الدرس السابع، المقام الأول
الدرس السابع
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 1. العقل – الإشكال
10 ربيع الآخر 1446 هـ
خلاصة الدرس السابق
لقد قمنا حتى الآن بتنقيح موضوع البحث ومحل النزاع؛ وبيّنّا أننا نروم معرفة ما إذا كان يسعنا، بالاستناد إلى الأدلة، إثبات كرامة ذاتية للإنسان، بمعنى امتلاكه لشرف ومنزلة ورتبة تميزه عن سائر الكائنات في هذا الوجود، ولا يختلف في ذلك المسلم عن الكافر، ولا يتباين باختلاف الموطن والجغرافيا، ولا يتفاوت باختلاف اللون والعرق. إذن، يتعين علينا أولاً أن نرى ما إذا كانت هذه الكرامة الذاتية متحققة أم لا؛ وثانياً، هل أفضت هذه الكرامة الذاتية إلى تشريع حقوق وتكاليف خاصة أم لا؟ هذا هو الموضوع الأساسي.
وذكرنا أن الآراء والأنظار والعبارات متباينة، نظراً لعدم تحرير محل الاختلاف والنزاع بدقة. ولذلك، قد ينفي أحدهم الكرامة الذاتية، ولكنه يقصد معنى خاصاً منها؛ ويثبتها آخر، ويريد معنى مغايراً. وقد أشرنا إلى الأقوال والأنظار، وقلنا إن فريقاً يقر بوجود كرامة ذاتية في الإنسان؛ وفريقاً ينفي وجودها، ويرى أن للإنسان اقتضاء الكرامة فحسب؛ وفريقاً ثالثاً يقول إنها كرامة ذاتية، غير أن الإنسان قد يسلبها عن نفسه أحياناً بيده؛ أي إنهم يوظفون كلمة “الذاتي” ويعدون هذه الكرامة قابلة للسلب في الوقت عينه. وقد استخدم البعض تعبير “الكرامة الذاتية بالقوة”، ووظف آخرون تعبير “الكرامة الذاتية بالفعل”. وعلى أية حال، وكما لاحظتم، فإن هذه التفاوتات قائمة.
مباني الكرامة الذاتية للإنسان
وبناءً على ما تقدم، نروم دراسة الكرامة الذاتية بالمعنى الذي بيّناه، من حيث ثبوتها وعدمها. ويتعين علينا في المقام الأول البحث عن مبانيها في الأدلة الشرعية، من العقل والآيات والروايات، لنرى ما إذا كان ثمة وجود لمثل هذا الأمر أم لا.
وبشكل عام، ذُكرت أو يمكن أن تُذكر أدلة ومباني للكرامة الذاتية. وإذا أردنا إحصاءها، فربما تبلغ عشرة موارد. غير أنني، ومنذ البداية، أفصل بين هذه الأمور وأقسمها إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: وتضم الأمور التي لا تحمل أي صبغة أو لون خاص؛ في قبال الطائفة الثانية التي تتسم بمثل هذه الصبغة. ولأضرب مثالاً؛ إن وجود العقل في الإنسان أمر يمتلكه جميع البشر بما هم بشر؛ ولكننا سنبحث فيما إذا كان يُعد كرامة ذاتية أم لا.
الطائفة الثانية: كونه مسجوداً للملائكة؛ فهذا يحمل صبغة ولوناً خاصاً. وكذا كونه خليفة الله …
وأنا أفصل بين هذه الأمور ليتضح وجه ذلك بشكل أوفى لاحقاً.
الطائفة الأولى
أشرع الآن ببيان الطائفة الأولى؛ وهي الأمور التي يمكن لجميع البشر أن يمتلكوها بهذه البنية والهيكلية، وهذا التكوين المادي.
المورد الأول هو العقل. وقد ورد في الأقوال والكتابات بشأن العقل أنه تلك القوة التي تمكّن الإنسان من إدراك الأمور، وتفكيكها، وتحليلها، واستخلاص النتائج؛ أي قوة المعرفة والوعي، التي لا تتوافر في أي كائن آخر بهذا المستوى. فهذه القوة تمنح الإنسان القدرة على تحليل الأمور، والاستدلال، والاستكشاف، واستنباط النتائج من مقدمات معينة. وهذا هو ما يُطلق عليه العقل؛ أي قوة المعرفة، والوعي، والتحليل. وبطبيعة الحال، فهذا أمر متحقق في جميع البشر؛ فالإنسان يُفصل عن سائر الكائنات، ولا سيما الحيوانات، بفضل عقله. وفي التعاريف المنطقية، سواء اعتبرنا النطق من الأجزاء الذاتية أم العرضية، وسواء قلنا إن الحيوان الناطق حد تام أم حد ناقص، كما ذهب البعض، فإنه يبقى في المحصلة جزءاً مهماً يميز الإنسان عن سائر الكائنات؛ فلا كائن آخر يمتلك عقلاً بهذا المعنى. نعم، قد نُقر بمستوى من الشعور والوعي لجميع الكائنات، خاصة المادية منها؛ ولكن هذا النمط من الشعور وتلك القوة التي تمنح الإنسان مثل هذه القدرة، لا يُرى لها نظير في أي كائن آخر.
يقولون إن الله قد مَنَّ على الإنسان بنعمة خاصة، ووهبه معطى تكوينياً فريداً لا يشاركه فيه كائن آخر؛ وهذه الكرامة ذاتية، متأصلة في ذات الإنسان. وهي ثابتة للإنسان بما هو إنسان، ولا تقبل السلب، ولا التغيير، ولا الزوال. إذن، العقل أمر يمتلكه جميع البشر بما هم بشر، وهو منشأ لسلسلة من الاستعدادات والمعارف الأخرى. وبتعبير المرحوم الشهيد المطهري، تنبثق خمسة استعدادات كبرى من هذه القوة الإنسانية. وهذه الاستعدادات ترجع جميعها، بشكل أو بآخر، إلى العقل؛ وهي: الاستعداد العلمي وطلب الحقيقة، والاستعداد الأخلاقي أو الوجدان الأخلاقي، والاستعداد الديني وطلب القداسة، والاستعداد الفني والجمالي، واستعداد الإبداع والابتكار.
وقد نُسب للمرحوم العلامة الطباطبائي قوله بأن هذا الأمر يُعد كرامة ذاتية للإنسان؛ واستشهدوا بمواضع متعددة من كلامه. ومن ذلك مباحثه في ذيل آية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾؛ وسنفرد بحثاً مستقلاً حول هذه الآية لاحقاً. أما ما ذكره المرحوم العلامة في ذيلها فهو: «والتفضيل معنى إضافي، وهو تخصيصه بزيادة العطاء بالنسبة إلى غيره مع اشتراكهما في أصل العطية. والإنسان يختص من بين الموجودات الكونية بالعقل، ويزيد على غيره في جميع الصفات والأحوال التي توجد بينها والأعمال التي يأتي بها». فالعلامة يقرر أن الإنسان يختص، من بين جميع الكائنات، بشيء يُدعى العقل؛ وظاهر هذا الكلام هو أن العقل متحقق في الإنسان بالفعل. فليس البحث حول الاستعداد … يقولون إن هذا ليس استعداداً للمعرفة؛ بل هو قوة متأصلة فيه. وكون هذا الأمر كرامة، فهو في النهاية عطية إلهية وهبها الله للإنسان؛ فالإنسان إذن يمتلكه بما هو إنسان. ولكنه يسعه توظيف هذا العامل وهذه القوة لبلوغ كمالات أخرى، واستعدادات أعظم … ثم يضم المرحوم العلامة هذا الأمر إلى أمور أخرى سنذكرها لاحقاً. ففي آية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، يمكن ذكر عدة وجوه لبيان ماهية هذا “التكريم” أو “التفضيل”؛ والعقل أحدها؛ وثمة جهات أخرى في الآية سنشير إليها إن شاء الله.
السؤال: …
الأستاذ: في أصل العطية، يقول إن الإنسان يشترك في ذلك مع سائر الكائنات في مواضع أخرى؛ أما هنا فحظ الإنسان أوفر … يقول إن العقل شيء لا تملكه سائر الكائنات، ويختص به الإنسان وحده. إذن، فالإنسان يمتلك شيئاً يُدعى العقل.
ومن الطبيعي أن العقل، الذي يمتلكه الإنسان بما هو إنسان، يشكل له مزية ومكانة وشرفاً.
إذن، فإن أحد مباني الكرامة الذاتية، بحسب زعمهم، هو امتلاك الإنسان للعقل؛ فالعقل يُعد أحد الأمور التي تُتخذ مبنى للكرامة الذاتية. وهذا المطلب قد ورد في بعض الكتابات والمقالات. وقد أشار إليه محمد حسين فضل الله في كتابه “من وحي القرآن”، كما ذكره آخرون.
الإشكال يكمن في أن العقل في القرآن، ووفقاً لبعض الروايات، هو «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان»؛ فالعقل هو ما يُعبد به الله وتُنال به الجنة. وبتعبير آخر، العقل هو ما يتوافق مع الفطرة، ويتناغم مع القلب، ويسير في طريق الهداية. ولذا نجد في القرآن الكريم أن الله تعالى ينسب للكافرين في مواضع كثيرة عدم التعقل، كقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. أليس الكفار بشراً؟ فالإنسان بما هو إنسان يمتلك عقلاً، ولكن الله تعالى يصرح بشأن الكفار أنهم لا يعقلون. وسأورد مثالاً واحداً هنا.
الآية 28 من سورة الروم: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ فقد أوردت السورة دلائل على المبدأ والمعاد، ثم قررت أن هذه الدلائل موجهة لمن يمتلكون عقلاً ويتفكرون؛ أما أولئك الذين لا يعتبرون بهذه الدلائل ويشركون بالله، فهم يتبعون أهواءهم. وتأتي الآية 29 من السورة ذاتها لتقول: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾؛ وهنا يقرر العلامة تقدير الآية بقوله: «وهؤلاء المشركون لم يبنوا شركهم على التعقل، بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم». فيقول إنهم لم يؤسسوا شركهم على التعقل، بل اتبعوا أهواءهم. والقرآن حافل بالآيات التي تنفي التعقل عن الكفار، رغم كونهم بشراً؛ وهذا يبرهن على أن هذا العقل الذي تعدونه كرامة، والذي يمتلكه جميع البشر بما هم بشر، ويمنحهم مزية ورتبة وشرفاً، ليس ذاتياً بل قابل للسلب. فالله ينفي عنهم العقل بالكلية في بعض المواضع. أي إن العقل الذي لا يطابق الفطرة ليس بعقل من منظور القرآن. والعقل الملوث بالهوى والمتبع له ليس بعقل. وفي الرواية عن أمير المؤمنين (ع): «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَكَّبَ فِي الْمَلَائِكَةِ عَقْلًا بِلَا شَهْوَةٍ وَرَكَّبَ فِي الْبَهَائِمِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ وَرَكَّبَ فِي بَنِي آدَمَ كِلَيْهِمَا، فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ»؛ فالملائكة عقل بلا شهوة؛ والبهائم شهوة بلا عقل؛ أما الإنسان فمركب منهما؛ فمن غلب عقله شهوته صار خيراً من الملائكة؛ ومن غلبت شهوته عقله صار شراً من البهائم. وبناءً عليه، فالإنسان الحقيقي هو من يخضع شهوته لسيطرة عقله.
إذن، قد يُقال إن العقل ليس مبنى للكرامة الذاتية؛ والعقل في الإنسان ليس كرامة ذاتية. إن العقل الذي يُعد كرامة في الإنسان هو ذلك العقل الذي يميز الخير من الشر، ويقود الإنسان نحو الدين والديانة؛ ذلك العقل الذي يُطلق عليه في الروايات مصطلح “الحجة الباطنة”؛ ﴿حُجَّةٌ بَاطِنَةٌ وَحُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ﴾؛ تلك الحجة التي متى ما اقترنت بالحجة الظاهرة قادت الإنسان نحو السعادة. نعم، هذا يُعد كرامة؛ ولكنه ليس كرامة ذاتية، بل استعدادية. أي يجب أن يتجه عقل الإنسان نحو أن يصبح عقلاً فطرياً. فعقل الإنسان، شريطة ألا يأسره هوى النفس والتعلقات المادية والدنيوية، يُعد كرامة له؛ وإلا فلو ابتعد العقل عن هذه الأمور، ولم يكن هادياً، ولا مميزاً للخير من الشر، ولا مرشداً وموجهاً، فإنه ليس بعقل من منظور القرآن. وقد صرح العلامة الطباطبائي نفسه بذلك في مواضع عدة؛ أي إنه إن استُند إلى كلام العلامة، فإنه يمتلك هذا المطلب في مواضع أخرى. فمثلاً في تفسير الآيتين 28 و 29 من سورة الروم يقول: «أن المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الإدراك الذي يتم للإنسان مع سلامة فطرته»؛ فإذا انتفت تلك السلامة، لم يكن كذلك. ويصرح العلامة في موضع آخر بأن العقل هو في الواقع ذلك العنصر الذي يقود الإنسان نحو الأعمال الصالحة والحقائق، فإذا حاد عن هذا المسار، لم يُسمَّ عقلاً؛ حتى وإن كانت له فاعلية في تمييز منافع الدنيا ومضارها المحضة.
إذن، وبموجب القرآن والروايات، فإن العقل هو ما يرشد الإنسان إلى الصلاح والسعادة؛ يهديه ويدعوه إلى التوحيد، والكفار محرومون من هذا العقل، وما سواه ليس بعقل أساساً. والنتيجة هي أن العقل لا يُعد كرامة ذاتية للإنسان ليُتخذ مبنى لتشريع الحقوق والتكاليف. ولذا، يمكن القول إن العقل في مثل هذا الوضع ليس بالفعل، وليس ذاتياً، بل هو استعدادي. … ففي المحصلة، هل يُعد العقل كرامة ذاتية أم لا؟ هذا ما سنبينه في الدرس القادم.