الدرس الثلاثون، المقام الثاني
الدرس الثلاثون
المقام الثاني: دراسة كون الكرامة منشأً للحقوق – بعض مصاديق الحقوق الطبيعية والاختلاف فيها – قيود الحقوق الطبيعية – القيد الأول والثاني
24 شعبان 1446 هـ
بيّنّا حتى الآن إمكانية إثبات الحقوق الطبيعية للإنسان صناعة؛ وقررنا وجوب رعاية هذه الحقوق وملاحظة ركائزها في القوانين والأنظمة قاطبة، ولا سيما القانون الإلهي والشرع الشريف. بعبارة أخرى: يمتنع وقوع التعارض والتصادم بين القانون الإلهي وهذه الحقوق الطبيعية، عدا جهات وقيود سنعرض لتبيينها لاحقاً؛ فالقاعدة والأصل تقضي بامتناع جريان القانون الإلهي على خلاف مقتضى الحقوق الطبيعية؛ وأما الاستثناءات الطارئة فقابلة للتخريج والتوجيه ببيان علمي رصين.
بعض مصاديق الحقوق الطبيعية والاختلاف فيها
وبالمناسبة، يتعين الإشارة إجمالاً إلى بعض المصاديق الشائعة للحقوق الطبيعية، مع بيان حصول التدافع والخلاف حول جزئياتها ومصاديقها عيناً. فالملاحظ أن قائمة الحقوق الطبيعية في كلمات الباحثين والعلماء منذ مطلع طرح المسألة ومباحثتها تاريخياً، آخذة في الاتساع والاطراد حتى عصرنا الراهن. وتارة يُذكر مورد ويُدرج بوصفه حقاً طبيعياً أصيلاً للإنسان، غير أنه يقع مورداً للنزاع والتشكيك ويصير عرضة للإنكار من قِبل آخرين بالصناعة. وبطبيعة الحال، بالنظر للظروف المستجدة والتعاريف الحداثوية المطروحة حول حقيقة الإنسان وحرياته الفردية في الفكر المعاصر، عُدّد من الحقوق الطبيعية ما لم يسبق له نظير؛ وحول هذا الإنسان الجديد وُضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عيناً لترعى معالمه ومحوريته. بيد أن الملاحظ في طيات الحقوق والفقرات المقررة في هذا الإعلان اشتماله على موارد وحقوق تقع محل نقد وإيراد صريح بالمنطق والمعيار الديني المعتمد عندنا. بل وتجد طائفة من المجتمعات والدول تقرر قضية وتصيّرها حقاً طبيعياً ثابتاً، في حين تقع ذات القضية موقع الإنكار والنفي في دول ومجتمعات أخرى؛ مما يؤكد خروج هذه الموارد المتنازع فيها عن حيز وحقيقة الحقوق الطبيعية بالكلية.
ونعرض هاهنا لمثال توضيحي: ومنه “حق الدفاع عن النفس” عند تعرض العبد لتعدٍّ وهجوم خارجي؛ ومفاده حيازة الإنسان لحق طبيعي في دفع الصائل والصيانة لنفسه؛ وهو حق متفق عليه ومقبول عيناً دون نزاع في أصله؛ بيد أن الخلاف الحقيقي ينصب على كيفية إعمال هذا الحق واستيفائه عيناً. فهل يسوغ للعبد اللجوء لخيارات وسبل بديلة متاحة لدفع التعدي قبل مباشرة تفعيل حقه في الدفاع بنفسه؟ كمشروعية تواصله وإخباره للشرطة والأجهزة الأمنية مثلاً؟ وهل يجوز له مباشرة دفع الصائل بقوته وسلاحه دون إخبار الأجهزة الأمنية أم لا؟ فهذه شؤون تقع مورداً للبحث والخلاف بالصناعة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية -التي شُيد دستورها وقوانينها على رعاية هذه الحقوق الطبيعية وجعلها ركيزة لها- يقرر المشرعون هناك رعاية سائر الحقوق الطبيعية للإنسان في طيات الدستور الحاكم؛ كحق الحرية، وحق التعبير، وحق التصويت، وحق الدفاع عن النفس عيناً. وقد أسلفنا اتفاق العقلاء على أصل حق الدفاع؛ غير أن تفسير هذا الحق وتطبيقه في المجتمع الأمريكي اتسع من جهتين: الأولى صياغة تفسير موسع جداً للدفاع عن النفس وتطبيقاته؛ والأخرى التساهل البالغ في تقدير حدوده ورعايته بالصناعة. ومن هنا، انبثق قانون إباحة حمل السلاح وحيازته للأفراد في أمريكا؛ لكون التعديل الثاني للدستور الأمريكي صرّح بحق العبد في اقتناء وحمل السلاح، وصيّره فرعاً وشعبة من شعب هذا الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس بالذات. بينما خلا قانون جل الدول والمجتمعات من هذا التفسير الموسع، وامتنع تساهلهم في حيازة السلاح؛ فحظروا اقتناء السلاح وحمله للأفراد قاطبة. فهل يصح القول بأن حظر حمل السلاح في هذه الدول يؤول لإهمال ونفي حق الدفاع عن النفس بوصفه حقاً طبيعياً؟ لا جرم بانتفاء هذا التلازم؛ فحق الدفاع عن النفس مقبول ومرعى عند هذه الدول بمستويات ورتب شتى، مع منعهم لحمل السلاح واقتنائه للأفراد بالصناعة.
إذن، فالاختلاف والنزاع حاصل في أصل الحقوق الطبيعية من جهة، وفي كيفية إعمالها واستيفائها من جهة أخرى؛ وهذان تفصيلان منهجيان في باب الحقوق الطبيعية يساهم التفطن لهما في إزالة الهواجس والمخاوف التي يبطنها بعض المتدينين والفقهاء حيال فكرة الاعتراف بالحقوق الطبيعية ومباحثتها ومناقشتها بالصناعة.
التفصيل الأول: يؤول للقائمة الطويلة والمطوّلة للحقوق الطبيعية المصاغة اليوم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وهي صياغات متفرعة عيناً عن الفلسفات السياسية لثلة من منظري الفكر الغربي المعاصر بالذات.
التفصيل الثاني: يتعلق بكيفية استيفاء هذه الحقوق وتطبيقها عيناً؛ حيث تبرز تباينات وخلافات واضحة في الباب. فقد يحظى أصل الحق بالقبول والاعتراف المشترك بين المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، غير أن الخلاف يثور بينهم في كيفية تطبيق هذا الحق وإعماله خارجاً بالصناعة. ومتى اختلفت الأذواق والآراء الفقهية في مرحلة الاستحقاق وتعيين كيفية استيفاء الحق خارجاً، فاتبعت جماعة مسلكاً وسلكت أخرى سبيلاً مغايراً، لم يصح عيناً نعت صنيعهم بإهمال ونفي ذات الحق؛ لكون المجتمعات الإنسانية غير ملزمة باتباع نسق واحد وأسلوب متحد في استيفاء حقوقها الشرعية والطبيعية عيناً. فيتعين على العشيرة البشرية الاعتراف بهذه الحقوق ورعايتها، مع فسح المجال وإتاحة المكنة لاختيار الأساليب والطرائق الملائمة لاستيفائها وتفعيل آثارها خارجاً.
فبعض الحقوق الطبيعية ممتنعة عن الإنكار والتشكيك في الجملة، بيد أنه يمتنع علينا مجاراة القوم وقبول كل ما يسمونه ويرسمونه حقاً طبيعياً للإنسان. فالحق الطبيعي يتسم بخصائص ومناشئ ذاتية (وتقيده حدود وضوابط سنعرض لها تالياً) تحول دون قبولنا لبعض الوجوه بالصناعة. وإذا صرنا لقبول الحد الأدنى والقدر المتيقن من الحقوق الطبيعية، لانحلت جل العقد والمشكلات الفقهية والاجتماعية بالتمام. وسأعرض لذكر نماذج من هذه الحقوق عيناً:
قررنا في بحث مباني الكرامة الذاتية ثبوت مزايا وخصائص في جبلة العبد يمتنع سلبها ونفيها بالتمام. ويعد العقل ركيزة هذه المزايا وعمدتها الشريفة؛ بل هو المبدأ الأوحد للكرامة الذاتية للإنسان عند طائفة، والمنشأ والريشة الأولى لسائر الكرامات بالصناعة. والإنسان بحكم حيازته للعقل تترتب له قدرات واستعدادات وافرة في وجوده؛ بموجب عبارة الشهيد مطهري القاضية بكون العقل سنداً شرعياً طبيعياً لطائفة عظيمة من الحقوق الطبيعية عيناً. ومتى تأملنا أدواره وآثاره لمعرفة حقيقة العقل ومبرر وهبه للإنسان، لاستقام لنا صياغة حق كلي جامع نطلق عليه “حق التعقل” للإنسان؛ فمن حاز العقل لزم بقاء مأموريته الذاتية وصيانة أثره في وجوده؛ ومفاده: حق التفكّر والتأمل؛ ويمتنع على أحد حظر العبد ومنعه من ممارسة التفكر بالذات. والتفكير بمعناه المنطقي المقر يؤول لحركة الذهن من المعلومات نحو المجهولات وعكسه لكشف الغوامض والوقوف على المعارف؛ وهو أثر ملازم للعقل البشري يمتنع فكه وسلبه عنه. فحق التفكير يمثل حقاً طبيعياً أصيلاً ممتنعاً عن السلب والنفي المطلق بالصناعة.
وحق التعلم والمعرفة يندرج في عداد الحقوق الطبيعية؛ وقد صرّح به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحظي بالقبول الإجماعي دون نزاع في أصله بالذات.
وحريّة التعلم وحق البحث والتنقيب لكشف الحقائق واستبيان الواقع؛ هي حقوق ممتنعة عن السلب لكون العقل البشري يقتضيها ويستوجبها بالذات؛ فهي ثابتة للإنسان بموجب عقله وجبلته. وبطبيعة الحال، لا يعني هذا إطلاق العنان للإنسان ليفكر بكيفية يشاء ويسلك كل مسلك مضل؛ وهنا مكمن التباين والافتراق المنهجي بيننا وبين طائفة من دعاة الحقوق الطبيعية المعاصرين، وهو بحث سنعرض لتفصيله عند كلامنا عن قلمور الحقوق الطبيعية وحدودها الفقهية بالصناعة.
ومثاله عيناً: أن حيازة الإنسان للإرادة والاختيار (والتي تعد من شعب قوته العاقلة بالتحليل) تستوجب له حق الاختيار والاصطفاء عيناً، وتفرع الحرية في انتخاب السبل والمسارات؛ وبها ثبتت مسؤوليته واستحقاقه للعقاب والثواب الأخرويين والدنيويين عواقبَ لخياره وسلوكه؛ فالباري جل وعلا يواجه العبد بالقول: حزت عاطفة وعقلاً وإرادة واختياراً لتمييز السبيل، فتعین عليك تحمل تبعات خيارك والالتزام بمسؤولية بالتمام. فلو سلك المكلف طريقاً معوجاً بإرادته، لزمه تحمل مغبة هذا الخيار وصيرورته؛ ولو خرج عن سلطان القانون الإلهي باختياره، تعين خضوعه لعواقب هذا التخطي والتمرد بالوجدان.
إذن، فالعقل والإرادة والاختيار والعواطف الإنسانية تمثل كرامات ذاتية يترتب عليها بالضرورة ثبوت طائفة من الحقوق للإنسان عيناً؛ ومنه تلاحظون وضع نظامات وضوابط حاكمة في معترك الحروب ومواجهة الأعداء والتعامل مع جثث الصرعى والأسرى والسبايا والنساء والأطفال، ورعاية الأموال والموارد الطبيعية والبيئية في جبهات القتال؛ وكلها نظم وقواعد تؤول للجهات السالفة بالذات؛ فرغم الخلاف الدائر في سعتها وضيقها إلا أن أصل مشروعيتها ورعايتها مقبول ومرعى بالصناعة.
وإن وقع البحث في إحصاء هذه الحقوق وتعداد مفرداتها ثبوتاً ونفياً؛ غير أن حق الحياة، وحق حرية التعبير بالضوابط، وحق الاختيار والانتخاب بمعناه العام (کانتخاب الملبس والمسكن وتعيين مسار الدراسة)، يمثل مجموع الحقوق الطبيعية الثابتة لعامة البشر قاطبة على السواء؛ فيستوي فيها الكافر والمسلم، ويشترك فيها البشر في سائر الجغرافيات والأعراق والألوان دون تمايز بالصناعة.
الحقوق الخاصة
ونحن إذ نقرر ثبوت هذه الحقوق الأساسية المنبثقة عن العقل والعواطف الإنسانية، فلا نمنع عقل وصناعة ثبوت طائفة أخرى من الحقوق الخاصة والمزايا الفريدة لمن حازوا كرامة اكتسابية عالية وتشرّفوا بمقامات معنوية رفيعة؛ وهو أمر مقبول عقلائياً وشرعياً بالتمام. ومثاله التوضيحي: أن عشرة من الطلاب يدرسون في صف واحد يحوزون حقوقاً وامتيازات متساوية ابتداءً؛ بيد أن الطالب الذي أبدى جذاً واجتهاداً وسعياً وافراً ونال درجات رفيعة، يستحق بالوجدان تفضيلاً وتشريفاً ومزايا خاصة تفوق أقرانه؛ وهو صنيع مرعى عند العقلاء قاطبة. فمتى سلك العبد مسالك الكرامة الاكتسابية وحاز كمالاتها، ترتب له الاستحقاق لنيل مزايا وحقوق تفوق الحقوق الطبيعية العامة؛ وهي مزايا ثابتة له في النشأة الدنيوية والنشأة الأخروية بالتمام بموجب الشرع الحنيف.
وعليه، يتعين علينا الالتفات والحذر من القائمة الطويلة والفضفاضة للحقوق الطبيعية المروجة اليوم في المنظومة الغربية؛ كدعوى ثبوت حق الاختيار للمنحرفين والشواذ جنسياً (كالمثليين)، أو ثبوت الحق لمن انحرفت سرائرهم وتلوثت أفكارهم فصاروا يبثون السموم والكدورات لإفساد طهارة المجتمع الإنساني بالذات؛ فتلك دعاوى واهية ممتنعة عن القبول والشرعية بصناعة الحقوق الطبيعية المعتمدة عندنا. فنحن نلتزم بالقدر المتيقن والموجبة الجزئية من الحقوق الطبيعية المتولدة عيناً عن الكرامة الذاتية للإنسان بالذات.
قيود الحقوق الطبيعية
والمطلب الأخير الذي أروم عرضه وتبيينه في مطلع الختام -والذي قد ينهض مجيباً عن تساؤلاتكم الفقهية المطروحة- هو البحث في حدود الحقوق الطبيعية: فهل تتصف الحقوق الطبيعية -ولو في حدود القدر المتيقن والمقدار الأدنى المقبول- بالإطلاق والتعالي عن سائر القيود والحدود؟ بمعنى هل يتصف العبد بحق الاختيار والحرية المطلقة دون حظر وضابط، أم أن ذات الحقوق الطبيعية تقيدها قيود وحدود بالصناعة؟ يظهر يقيناً اتصاف الحقوق الطبيعية بالتقييد؛ فليست مطلقة مبرأة من الشروط بالذات؛ ونذكر هاهنا قيدين رئيسين حاكمين على مساحتها الفقهية:
القيد الأول
العدالة وامتناع التعدي على حقوق الآخرين؛ ومفاده أن الحق الطبيعي للفرد مقيد ومحدد بالتمام بحالة عدم نقضه أو سلبه للحق الطبيعي لغيره من بني جنسه، سواء أكان حقاً فردياً أم حقاً اجتماعياً عاماً للمجتمع. فمتى أدى تفعيل العبد لحريته وحقه خارجاً للتجاوز على أمن المجتمع أو الإضرار بحياة الأفراد وصيانة أعراضهم، ارتفع موضوع حقه عيناً، وصار منعه وحظره واجباً بالصناعة؛ فالإطلاق ممتنع عند التزاحم والتعدي بالوجدان.
القيد الثاني
رعاية الغايات والكمالات والمقاصد الإلهية؛ ومفاده أن الباري جل وعلا صاغ جبلة الإنسان واجداً للاستعداد والوعاء لبلوغ السعادة الحقيقية ونيل الكمالات الروحية السامية؛ فليس غاية خلقه السلوك وراء الهوى والشهوات الحيوانية المحضة. ومن ثم، تقيد القوانين الإلهية حركة العبد وتصرفاته بحدود رعاية هذه الغايات والمصالح الكبرى المقدرة له في جهاز التكوين والتشريع؛ فما استلزم إفساد جوهر إنسانيته ونزوله لدركات الجهالة ممتنع ومشروط بالحظر بالصناعة.
وبالجملة، فالحدود والضوابط مقيدة لإطلاق الحقوق الطبيعية من ناحيتين: التزاحم والتعدي على حقوق الآخرين، ورعاية الغايات والحكم والمقاصد الإلهية المقدرة للإنسان بالذات.
ولست هاهنا بصدد تفصيل المذاهب المضيقة والموسعة المصاغة في تبيين كنه الحكم والأغراض الإلهية؛ فقد يسلك البعض مسلكاً ممعناً في التضييق يؤول بالتبع لنفي وسلب أصل الحقوق الطبيعية للإنسان بالصناعة.