد السبيلين؛ إما طريق الفجور وإما طريق التقوى، وهو ميزة جليلة يتفرد بها العبد؛ لكون حيازة الاختيار وحق الانتخاب يؤول لتشريفه وتكريمه بالصناعة. وهذا الامتياز والقدر ثابت للإنسان بما هو إنسان بالفعل عيناً، ويمتنع صيرورته كسبياً مفتقراً للاكتساب؛ لكون الإلهام حقيقة حالية مستقرة في طينته. وحيازة هذه القدرة والمكنة التكوينية على الاختيار ميزة وجودية عظيمة تخلو منها كينونة الملائكة المقربين بالذات.
الآية السابعة
وقوله تعالى: وهديناه النجدين؛ (كما في قوله تعالى: «وَهَدَيْنَاهُ النَّمَّ النَّجْدَيْنِ» [البلد: 10])؛ ومضمون هذا النص الشريف متطابق وملاءم لمساق الآية السابقة بالتمام. ورغم تقارب مضامين هذه الآيات الشريفة عيناً، إلا أنها قاطبة تنهض أدلة وحججاً رصينة في معترك الاستدلال؛ لكونها تكشف عن تلك القدرة والحق التكويني المستقر في جبلة العبد؛ ومفاده مكنة الاختيار والانتخاب بالصناعة.
الآية الثامنة
وقوله عز وجل: كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء؛ (كما في قوله تعالى: «كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ» [الإسراء: 20])؛ فإفاضة المدد والاستمرار لهذا الفريق وذاك، وسلوك هذا الطريق أو ذاك، يمثل نوعاً من التبجيل والتكريم للإنسان عيناً؛ وإن كان الحق تبارك وتعالى يمتنع رضاه ومشيئته التشريعية بسلوك العبد طريق الفسق والفجور والشر بالذات.
السؤال: …
الأستاذ: تشير هذه الآية بدقة إلى اختيار المكلف نفسه وسلوكه… فبموجب خياره ومساره يفيض الباري عليه المدد والمعونة؛ مما يؤكد حقيقة قوة الاختيار وقدرته بالذات.
الآية التاسعة
وقوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا» [يونس: 99]). ومفاد هذا النص أن الباري جل جلاله لم يشأ ولم تقتضِ حكمته إجبار البشر على الإيمان تكويناً وجبراً، بل هيأ السبيل وفتح المسارين أمام عقل العبد لیسلک بمشيئته واختياره ما يرتضيه. وامتناع الحق سبحانه عن قهر العباد وإلجائهم للإيمان تكويناً، وإتاحة الحرية والمكنة لهم لاختيار طريق السعادة والشقاوة بإرادتهم (رغم وفور التوجيه والمعونة الإلهية الهادية لسبيل الرشاد)، دليل جلي على عظيم التشريف والقدر الذي حظي به العبد من لدن خالقه وبارئه؛ إذ وهبه مكنة الاختيار والحرية بالصناعة.
الآية العاشرة
والآية الأخرى الجديرة بالذكر والملائمة لمضمون النص السابق بالتمام، هي شطر الآية التاسعة والتسعين من سورة يونس: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؛ (كما في قوله تعالى: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» [يونس: 99]). ورغم كون هذا المقطع عقيب الآية السابقة عيناً، إلا أنه ينهض شاهداً دليلاً مستقلاً بالصناعة؛ فالخطاب الرباني متوجه للنبي الأعظم (ص) بالقول: أفتسعى أنت لإجبار الناس وإلجائهم للإيمان؟ ومفاده انتفاء مشروعية الإكراه والتحميل وسلب حرية العباد في اختيار الإيمان؛ فالحق مكفول لهم تكويناً واختياراً. وهذا الصنيع يمثل عيناً غاية التكريم والتبجيل والتشريف للعبد الوجودي بالصناعة.
الآية الحادية عشرة
وقوله تبارك وتعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» [الإنسان: 3]). ومضمون هذا النص الشريف واضح بالصناعة؛ فهو يحكي غاية التكريم والتبجيل البشري؛ إذ يقرر هداية الباري للسبيل وترك الخيار للعبد ليصير شاكراً بالعمل الصالح أو كفوراً بالعصيان والتمرد؛ وهو عين التشريف والتكريم بالذات.
وأود التأكيد هاهنا مجدداً على أن اتصاف الإنسان بالتكريم والتبجيل الإلهي، يؤول لحيازته لكرامات ومزايا اختصاصية خلا منها غيره من الكائنات، وهي كرامات ذاتية ثابتة للبشر بما هم بشر، وتمثل الرافد والمنشأ الحقيقي لنشوء الحقوق الطبيعية بالتمام. فمتى قررنا ذاتية الكرامة الإنسانية، لزمنا القول بأن الباري جل وعلا قد وهب الإنسان هذه المزايا والخصوصيات لمجرد اتصافه بالإنسانية، وتفرعت عنها طائفة من الحقوق الطبيعية المقررة له عيناً. ولسنا ندعي مشاركة سائر أفراد البشر في جميع الحقوق والامتيازات قاطبة بالفعل، كما لا نمنع زوال مشروعية العقاب والحدود بموجب هذه الكرامات الذاتية؛ بل هذه الحقوق تتلاءم وتجتمع مع العقاب والتضييق الفقهي بالتمام؛ بموجب ما أسلفنا تفصيله وسنعرض لتأكيده لاحقاً بمشيئة الله تبارك وتعالى.
الآية الثانية عشرة
وقوله تعالى في سورة الملك الآية الثانية: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً؛ (كما في قوله تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [الملك: 2])؛ فالباري خلق الموت والحياة لغرض الابتلاء والامتحان واستبيان من يتصف بحسن العمل وعلو الرتبة في النشأة المادية. وحصول هذا الابتلاء والامتحان للبشر لغرض تمييز المحسن وحائزي الدرجات الرفيعة يؤول بالوجدان لتكريم وتشريف عظيم لهم؛ تماماً كحال الطلاب الذين جُمعوا في صف واحد وهيئت لهم أسباب الترقي والمعرفة تمهيداً للامتحان لتمييز المجدين ونيلهم المراتب الرفيعة بالتمام؛ فذات وضع الطالب في الصف وتهيئته للامتحان تشريف وقدر عظيم له.
السؤال: …
الأستاذ: لسنا معنيين هاهنا ببحث كنه الابتلاء والامتحان وخصائصه المأثورة؛ وإنما يقع وجه الاستشهاد في صيرورة العبد في دار تمكنه من بلوغ رتبة “أحسن العمل” بسعيه وإرادته؛ فحصول هذه المكنة على مباشرة الفعل الصالح والترقي الاختياري يمثل غاية التكريم والتبجيل بالصناعة.
الآية الثالثة عشرة
وقوله عز وجل في سورة الكهف الآية السابعة: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [الكهف: 7]). فجعل الزينة الأرضية لغرض الابتلاء واستبيان أحسن العمل، ينهض حجة واضحة على ثبوت مكنة اختيار السلوك الأحسن وتفعيله؛ فلولا ثبوت رتبة “الأحسن عملاً” ووجود القابلية لاختيار الأفعال وسلوك ذرى الكمال اختياراً، لانتفى مساق قوله تبارك وتعالى: «لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» عقلاً وعوراً بالصناعة. فالعبد واجد للمكنة على انتخاب سبل الخير ونيل أفضل المراتب، وهو تشريف وتكريم عظيم وهبه الباري للإنسان؛ وإن حاد البعض عن هذا المقصد وفشل في معترك الابتلاء والامتحان، فخرج عن كونه أحسن عملاً خارجاً.
الآية الرابعة عشرة
وقوله تبارك وتعالى في سورة الروم الآية الثلاثين: فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله؛ (كما في قوله تعالى: «…فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» [الروم: 30]). فالباري خلق الإنسان عيناً على فطرة ممتنعة عن التبدل والتغير الجوهري؛ وقد فصّلنا سابقاً حقيقة الفطرة وقررنا انقسامها لشعب في حيز الإدراك والمعرفة وشعب في حيز النزوع والگرایشهای الباطنية. والجهتان تكشفان عن اتصاف البشر قاطبة كافراً ومسلماً، تقياً وفاسقاً، بهذه الفطرة والتوحيد الجبلي عيناً؛ فللجميع دافع وميل تكويني مكنون نحو التوحيد ومعرفة الصانع؛ والعبد نزاع بطبعه نحو الحقيقة والعبودية والكمال المطلق. فهل يُتصور تبجيل وتكريم لكائن يفوق فطرته على التوحيد والعبودية بالذات؟ فبنيان الخلق مستقر على هذه الفطرة الشريفة وثابت لعامة البشر عيناً. نعم، وثمة عوارض وموانع خارجية قد تعرض للفطرة فتدخلها في دار الغفلة والنسيان؛ وتنهض الشرائع والرسل عيناً لإزالة هذا الرين وإخراجها من حجابها. وتكفي هذه الآية الشريفة بمفرد دلالتها لإثبات مدعانا بالتمام. وقد أشرنا إلى نموذج ومثال لكل منها، وإلا فإن الوجوه والشواهد التفسيرية وافرة في الباب.
وأود الإشارة إلى أن تكثير هذه الأدلة وتعدد الآيات الشريفة الدالة على الكرامة الذاتية عيناً، ينشأ من تزايد منكرات الخصوم ومخالفاتهم المعرفية لفكرة الكرامة الذاتية بالصناعة. وتوضيح حقيقة الكرامة وبيان ذاتيتها وثمرتها الوجودية يزيل الهواجس والمخاوف الموهومة حيال فكرة إثبات الكرامة الذاتية بالتمام؛ فليس مقصدنا من تأسيس الكرامة الذاتية التسوية والتماثل التام في رتب الأحكام والحقوق بين المؤمن والمشرك بالكلية؛ بل الغرض إثبات حيازة الإنسان بما هو إنسان لضمانة وحقوق طبيعية أولية بمقتضى التكوين والتقدير الإلهي؛ ولسنا ندعي تفرع حقوق تفاضلية لغير المسلم بموجبها، كما لا نمنع جريان القصاص والحدود الشرعية وعقاب المجرمين بمقتضى الأدلة. فالقدر المتيقن من الحقوق المتولدة عن الكرامة الذاتية هو طائفة من الحقوق الطبيعية الأساسية فحسب بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: المكلف حائز لحق الاختيار، والحرية في انتخاب السبل… وهذه الحقوق الطبيعية الأولية مستندة عيناً إلى هذه الكرامات والمزايا الذاتية. وتلك الأبحاث محاطة بالنزاع حول كونها كرامة ذاتية للإنسان أم لا… ومتى اتصف المكلف بانتفاء الحرمة التكوينية، فبأي مسوغ يُمنع توجيه الإهانة والتنكيل به؟…