الدرس الحادي والثلاثون، المقام الأول
الدرس الحادي والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الأول: الآيات – الآية الأولى – الآية الثانية – الآية الثالثة
8 شوال 1446 هـ
لقد تحدثنا في القسم الأول من المطالب المتعلقة بالقاعدة حول “مباني القاعدة”؛ أي الأمور التي يمكن أن تشكّل مبنىً للكرامة الذاتية للإنسان. وفي هذا السياق، عددنا طائفتين من المزايا والامتيازات؛ ذكرنا في الطائفة الأولى ستة امتيازات، وفي الطائفة الثانية خمسة امتيازات. وبيّنّا أن الطائفة الأولى يمكن قبولها كمبنى للكرامة الذاتية، وإن كان هذا العدد قابلاً للاندماج والتداخل أو الإرجاع إلى أمر واحد أو أمرين. وصرف النظر عن عدد هذه الأمور المطروحة كمبنى للكرامة الذاتية، فقد ثبت في الجملة أن بعض الامتيازات يختص بالإنسان ويمثل نعمة وهبها الله سبحانه له بالخصوص، مما يسوغ قبوله كتكريم إلهي للإنسان بما هو إنسان. بينما تمثل الطائفة الثانية من الامتيازات مبنى الكرامة الاكتسابية لا الذاتية؛ فالأمور الخمسة المذكورة في الطائفة الثانية هي في واقعها خصائص تكشف عن استعداد الإنسان لتحصيل مقامات معنوية وكرامات خاصة نطلق عليها الكرامة الاكتسابية، وأقمنا لكل من هذه الأمور في كلا الطائفتين جملة من الشواهد والقرائن.
أدلة الكرامة الذاتية للإنسان
وإن أردنا الخوض بشيء من المسامحة الاصطلاحية في التفرقة بين “المباني” و”الأدلة”، لأمكننا القول بالوجدان والصناعة إن جل ما أسلفناه في الأبحاث الماضية -ولا سيما في الطائفة الأولى من الامتيازات- يصلح عيناً ليكون دليلاً على الكرامة الذاتية للإنسان. وتجد هذين اللفظين يستعملان على نحو الترادف والتبادل في مواضع شتى من المصنفات والكتب؛ فتطلق “المباني” تارة بالمسامحة ويراد بها ذات “الأدلة”، وتارة يجمع الباحثين بينهما، وأخرى يقتصر على ذكر لفظ “الأدلة” فحسب. وبمقتضى النظر الدقيق، فإن ثمة فارقاً فاصلاً بين حقيقة المباني والأدلة بالصناعة. وعليه، فإن جل ما قررناه في معترك بحث مباني الكرامة الذاتية للإنسان حتى الآن، ينهض بأغلبه دليلاً وحجة لإثبات الكرامة، وسنعرض له هاهنا بإيجاز وعرض سريع.
وقد بسطنا الكلام في تلك المباني وقررنا أن العقل، والإرادة والاختيار، والفطرة الإنسانية، والعواطف والمشاعر، وقدرة تسخير الموجودات… كلها تندرج في سياق مباني الكرامة الذاتية. وتصدينا لتبيين كل منها مقروناً بذكر شواهده عيناً؛ أي إن هذه الأمور الستة تمثل مبنى الكرامة الذاتية للإنسان، وأقمنا الحجة والقرائن التفسيرية والروائية والوجدانية على إثباتها خارجاً بالصناعة.
وقررنا في مقام البحث الثاني تلازم هذه المباني وكونها تستلزم بالضرورة ثبوت طائفة من الحقوق للإنسان بما هو إنسان؛ وهي حقوق فطرية أو طبيعية بالاصطلاح. وخلص العائد من مجموع هذه الأبحاث عيناً إلى اتصاف الإنسان من جهة بمزايا انحصار تفرّد بها دون سائر المخلوقات، وهو عين التكريم الرباني له؛ وهذه المزية تضفي عليه وصف الكرامة والشرافة والمنزلة الرفيعة؛ وتلاحظون شمول تلك الأمور لعامة البشر قاطبة كافراً ومسلماً على السواء؛ خلافاً لامتيازات الطائفة الثانية المنتفية عن عموم البشر بالفعل. وبيّنّا تالياً تفرع وثبوت طائفة من الحقوق للإنسان بما هو إنسان بناءً على هذه المزايا؛ فاستحقاق العبد لحق الحياة والحرية والاختيار وسائر الحقوق الفطرية مستمد عيناً من امتيازات الطائفة الأولى؛ بينما تثمر امتيازات الطائفة الثانية حقوقاً خاصة تفاضلية لخصوص طائفة من البشر كالمسلمين والمؤمنين والذين توشحوا بتاج التقوى والعمل الصالح ولم يخرجوا عن ربقة العبودية والطاعة للحق سبحانه وتعالى بالتمام.
وحال ولوجنا في معترك البحث ومحاكمة “الأدلة”، يتعين علينا موازنة سائر ما يصح الاستدلال به على الكرامة الذاتية للإنسان؛ وسنسعى لعرض هذا الباب ومباحثه بشيء من الإيجاز والسرعة العلمية؛ لكون جل هذه الآيات الشريفة قد سلف التعرض لها في مطاوي مباني الكرامة، وهي عينها تنهض أدلة على المدعى؛ ولانتفاء المتسع من الوقت وضيق الأيام الفاصلة عن ختام العام الدراسي الحالي؛ وثمة مطالب علمية جمة وقواعد فقهية وافرة قيد البحث والمحاكمة.
وبطبيعة الحال، متى توجه البحث لتأسيس الدليل والحجة، وجب علينا استقراء مصادر التشريع من كتاب، وسنة، وإجماع، وعقل.
غير أنه يمتنع علينا هاهنا التماس دليل “الإجماع” وصيرورته دليلاً في المسألة؛ لانتفاء تحقق ضوابطه صغروياً وكبروياً بالصناعة؛ فأما كبروياً فلأن مبحث الكرامة من الأمور الاعتقادية الكلية الخارجة عن حيز الأحكام الفرعية العملية، والإجماع بالاصطلاح لا حجية له في غير الفروع والأحكام الشرعية الفرعية؛ وأما صغروياً فلما شاهدتموه من وفور الخلاف والتباين المعرفي بين العلماء؛ لذهاب السواد الأعظم لنفي الكرامة الذاتية عن الإنسان بالكلية، وقبول طائفة أخرى لثبوتها واستقرارها؛ فيمتنع ثبوت الإجماع عيناً في المقام ويسقط الاحتجاج به بالتمام.
ومن ثم، ينحصر الاستدلال في مصادر ثلاثة: الكتاب، والسنة، والعقل. ويتعين علينا الآن استبيان دلالة الآيات الكريمة والسنن المأثورة وكذا حكم العقل بالصناعة والتحقيق العلمي.
الدليل الأول: الآيات
تنهض آيات شريفة جمة من الذكر الحكيم، تارة بالصراحة والمطابقة، وأخرى بالظهور والالتزام، لإثبات وحجية الكرامة الذاتية للإنسان؛ ونعرض لطائفة منها بالترتيب:
الآية الأولى
إن أسطع آية شريفة يلوح منها الاستدلال على الكرامة الذاتية للإنسان ويستقيم بها المطلب، هي الآية السبعون من سورة الإسراء: ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» [الإسراء: 70]). حيث يقرر الحق جل وعلا تكريمه وتشريفه لنسل آدم وبنيه، وتسييرهم في البر والبحر على مراكب ميسرة، وإفاضة الرزق الطيب الطاهر عليهم، وإثبات تفضيلهم وتفوقهم على خلق كثير من بريته بالتمام.
وقد سلف لنا عرض مباحث علمية وتفاصيل تفسيرية لهذه الآية الشريفة عند معالجتنا لأول مباني الكرامة الذاتية وهو “العقل” بوصفه الشاهد الأول هاهنا؛ ولا أرى مسوغاً لإعادة ذات الوجوه والمطالب بالصناعة. وقد تعرضنا هناك لجهات أربع تكتنف الاستدلال بالآية الشريفة بشيء من الاختصار، دون التوسع المستفيض في شؤونها الفقهية. وخلافاً لما ذهب إليه جل المفسرين من نفي دلالة الآية الشريفة على الكرامة الذاتية، فإننا نرى دلالتها واضحة جلية على إثبات ذاتية الكرامة بالصناعة. وتجد عمدة من المفسرين من الفريقين (الشيعة والسنة) يصيّرون دلالة الآية حاصرة في “الكرامة الاكتسابية”؛ مستندين في ذلك لورود التفصيل والتفضيل في ذيلها؛ فالباري يقرر تكريمه للإنسان أولاً، ويعقب ذلك ببيان جهة التكريم المتمثلة في تسخير البر والبحر وإفاضة الطيبات؛ ثم يردف ذلك ببيان ملاك الكرامة والتفضيل المتمثل في التقوى والعبودية المحضة؛ بموجب قوله تعالى في سورة الحجرات الآية 13: إن أكرمكم عند الله أتقاكم؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات: 13]). فبموجب هذا النظر، يرتفع وصف الكرامة عن المشرك والكافر والمنافق والفاسق لخروجهم عن ربقة الطاعة؛ ويثبت لخصوص المؤمن التقي عيناً بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: أوضحنا سابقاً ذهاب عمدة من الباحثين لهذا القول؛ بل وتجد أثر هذا النظر الفقهي -القاضي بانتفاء الكرامة الذاتية عن غير المؤمن- سارياً ومنعكساً في تضاعيف جملة من الأحكام الفقهية عيناً. وقد قامت الحجج والشواهد على تأييد هذا المسلك من ذات النص الشريف وآيات وأخبار أخرى، وعالجناها في الأبحاث السالفة في قالب دفع الشبهات والإيرادات ولم نجد مسوغاً لإطالة الكلام وإعادة تفصيلها هاهنا.
والذي نرتضيه ونلتزم به هو دلالة الآية الشريفة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ وفي هذا المضمار يقرر العلامة الطباطبائي في تفسيره “الميزان” فصلاً في الباب بقوله: «المراد بالآية بيان حال لعامة البشر مع الغض عما يختص به بعضهم من الكرامة الخاصة الإلهية والقرب والفضيلة الروحية المحضة، فالکلام يعم المشركين والكفار والفساق وإلا لم يتم معنی الامتنان والعتاب»؛ فالنص الشريف مساق لبيان منزلة وحال البشر قاطبة، مع صرف النظر عما يتفرد به الخُلّص من عباد الله من الكرامة والزلفى والفضائل الروحية والكمالات القدسية؛ فيستوعب الخطاب المشركين والكفار والفساق بالتمام؛ ولولا هذا التعميم لانتفى مساق الامتنان والعتاب من لدن الباري تبارك وتعالى في الآية الشريفة. لكون الآية واردة في مقام الامتنان على عباده عيناً، وهي في الوقت نفسه تحمل نبرة العتاب والتقريع؛ فيمتن الباري جل جلاله بالقول: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»؛ فالخطاب متوجه لعامة بني آدم بالتشريف والتكريم الإلهي. وكما بيّنّا سابقاً، فإن قوله تبارك وتعالى: «وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ» وإن كان يشير بظاهره إلى جهة التكريم المتمثلة في تسخير الأرض والبحر وخدمة الكائنات للإنسان، إلا أن السؤال المثار: ما هو المبدأ التكويني الكامن في العبد الذي صيره واجداً لهذه المكنة والقدرة على استخدام وتسخير البر والبحر وإخضاع الموجودات لخدمته؟ وبأي أداة تيسر له الانتفاع بفيوضات الطيبات والرزق؟ إنها عيناً قوة التعقل والتفكير البشري الممثلة للرافد والمنشأ الأصيل لسائر المزايا والقدرات. فكأن الحق سبحانه وتعالى يقرر في خطابه: إنا كرّمنا الإنسان ورفعنا قدره بوهبه قوة العقل والتفكر، التي بها استطاع تسخير البر والبحر والمراكب والانتفاع بالرزق الطيب الطاهر في حياته بالتمام.
وهذه القوة والقدرة العقلية الممثلة لأساس سائر الامتيازات والقدرات مستقرة بالفعل في جبلة البشر قاطبة. وقد فصّلنا للعقل معنيين؛ أولهما: القوة الذهنية التفكيرية المكتشفة للمجهول والمنتقلة من المعلوم إليه، وثانيهما: ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان؛ والعقل بمعناه الأول ثابت لعامة البشر كافراً ومسلماً على السواء؛ وهو تشريف وميزة وجودية يتفرد بها الإنسان دون سائر الكائنات. وحتى عالم الجن الذي حظي بنصيب من الشعور والإدراك، فإنه خلا بالكلية من قوة كشف المجهول بالصناعة؛ لكون تركيبهم الوجودي يمنع انضمام المعلومات لكشف المجهول والوقوف عليه. وتطرقنا لتفصيل وجه التمايز الفاصل بين التكريم والتفضيل في الآية الشريفة وأوضحنا دلالة الجمع بينهما بالصناعة.
وتخلص محاكمتنا للآية الشريفة إلى ثبوت دلالتها عيناً على الكرامة الذاتية للإنسان بموجب القواعد التي أسلفناها؛ وإن اعترضت المطلب طائفة من الإيرادات والخدشات التفسيرية، فقد تصدينا لدفعها في الأبحاث الماضية. ومنها التساؤل المثار حول كيفية الجمع بين دلالة الآية على الكرامة الذاتية، ودلالة آيات أخرى تصف الإنسان بالجهول، والمنوع، والظلوم، وتصيّره أضل سبيلاً من الأنعام العجمى بالوجدان؛ وقد شفينا الغليل في توجيه هذا الجمع ودفع منافاته بالتمام.
وعليه، يستقر لنا دلالة الآية الشريفة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ وصار لهذا المنحى التفسير مؤيدون من الأعاظم والمفسرين (غير العلامة الذي أسلفنا قوله)؛ وإن نأى بعضهم عن التصريح بجهة العقل واقتصروا على جعل تسخير البر والبحر وتدبير المعاش ملاكاً للتكريم، إلا أنهم أجمعوا على كونه امتيازاً خاصاً بالبشر. وإن ذهب فريق لانتفاء كونه كرامة ذاتية وإن ثبت تسخير البر والبحر للإنسان بالخصوص؛ إلا أننا عالجنا هذا التوهم ودفعناه بالتمام.
فالآية الأولى الدالة على الكرامة الذاتية بالصراحة والمطابقة، هي الآية السبعون من سورة الإسراء. ولما كان بناؤنا على سرد المطالب وفهرستها سريعاً، فسنكتفي بهذا البيان الموجز في هذا المورد بالذات.
الآية الثانية
وقد أسلفنا إقامة شواهد تفسيرية وافرة لبيان منزلة العقل؛ وكان ثاني شواهدنا الآيات من الرابعة إلى السادسة من سورة التين: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقویم ثم رددناه أسفل سافلین إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون؛ (كما في قوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ» [التين: 4-6]). والآية الشريفة صريحة في تقرير حسن خلقت الإنسان ونظام خلقه البديع. ودار البحث والخلاف بين المحققين في تعيين ملاك “أحسن تقويم” ووجه اتصاف الإنسان بالحسن عيناً؛ فحمل طائفة أحسن تقويم على الخصائص المادية الظاهرية للإنسان؛ كانتصابه القامة، ومشيه على قدمين، وحسن تقاطيع وجهه، وجمال صورته وسلوكه؛ غير أن الرأي الصائب والتحقيق العلمي يقضي بأن أحسن تقويم في جبلة البشر يشير بدقة إلى قوة العقل وهدايته؛ ولذا جعلنا الآية الكريمة شاهداً ركيناً لإثبات العقل وقررنا كونه نعمة اختصاصية نال بها الإنسان الكرامة الذاتية بالتمام. وتنهض طائفة من الروايات والأخبار الشريفة كمؤيد جلي لهذا التفسير في محله.
الآية الثالث
وثالث الآيات الكريمة الدالة على الكرامة الذاتية للإنسان، الآيتان الأولى والثانية من سورة الإنسان: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً؛ (كما في قوله تعالى: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فِجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» [الإنسان: 1-2]). والآية ناطقة باتصاف الإنسان بكونه سميعاً بصيراً عيناً بعد ولوجه أطوار النشأة الجنينية في بطن أمه وسلوكه أطوار الخلق. ومن الواضح والجلي أن السمع والبصر المنظورين هاهنا لا يقتصران على الحاستين الماديتين الظاهرتين عيناً؛ لكون سائر الموجودات والحيوانات تشاركه في حيازة الأعين والآذان، ولم يخص الباري كائناً من بريته عدا المجردات والعبد بلفظ السمع والبصر الشريفين في خطابه بالتمام. فالسمع وقوة البصر المودعان في كينونة الإنسان هما عنوان فريد ونعمة اختصاصية حظي بها الإنسان؛ وحصول هذه الخصيصة الاستثنائية للعبد يؤول بالتحليل لتكريم وتشريف عظيم له بالصناعة. وقد قررنا سابقاً أن حيازة الإنسان بمفرد تفرّده لامتياز خاص في الخليقة دون مشارك يؤول لكونها كرامة بالاصطلاح؛ ومقتضاها اتصاف الإنسان بما هو إنسان بالكرامة والشرف والرفعة؛ وتترتب عليها لوازم وآثار فقهية هامة بالذات. غير أن دلالة هذه الآية الشريفة تباين دلالة الآية السابقة؛ لكون الآية السابقة دالة بالصراحة والمطابقة بلفظ التكريم: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا»؛ وهو تشريف فعلي حالي؛ ويمتنع حمل قوله: «كَرَّمْنَا» على مجرد استعداد الكرامة وقابليتها أو صيرورتها كرامة اقتضائية بالصناعة؛ لكونه خروجاً صريحاً عن ظاهر اللفظ وتبادره العرفي بالتمام. فالظاهر يقضي باتصاف الإنسان بالكرامة الفعلية خارجاً وتكريم الباري له بالفعل؛ وإن وقع النزاع في ملاكها أهو تسخير الموجودات أم قوة العقل؛ غير أنها دالة بالمطابقة. بينما تخلو الآية الحالية من التصريح بلفظ الكرامة أصلاً، وتقرر خلق الإنسان سميعاً بصيراً. ولما كان السمع والبصر من النعم الاختصاصية الموهوبة للإنسان بالذات، لزم من ذلك كونهما كرامة وتشريفاً له بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: نعم، وهذا السمع والبصر هو عينه المتفرع عن العقل؛ والغرض الأقصى منهما إعمال الفكر والنظر في عوالم الصنع؛ وهو مباين تماماً للإبصار العادي والسماع الصوري للحيوانات العجمى.
ولما كانت سائر الآيات الكريمة ممتنعة عن الدلالة على الكرامة الذاتية بالمطابقة والصراحة عدا ما سلف… فسنحرص على سرد جل هذه الآيات الشريفة بكيفية الفهرست والعرض الإجمالي في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى لتوفير الوقت؛ وسنعرض هناك لمزيد توضيح وتفصيل بالصناعة.