الدرس التاسع والثلاثون، المقام الأول
الدرس التاسع والثلاثون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الثالثة – الرواية الأولى والثانية والثالثة – الطائفة الرابعة – الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة
6 ذو القعدة 1446 هـ
بيّنّا سابقاً أن هناك طوائف عديدة من الروايات الصالحة للاستناد إليها في إثبات الكرامة الذاتية للإنسان؛ ونقلنا طائفتين منها في الجلسة السابقة. وأما الطائفة الثالثة، فهي الروايات الناهية عن الظلم بوجه عام وعن ظلم أي أحد قاطبة؛ فبمقتضى أخبار مستفيضة، يمتنع ارتكاب الظلم والجور والعدوان في حق البشر قاطبة بمعزل عن عقيدتهم ومذهبهم وعرقهم وقوميتهم؛ ولا سيما في باب حرمة الظلم، فإن هذا التعميم والشمول مستوعب لعامة الناس حتى الكافرين، وهو مطلب جلي واضح ينطق به وجدان الأخبار ويمكن استكشافه وتخريجه من ثناياها. ونعرض لنقل جملة من روايات هذه الطائفة بالترتيب.
الطائفة الثالثة
تشتمل هذه الطائفة الثالثة على روايات تنهى صراحة عن الظلم المطلق والعدوان على سائر البشر قاطبة دون تقييد؛ ونعرض لبيان أهمها:
الرواية الأولى
الرواية الأولى ترتبط بالواقعة المشهورة الحاصلة إبان حكومة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في إحدى المدن الواقعة تحت سلطان حكمه، حينما أغارت طائفة من خيل معاوية على مدينة الأنبار فتعرضوا لامرأة يهودية معاهدة وانتزعوا خلخالها وحليها قهراً وجبراً؛ وحين بلغ الخبر أمير المؤمنين (ع) خطب في الناس معبراً عن بالغ تأثره وغضبه بقوله: «وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلَائِدَهَا وَ رُعُثَهَا … فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً». فمقتضى هذا الأثر أن وقوع الظلم والعدوان والإجحاف في حق امرأة غير مسلمة قد أورث الوصي (ع) هذا الغضب البالغ والتأثر الشديد. وفي رؤية وميزان أمير المؤمنين (ع)، يحوز غير المسلم حداً أدنى من الأمان والحرمة والاحترام والتكريم الذي يتعين صيانته؛ ولذا قرر (ع) أن موت المؤمن أسفاً وحزناً لمجرد سماع هذا الخبر ليس محلاً للملامة والتقريع بل هو جدير وشايق به عيناً.
والظاهر أن هذا البيان الشريف دال صراحة على الكرامة الذاتية؛ فلولا تلك الحيثية الإنسانية المشتركة، ولولا التكريم والتبجيل الذي قرره الشرع للذات الإنسانية بما هي كذلك، لما استقام توجيه هذا الأسف البالغ وصدور قوله (ع) بكون الموت حزناً جديراً وشايقاً بالعبد بالصناعة.
الإشكال
وقد يثار إيراد وخدشة هاهنا مفادها: أن هذه المرأة كانت ذمية معاهدة تقع تحت ذمة الحكومة الإسلامية وضمانها التكويني، وصنيع الغزاة معها وتعرضهم لها وسلب حليها يمثل نقضاً صريحاً لعهد الذمة والمواثيق المقررة؛ فغضب أمير المؤمنين (ع) وتأثره الشديد إنما نشأ رعاية للعهد وحفظاً للمواثيق والتزامات الدولة في حماية الرعايا، ولا صلة له بمسألة الكرامة الإنسانية الذاتية عيناً؛ بل مداره احترام العقود والعهود المبرمة مع أهل الكتاب ليس إلا.
الجواب
ويظهر الجواب بالدقة في نوع الأدب والصياغة البلاغية واللحن المستعمل في كلامه (ع)؛ فشدة الغضب وبلوغ التأثر حداً يصيّر معه موت المسلم حزناً أمراً جديراً به عيناً بقوله: «بِهِ عِنْدِي جَدِيراً»، لم يكن لمجرد نقض عهد صوري مكتوب أو فك الالتزامات؛ بل لكون الجناية والعدوان قد وقعت في حق نفس إنسانية غير مسلمة معصومة الدم بموجب المعاهدة الإنسانية والشرعية الحاكمة؛ فنقض العهد ليس إلا سبيلاً كاشفاً، والعمدة تكمن في صيانة الحرمة الإنسانية واستقباح التعدي عليها؛ وهذا ما أورث الوصي (ع) هذا الغيظ البالغ والإنكار الشديد.
الرواية الثانية
ما رُوي عن جعفر بن محمد عن آبائه (ع) في وصية النبي (ص) لعلي (ع) أنه قال: «يَا عَلِيُّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهُمُّ بِظُلْمِ أَحَدٍ، يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسَانَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ وَ شَرِّهِ، يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ وَ شَرٌّ مِنْهُ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ». فالباري جل جلاله جعل أفضل مراتب الجهاد الخلو العاجل للعبد عند الصباح من همّ ونزوع لظلم أي كائن قاطبة؛ ويقرر نفي الحرمة ودخول النار لمن خاف الناس من سليط لسانه وبذاءته؛ ويصنف الفرد شراً من الدواب حال صيرورة احترام الناس له وإكرامهم لشخصه معلولاً لخوفهم من فحشه وبذاءته؛ ويصيّر بائع آخرته بالدنيا في أسفل دركات الشر، ويضع من يبيع آخرته لدنيا غيره في مرتبة أشد خسة وشروراً بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: الفحش هاهنا يؤول لعلو كعب البذاءة والفجاجة والخروج عن مقتضيات العفة والمبالاة؛ فهو يحوز معنى كلياً جامعاً؛ ومفاده الفرد السليط المعتدي الذي لا يرعى حرمة لغيره.
وبموجب هذا الأثر الشريف، يواجه النبي (ص) وصيه (ع) بالقول: «يَا عَلِيُّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهُمُّ بِظُلْمِ أَحَدٍ»؛ ولفظ «أَحَدٍ» يتصف بالعمومية كلفظ الشأن والشيء؛ فكما يستوعب الأخير سائر الموجودات، يستغرق لفظ “أحد” العشيرة البشرية قاطبة، فيمنع ويحظر همّ الظلم للجميع مسلماً كان أم كافراً. ويعقبه النص بذكر عبارات: «خَافَ النَّاسُ»، «شَرُّ النَّاسِ»، «أَكْرَمَهُ النَّاسُ»؛ وهي ألفاظ ناطقة بالعموم لعموم البشر بمعزل عن العقيدة والدين؛ ما لم تقم قرينة مباينة تخرجها عن حيزها. وإن كان قوله تالياً: «بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ» يشي بخصوص المتدينين الباحثين عن الآخرة والواقعين في حيز الغفلة عيناً بالصناعة.
الرواية الثالث
ما رُوي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في حديث أنه قال: «أَمَا إِنَّهُ مَا ظَفِرَ بِخَيْرٍ مَنْ ظَفِرَ بِالظُّلْمِ، أَمَا إِنَّ الْمَظْلُومَ يَأْخُذُ مِنْ دِينِ الظَّالِمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الظَّالِمُ مِنْ مَالِ الْمَظْلُومِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَفْعَلِ الشَّرَّ بِالنَّاسِ فَلَا يُنْكِرِ الشَّرَّ إِذَا فُعِلَ بِهِ». فالحق سبحانه يقرر انتفاء الظفر والخير لمن سلك مسلك الجور؛ وإن حاز ظفراً ظاهرياً عاجلاً، إلا أنه مفرغ من حقيقة البر والخير؛ لكون المظلوم يستأثر بنصيب من دين الظالم يفوق بكثير ما يسلبه الظالم من مال المظلوم خارجاً. فالظلم خالٍ من الخير مطلقاً ومبادر بالنهي والمنع عيناً. وإطلاق النهي يقتضي العموم والاطراد لعامة البشر؛ بل قد يتسع بالالتزام ليشمل ظلم النفس وظلم الخالق، وكذا ظلم سائر الدواب والحيوانات بالصناعة.
الطائفة الرابعة
الطائفة الرابعة تشتمل على الأخبار الآمرة بلزوم رعاية المعاشرة الحسنة والسلوك الجميل والأخلاق الفاضلة مع عامة البشر، حتى وإن اتصفوا بالكفر والجحود بالصناعة.
الرواية الأولى
وهذه الرواية وإن اتصفت بشيء من الطول، غير أنها وافرة الحسن والجمال؛ ويعد مدارستها والالتزام بها مطلباً أكيداً لطلاب العلوم والروحانيين بالذات: «عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِنَّ عِنْدَنَا أَقْوَاماً يَقُولُونَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ لَيْسَ يَصِفُونَ مَا نَصِفُ مِنْ فَضْلِكُمْ، أَ نَتَوَلَّاهُمْ؟ فَقَالَ لِي: نَعَمْ فِي الْجُمْلَةِ». فالسائل يستفهم الإمام الصادق (ع) بالقول: إن لدينا أقواماً وجماعات نحتك بهم يعتقدون بولاية أمير المؤمنين (ع) ويفضلونه على سائر الخلق؛ غير أنهم لا يصفون من فضلكم ومراتب كمالاتكم ما نصفه نحن ونعتقده؛ أي لا يحوزون ذات العمق والرسوخ في الاعتقاد؛ فهل يسوغ لنا مودتهم وعقد الولاء والصلة معهم خارجاً؟ فأجابه الإمام بالقول: نعم، في الجملة. ثم أردف مبيناً السنن المعرفية للاستعداد الإنساني بقوله: «أَ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ؟ وَ لِرَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مَا لَيْسَ لَنَا؟ وَ عِنْدَنَا مَا لَيْسَ عِنْدَكُمْ؟ وَ عِنْدَكُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ؟ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَضَعَ الْإِسْلَامَ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ: عَلَى الصَّبْرِ، وَ الصِّدْقِ، وَ الْيَقِينِ، وَ الرِّضَا، وَ الْوَفَاءِ، وَ الْعِلْمِ، وَ الْحِلْمِ؛ ثُمَّ قَسَمَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَمَنْ جَعَلَ فِيهِ هَذِهِ السَّبْعَةَ الْأَسْهُمِ فَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ مُحْتَمِلٌ». فالباري جل جلاله أسس ركائز الإسلام على شؤون سبعة: الصبر، والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء، والعلم، والحلم؛ ثم جعلها مقسمة بين العباد بحسب استعداداتهم؛ فمن جمع الشؤون السبعة في وجوده كان متصفاً بكمال الإيمان والأهلية. «ثُمَّ قَسَمَ لِبَعْضِ النَّاسِ السَّهْمَ، وَ لِبَعْضٍ السَّهْمَيْنِ، وَ لِبَعْضٍ الثَّلَاثَةَ الْأَسْهُمِ، وَ لِبَعْضٍ الْأَرْبَعَةَ الْأَسْهُمِ، وَ لِبَعْضٍ الْخَمْسَةَ الْأَسْهُمِ، وَ لِبَعْضٍ السِّتَّةَ الْأَسْهُمِ، وَ لِبَعْضٍ السَّبْعَةَ الْأَسْهُمِ؛ فَلَا تَحْمِلُوا عَلَى صَاحِبِ السَّهْمِ سَهْمَيْنِ، وَ لَا عَلَى صَاحِبِ السَّهْمَيْنِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمِ، وَ لَا عَلَى صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، وَ لَا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعَةِ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، وَ لَا عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ سِتَّةَ أَسْهُمٍ، وَ لَا عَلَى صَاحِبِ السِّتَّةِ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ». فالباري وزع السهام والدرجات بين الخلق؛ فوهب لبعضهم سهماً واحداً، ولآخر سهمين، ولغيره ثلاثة أو أكثر حتى تبلغ السهام سبعة لبعض الكمل. ومقتضى هذه السنن التكوينية ألا نطالب حائز السهم الواحد بمسؤوليات وسلوك صاحب السهمين؛ بل يتعين موازنة المطالب والآراء والاعتقادات والوظائف بحسب سعة العبد وطاقته الموهوبة. وهذا أصل ومطلب بالغ الروعة؛ لكوننا نقع تارة في توهم المطالبة باستواء الناس معنا في مراتب الفهم والعمل -هذا إن كنا حائزين لشيء حقيقة- فنعمد لتقريع من تخلف فهمه الاعتقادي وننعته بالانحراف والجور. ونقع في وهم مطالبة الجميع بصيرورتهم كسلمان وأبي ذر في الرسوخ؛ في حين خلا منهج المعصومين (ع) في الدعوة والتبليغ وجذب العباد من هذا العسف والتحميل الصوري؛ بل يأمر (ع) بعدم تحميل صاحب السهم سهمين بقوله: «فَتُثَقِّلُوهُمْ وَ تُنَفِّرُوهُمْ وَ لَكِنْ تَرَفَّقُوا بِهِمْ وَ سَهِّلُوا لَهُمُ الْمَدْخَلَ»؛ فيأمر بسلوك الرفق والمداراة وتسهيل المسارات وتخفيف الأثقال في مواجهة العباد؛ لكونهم يعملون ويؤدون بحسب رتب معرفتهم عيناً. ثم يضرب الإمام مثلاً توضيحياً بليغاً بقوله: «…سَأَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا تَعْتَبِرُ بِهِ…»؛ فيحكي قصة جار كافر لجار مسلم، تآلفا وتصادقا حتى دعاه المسلم للإسلام فتميل قلبه للإسلام؛ فلما تشرّف باعتناق الملة، بادر المسلم عند الصباح لاقتياده للمسجد لإقامة صلاة الجماعة، فلما انقضت الصلاة زجره بالقول: اجلس هاهنا لقراءة القرآن والتسبيح حتى طلوع الشمس، ثم دعاه لصلاة النوافل والصيام، وخلاصة المطلب صيرورته حبيساً للعبادة والصلاة والصوم طوال يومه حتى مطلع المساء. فلما بادر المسلم لطلبه في صباح اليوم الثاني، واجهه الرجل بالقول: اعتزلت دينكم هذا وعدت لكفري؛ لعدم قدرتي على النهوض بوطأة هذه التكاليف بالتمام.
ويعقب الإمام الصادق (ع) في ذيل الرواية الشريفة بقوله: «أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ إِمَارَةَ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَت بِالسَّيْفِ وَ الْعَسْفِ وَ الْجَوْرِ، وَ أَنَّ إِمَارَتَنَا بِالرِّفْقِ وَ التَّأَلُّفِ وَ الْوَقَارِ وَ التَّقِيَّةِ وَ حُسْنِ الْخُلْطَةِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ، فَرَغِّبُوا النَّاسَ فِي دِينِكُمْ وَ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ». والقول منا بحتمية رعاية هذا المنشور الأخلاقي وجعله نصب أعيننا في معترك التبليغ والدعوة كافٍ ومطلب واجب بالصناعة؛ فالناس متفاوتون رتباً واستعداداً؛ وحتى من حاز سهماً يسيراً من الشريعة فيتعين تقدير حرمته ورعايته عيناً.
السؤال: …
الأستاذ: إن واجبنا ينحصر في بذل الجهد لإيقاظ العباد وترقية مراتب وعيهم وفهمهم للشريعة، وتعميق الاعتقاد والعمل الصالح؛ وهو شأن لا ريب فيه. وهل استوى من صحب الأئمة (ع) في مطلع الأمر في معرفة الأسرار والعمق العقدي؟ وهل تساوت رتب الصاحبين سلمان وأبي ذر في فهم المعارف الإلهية رغم طول صحبتهم؟ لا ريب في تفوق سلمان وتباعد رتبته المعرفية؛ غير أن مواجهة العبد الموصوف بمرتبة معرفية معينة ومحددة تقتضي رعاية هذا التفاوت عيناً… ولست بصدد معالجة الأبعاد القانونية والحدود؛ فجل من يتنكب عن رعاية وظيفة الحجاب الشرعي في الشوارع يقع تحت تأثير الجهل بالحكم وعدم إدراك كونه معصية وحراماً شرعاً… وهذا بحث آخر… فكيف نتعامل مع هؤلاء؟ وهل نسلك طريق الردع الصارم والإهانة لمواجهتهم أم نجري على وفاق أدب المعصومين (ع)؟ وقانون النهي عن المنكر يحوز ضوابط وشروطاً، وليس لأحد اقتراف الهتك وتشويه حرمة الناس بدعوى رعاية الدين…
والذي أريد بيانه أن الأمر بالرفق والمداراة وتجنب العسف والتحميل عيناً، حتى في قصة الجار الكافر، وافر الدلالة على وجوب رعاية الكينونة الإنسانية وصيانة شخصها وحرمتها من الإهانة والتنكيل؛ فللإنسان حرمة جبلة، وتمنع الشريعة فرض الإكراه والتحميل عليه خارجاً. فما دمنا قررنا حيازة الإنسان للفطرة والإرادة والاختيار وحرية السلوك بتقدير الحق سبحانه، لزم من ذلك صيرورتها تكريماً وتبجيلاً للعبد وتأسيساً للحقوق الطبيعية الممنوعة من السلب والنفي؛ فيستوي فيها الكافر والمسلم بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: لقد قررنا سابقاً أن هذه الحقوق ممتنعة عن الإطلاق المطلق بالكلية؛ فجميع العقلاء يلتزمون بتقييد الحقوق الطبيعية كحق الحرية والاختيار بحدود وحظر يمنع تصادمها ومنافاتها للمصالح والأنظمة العامة للمجتمع… فالأمر محكوم ومقيد برعاية الضوابط والحدود التكوينية والتشريعية بالتمام؛ وهو جلي بلا ريب.
الرواية الثانية
ما رُوي عن رسول الله (ص) أنه قال: «رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ وَ اصْطِنَاعُ الْخَيْرِ إِلَى كُلِّ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ».
الرواية الثالثة
ما رُوي عن أبي جعفر (ع) في تفسير قوله تعالى: وقولوا للناس حسناً؛ (كما في قوله تعالى: «…وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا…» [البقرة: 83])، أنه قال: «قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ مَا تُحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ». فالأمر والوصية تقتضي خطاب الناس بأحسن السلوك والقول الجميل المقبول؛ وفي الخبر السابق صرّح بـ «كُلِّ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ» وعمّم التودد وصنع المعروف لعامة البشر دون تفريق، وهو مسلك يطابق بالتمام سيرة أمير المؤمنين (ع) ووصيته لمالك الأشتر: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»؛ فالحرمة ثابتة للبشر لمجرد نظيريتهم في الخلق عيناً؛ وتتحتم معاملتهم بالبر والإحسان واللطف بالصناعة.
الرواية الرابعة
ما رُوي عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: «اصْنَعُوا الْمَعْرُوفَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ أَهْلَهُ وَ إِلَّا فَأَنْتَ أَهْلُه». ولفظ «أَحَدٍ» بالعموم المطلق يستوعب عامة البشر بلا استثناء عيناً.