The news is by your side.

الدرس الثامن والعشرون، المقام الثاني

الدرس الثامن والعشرون
المقام الثاني: دراسة كون الكرامة منشأً للحقوق – الاتجاهات والآراء حول الحقوق الطبيعية – الرأي الأول: إنكار الحقوق الطبيعية – الرأي الثاني: قبول الحقوق الطبيعية – الحقوق الطبيعية من منظور علماء الإسلام – وجوه الاختلاف بين الرؤية الغربية والإسلامية

18 شعبان 1446 هـ

كان مدار البحث في المقام الثاني حول ما إذا كانت الكرامة الذاتية للإنسان تعد منشأً لثبوت طائفة من الحقوق له أم لا. وقررنا ضرورة تقديم بيان موجز حول حقيقة الحقوق وأقسامها ومصدر نشوئها بالصناعة؛ وعليه تصدينا لتعريف القانون الوضعي والقانون الطبيعي تالياً، ثم فرعنا على ذلك تعريف الحقوق الطبيعية وتعداد خصائصها وسماتها الحاكمة.

كلام الشهيد مطهري

وأود هاهنا نقل عبارة شريفة للشهيد مرتضى مطهري تنطوي بجهة من جهاتها على تعريف الحقوق الطبيعية وتعداد خصائصها الحاكمة؛ وإن لم يكن مقصده عيناً صياغة حد وتعريف فني لها، إلا أنه تعرض لبيان المطلب استطراداً؛ حيث يقرر:

إن الإنسان بموجب ما تقضي به شريعة الخلق والطبيعة، وبحكم فطرته الأصيلة، يتمتع بطائفة من الحقوق والحريات؛ وهي حقوق وحريات يمتنع على أي فرد أو جماعة سلبها ونفيها عن فرد أو قوم تحت أي ذريعة وبأي عنوان كان؛ بل ويمتنع على صاحب الحق نفسه نقلها للغير أو التنازل عنها ومفارقتها بمحض إرادته ومشيئته؛ ويستوي في حيازة هذه الحقوق والحريات البشر قاطبة؛ حكاماً ومحكومين، بيضاً وسوداً، أغنياء وفقراء، فهم متساوون ومتكافئون فيها بالتمام.

ويستفاد من هذه الكلمات -المستوعبة عيناً لجل المطالب السالفة في الجلسة السابقة- أن التعبير الأدق والأصوب عن “الحقوق الطبيعیة” هو “الحقوق الفطرية”؛ لكونها تنبثق عيناً من فطرة الإنسان، وصميم خلقه، والتقدير الصنعي الإلهي، وتتفرع عن الطاقات والاستعدادات التي أودعها الباري جل وعلا في وجوده.

وعليه، فإن تلك الخصائص والسمات المتمثلة في الوجوب والضرورة، والامتناع عن التبدل والتغير، والأزلية، والشمول والاطراد، والاستقلال القائم بالذات، كلها معانٍ مستكنة في حقيقة هذه الحقوق بالصناعة. وسنعرض لاحقاً لتوضيح أن سائر شؤون “حقوق الجزاء” والقوانين المعنية بـ “عقاب المتخلفين والمجرمين” قائمة في واقعها على هذا الركن والأساس؛ لكون صنيع المتجاوزين والمعتدين يدور مدار تجاوزهم وتعديهم على حقوق سائر البشر. فالقول باطراد هذه الحقوق وعموميتها وأزليتها وامتناعها عن التغير لا ينافي بحال وضع حدود وعقوبات للمعتدين والمتجاوزين على حقوق الآخرين وسلب بعض هذه الحقوق والمزايا عنهم على وجه العقوبة والجزاء بالصناعة.

دیدگاه‌ها پیرامون حقوق طبیعی

وسأعرض هاهنا بوجه كلي وعابر لعرض أهم الآراء والاتجاهات الدائرة حول الحقوق الطبيعية. وتبرز في البيئة والمدارس الحقوقية غير الإسلامية وجهتا نظر كليتان في الباب؛ ولهذا الاختلاف والتدافع نظير ومعادل مستقر في كلمات علماء الإسلام ومحققيهم بالتمام. والتقسيم الذي سنعرض له يمثل دراسة كلية للمطلب، وإلا فإن تحت كل مسلك تفاصيل وخلافات فرعية دقيقة بين أرباب المدارس بالصناعة.

ففي البيئة الفكرية الغربية غير الإسلامية، ذهب اتجاه عريض للقبول بالحقوق الطبيعية واعتماد ركائزها بالكامل؛ وإن تفاوت الملتزمون بها في تبيين حدودها سعةً وضيقاً؛ غير أن السواد الأعظم من الحقوقيين والشرائعيين يقررون ثبوتها عيناً، ويسعون في سائر الحقب للدفاع عن حقوق الإنسان بموجبها. وفي المقابل، ذهب اتجاه آخر لإنكار الحقوق الطبيعية ونفي أصل ثبوتها بالصناعة.

دیدگاه اول: انکار حقوق طبیعی

عظم شأن الإنكار والتشكيك في الحقوق الطبيعية وقوي صوته في أوروبا خلال “عصر التنوير”؛ بمعنى أنه منذ مطلع “عصر النهضة” (الرينسانس) فصاعداً، تشكلت طائفة وافرة من الباحثين لا يلتزمون بالحقوق الطبيعية ولا يقرون بها بالصناعة. وتندرج هذه الجماعة تحت مسمى “المدرسة الوضعية” (الوضعيون أو الإثباتيون أو التحققّيون)؛ وهم يرتكزون في تبيين المعرفة والإدراك العلمي على أدوات المنطق والرياضيات والتجربة الحسية المحضة؛ ويذهبون لكون العلوم الإنسانية والطبيعية ممتنعة عن الكشف والتحصيل بغير هذه السبل المادية؛ فهذا هو معيار المعرفة وملاك العلم عندهم. ويرجع جذر هذا التفكير الممعن في تقديس العقل البشري المادي والاتكال عليه عيناً، إلى الطغيان والثورة الحاصلة ضد مظالم الكنيسة والرهبنة في القرون الوسطى بالتمام.

وبموجب هذه الرؤية الفكرية، يمتنع ثبوت أي قانون وراء القانون الوضعي؛ ومن ثم يمتنع ثبوت حق للعبد بمعزل عن الحقوق التي يولدها القانون الوضعي بالصناعة. فهم يصيّرون الحقوق قاطبة وليدة النظام القانوني المكتوب بالكامل؛ ومتى سنت الدولة والحكومة -بوصفها المصدر الفريد للقانون- قرارات ولوائح تملك صفة التقنين، تعين التزامها ورعايتها بالتمام، ولا يملك أحد سلطة تقييد القانون الوضعي أو تضييق دائرته. فللحكومة مكنة توليد الحق وإيجاده، كما تملك سلطة سلبه ونفيه بالتمام؛ وعليه يمتنع وصف صنيع الحكومة بالتجاوز على حقوق الرعايا؛ لكونها المصدر الأصيل والمنشأ الفريد لسائر الحقوق عيناً.

وقد أثمر هذا التفكير الحقوقي خلال القرن العشرين أثراً بالغاً تمثل في بروز ونشوء الأنظمة الفاشية والنازية؛ لكونها قامت عيناً على تقرير تفوق القوانين الموضوعة واللوائح الصادرة عن الدولة وتعزيز مركزية السلطة والاستبداد؛ مستندين في ذلك إلى نفي فكرة الحقوق الطبيعية والقول بامتناع إثباتها صناعة؛ لكونها حقائق عارية عن الوجود العيني والمصداق الخارجي الملموس. ويرى هؤلاء أن القانون المفتقر لقوة الردع وسلطة العقاب والجزاء للمتخلفين لا يستحق وصف القانون بالذات؛ فالقانون الطبيعي ليس بقانون عندهم لفقده ضمانة الردع والجزاء؛ ولا تتوفر هذه الضمانة إلا في اللوائح والقوانين الصادرة عن الدولة الحاكمة. وعليه فالحقوق الإنسانية قاطبة وليدة القانون الوضعي، ولا وجود لشيء نطلق عليه الحقوق الطبيعية بالكلية.

دیدگاه دوم: پذیرش حقوق طبیعی

وفي المقابل، ذهب طيف عريض من الباحثين للقول بوجود القانون الطبيعي وثبوت أحكامه. وقد تصدى جملة من الأكابر لتعداد القوانين الطبيعية وحصروها في نيف وعشرين قانوناً طبيعياً تنهض عيناً لتأسيس الحقوق الطبيعية. ومؤدى هذا المسلك أن الحقوق الأساسية للإنسان تمثل المادة الخام والرافد الأصيل لصياغة القوانين الوضعية؛ فصلاحية القوانين الوضعية واعتبارها يدوران مدار رعایتها لهذه الحقوق بالصناعة. ويرى أصحاب هذا المسلك أن تجريد البشر من هذه الحقوق وعدم رعاية مبادئها يؤول لدمار البشرية وإهلاك النسل والحرث؛ فجعل سائر الشؤون معلقاً على إرادة المقنن ومشيئة الحاكم دون رعاية للحقوق الطبيعية يقود عاقبة المطاف لزوال الإنسانية. ومن هنا، كان “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” بموجب نظر واضعيه منبثقاً من صميم هذه الحقوق الطبيعية؛ إذ أرادوا الاعتراف بها وتقنينها بصيغة وثيقة دولية في قالب إعلان عالمي للحقوق. وبطبيعة الحال، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمثل صنيعاً جميلاً وحسناً في نفسه بموجب كلمات الشهيد مطهري؛ لكونه يتجه عيناً لرعاية الحقوق الطبيعية والاعتراف بالحقوق الفطرية للبشر. وإن كانت ثمة مواد وفقرات في هذا الإعلان محلاً للنقد والبحث والخدشة بالصناعة. وتارة يقع الخلاف في إدراج بعض الموارد وتسميتها حقاً طبيعياً؛ ونحن هاهنا بصدد إثبات أصل الحقوق الطبيعية ولزوم رعاية مبادئها؛ وأما بيان سعة هذه الحقوق وقلمورها الوجودي فمطلب سنعرض له لاحقاً. فهذان هما المسلكان والاتجاهان الرئيسان الدائران حول الحقوق الطبيعية في الفكر الفلسفي والحقوقي الغربي بوجه عام.

السؤال: …

الأستاذ: ليس المقصود كون الفطرة منشأً قانونياً محضاً؛ بل الحقوق الطبيعية هي طائفة الأحكام التي يدركها العقل العملي وتتلقاها فطرة الإنسان بالقبول؛ وهي قضايا مطابقة للفطرة وملائمة مع طبع الإنسان ونشأته الوجودية…

حقوق طبیعی از دیدگاه دانشمندان مسلمان

وتجد نظير هذين المسلكين والاتجاهين قائماً عيناً في معترك الكلمات والأبحاث الإسلامية؛ وإن أردنا التماس بديل ومعادل لهذا التدافع الفكري في البيئة الإسلامية، لأمكننا الإشارة إلى النزاع التاريخي العريض الدائر بين “الأشاعرة” و”المعتزلة” في علم الكلام والفقه عيناً. فالأشاعرة ينكرون التحسين والتقبيح العقليين الذاتيين، ويذهبون لكون الحقائق ممتنعة عن الاتصاف بالحسن أو القبح قبل ورود الجعل والتصريح من الشارع المقدس. فالأشياء والأمور بذواتها خالية من الحسن والقبح، ولا تشتمل على مصلحة أو مفسدة ذاتية كامنة فيها، بل إنما تتصف بالوصفين وتدور مدار المصلحة والمفسدة بمحض جعل الشارع وحكمه؛ فما حسنه الشارع فهو الحسن، وما قبحه الشارع فهو القبيح بالتمام. وبناءً على هذا المسلك التأسيسي، يعسر الالتزام والقول بالحقوق الطبيعية بالصناعة؛ لكون العبد مجرداً من أي حق وتكليف وراء ما يرسمه الشارع ويجعله له. وإن صيرورتنا للاعتراف ببعض الحقوق المعبر عنها بالطبيعية تدور مدار دخولها وتصنيفها تحت حيز “ما حسنه الشارع” ورعاه؛ وما خرج عن رعاية الشارع وجعله انتفت عنه صفة الحق بالكلية، وامتنع إرجاعه وسنده لقانون أزلي طبيعي. وعليه يظهر أن إنكار الحسن والقبح الذاتي العقلي ونفي المستقلات العقلية يؤول بالتبع لنفي أصل الحقوق الطبيعية بالصناعة؛ إن غابت الإشارة الصريحة لهذا التلازم في كلماتهم. وكما أسلفنا، فإن أردنا التماس نظير للنزاع التاريخي الغربي السالف الذكر، لأمكننا تخريجه على مساق الخلاف الأشعري المعتزلي بالتمام. واليوم نجد في الفكر الحقوقي الغربي بروز “المدرسة الحديثة للحقوق الطبيعية” وهي مباينة لعهودها السابقة؛ لكون تطورات هذه المدارس غير متحدة عيناً. ومثالها المعاصر: “المدرسة التجريبية للحقوق الطبيعية”؛ وتفسيرها الاصطلاحي محل للبحث؛ وتفاوتت الأفكار فيها منذ عهود أفلاطون وسقراط… بل يسعى طائفة من الحقوقيين المعاصرين لإثبات التزام الوضعيين والإثباتيين -المعروفين بخصومتهم ونفيهم للحقوق الطبيعية- بحدود دنيا من الحقوق الطبيعية رغماً عن منكراتهم؛ وعليه يصح القول بانتفاء وجود من ينفي الحقوق الطبيعية بالكلية ورأساً في الفكر الحقوقي المعاصر بالتمام.

وكذا يسير الأمر في الفكر والبيئة الإسلامية؛ لكون الاهتمام بأركان الحقوق الطبيعية وركائزها حاضراً ومدركاً بقوة. ومثاله: ركيزة “العدالة” الممثلة لأهم ركائز الحقوق الطبيعية عيناً؛ حيث حظيت بالبحث والتحقيق العلمي الوافر بين علماء الإسلام ومتكلميهم. غير أن تصدي الباحث لمعالجة ركيزة العدالة لا يقتضي بالضرورة اعترافه وقبوله بالحقوق الطبيعية؛ كما يتجلى في مذهب الأشاعرة القائلين بامتناع تقييد الذات الإلهية بضوابط العدل لكونه يؤول لتحديد سلطانه وقدرته المطلقة؛ فكل ما يصدر عن الباري جل وعلا هو عين العدل عيناً وإن عاينه عقلنا ظلماً بالنظر القاصر. ولست بصدد نقد مذهب الأشاعرة ومحاكمته هاهنا؛ وإنما الغرض بيان اهتمام القوم بركائز الحقوق الطبيعية دون صيرورتهم للاعتراف بها بالصناعة.

ومن جهة أخرى، يقع البحث حول المنهج والمبنى الذي اعتمده المثبتون للحقوق الطبيعية في تشييد مذهبهم. وقد أسلفنا أن النزاع الكلامي الدائر حول المستقلات العقلية والتحسين والتقبيح العقليين وإثبات تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية، يمثل معبراً جلياً لكشف ارتباط هذا البحث العقلي بالحقوق الطبيعية بالتمام؛ فاعتقاد العبد بالحسن والقبح العقلي وصيرورته لتبعية الأحكام للملاكات والمصالح الواقعية الكامنة في الأشياء، ينهض ملازماً أو مقارناً للقبول بالحقوق الطبيعية والاعتراف بمبادئها؛ وليس بالضرورة تلازماً تاماً بل مقارناً وممهداً له بالصناعة. ومن هنا، كان مذهب المعتزلة ومذهب الإمامية القريب منهم عيناً، مهيأً للاعتراف بهذه الحقوق والقول بمبادئها؛ بينما يتباعد الأشاعرة بمسلكهم الكلامي تباعداً كبيراً عن هذه الحقوق بالصناعة.

تفاوت دیدگاه غرب و اسلام

ويبرز الفارق الجوهري الفاصل بين الاتجاهين السائدين في البيئة الإسلامية والاتجاهين السائدين في المدارس الغربية؛ في أن علماء الإسلام ومحققيهم قاطبة -حال استناد المطلب عندهم لقوة العقل أو نداء الفطرة- يرون أنفسهم ملزمين بالتماس الإمضاء والتأیيد من لدن الشارع المقدس تبارك وتعالى وتخريجه عليه. فدور المستقلات العقلية في كلمات علمائنا ينحصر في كشف الحكم الشرعي واستبيان تأیيد الشارع وإمضائه للحكم العقلي بالصناعة. فالمستقلات العقلية تمثل مصدراً كاشفاً عن رأي الشارع ونظره الشريف؛ لكون الشارع المقدس حكيماً لا يشرع حكماً إلا برعاية الحسن والقبح الذاتي والمصالح والمفاسد الواقعية المستقرة في متعلقات الأحكام. بينما يذهب منكرو الحسن والقبح ونفاة المستقلات العقلية والملازمة الشرعية لعكس ذلك؛ فیسعون لاستكشاف تأیيد الشارع وإمضائه بمسالك وأدوات أخرى. وعلى أي حال، يستوي الطرفان في سعيهما لاستكشاف نظر الشارع وجعله بالدقة (نحن نقول بكشف عقلنا لتأييد الشارع وحكمه؛ وهم يمنعون ذلك بقوة العقل)؛ غير أن هذا النزاع الإسلامي على تفاصيله يباين تماماً المدارس الغربية قاطبة؛ لكون المدارس الغربية تكتفي بتقرير ثبوت الحقوق بموجب حكم الطبيعة والعقل المادي بمعزل عن الدين ومبدأ الإمضاء والشرعية الإلهية بالكلية.

وبالجملة، فإن مقتضى شريعة الخلق والتقدير الإلهي وهداية الفطرة يثمر حیازة العبد لهذه الحقوق، وتجري في ملكه جبلة بمقتضى التكوين والتقدير الرباني بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: سنعقد مباحث الجلسة المقبلة لتفصيل “دليل الحقوق الطبيعية” وبيان شروطها وحدودها وقلمورها الوجودي؛ وأملنا معقود على تمام هذا البحث واستكماله بالكامل قبل حلول شهر رمضان المبارك بمشيئة الله تبارك وتعالى.