الدرس السادس، المقام الأول
الدرس السادس
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – الأقوال – القول الثاني: نفي الكرامة الذاتية في الإنسان – تنقيح موضوع البحث
3 ربيع الآخر 1446 هـ
خلاصة الدرس السابق
ذكرنا أنه قبل كل شيء، ينبغي إيضاح معنى الكرامة الذاتية؛ أي يجب تحديد المعنى المراد بدقة من الكرامة الذاتية لدى كل فريق في مقام النفي والإثبات. وقد لاحظتم عدم وجود اتفاق على معنى الكرامة الذاتية؛ أي إن مرادهم ليس معنى واحداً. غير أنه يمكن القول إن هناك من يقر بالكرامة الذاتية ومن ينفيها؛ بمعنى أن للإنسان، بما هو إنسان، شرفاً ومكانة ومنزلة محفوظة في جميع الأحوال. وهذا أمر محل خلاف إجمالاً. وقد عرضنا بعض العبارات، وبقيت اثنتان أو ثلاث سأتلوها على مسامعكم.
القول الثاني: نفي الكرامة الذاتية في الإنسان
بقي لدينا عبارتان أو ثلاث لمن يظهر من كلامهم، على أقل تقدير، مخالفة الكرامة الذاتية بالمعنى الذي أقره فريق آخر.
2. آية الله مصباح اليزدي
يقول المرحوم الشيخ المصباح في إحدى عباراته: يقر القرآن للإنسان بكرامة ذاتية، ولكنه في الوقت عينه أنزل الأشرار من البشر إلى منزلة الحيوان. وبموجب هذه العبارة، فإن الكرامة والحرمة الذاتية مرهونة ببقاء خصلة الإنسانية والشرف الإنساني.
ويذكر في موضع آخر من ذات الكتاب: إن الكرامة الممنوحة للإنسان ليست كرامة تبعث على الفخر لكل البشر؛ فالشرف الذي يوجب الفخر مرهون بأعمال الإنسان وسلوكه الاختياري، وبكيفية توظيفه لنعم الله في سبيل بلوغ الكمال الإنساني. وهناك فريق يبتعدون عن كرامتهم، وكالحية التي تنسلخ من جلدها، ينسلخ هؤلاء أيضاً من قشرة كرامتهم؛ فيخرجون من عبودية الله ليصبحوا عبيداً للشيطان.
ويشير المرحوم الشيخ المصباح في موضع آخر إلى تقسيم الكرامة إلى ذاتية واقتضائية واستعدادية، قائلاً: إن الكرامة الناظرة إلى القيمة الفعلية للإنسان ليست ثابتة له منذ البداية؛ وكأن ما يُستفاد من آية الكرامة لا يعدو كونه قابلية واستعداداً للكرامة. فإذا لم ترتقِ الإنسانية من القوة إلى الفعلية في قوس الصعود، وظهرت قواه الحيوانية وبلغت الفعلية، فلا مسوغ أساساً للقيمة والكرامة؛ فالكافر والملحد والمجرم لا كرامة لهم.
3. آية الله الجوادي الآملي
يقول آية الله الجوادي الآملي: لا معنى للكرامة الإنسانية في القرآن إلا في رحاب الدين؛ ورحاب الدين يتمثل في كون الإنسان عارفاً بالدين، ومؤمناً به، وملتزماً به؛ أي أن تكون معرفته، وتوجهه، وسلوكه دينياً. فإذا كان المرء متبعاً لهواه، ولم يكن الله محور حياته، فهو ليس بخليفة الله؛ وإذا انتفت عنه الخلافة، فلن تشمله آية التكريم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا﴾.
وفي مبحث الخلافة الإلهية، التي تُعد أحد مقومات كرامة الإنسان أو ميزته وشرفه، يقرر أنه يمكن تصور الخلافة الإلهية على ثلاثة أوجه: الخلافة الشخصية، والخلافة النوعية، والخلافة الجمعية. ثم يردف قائلاً: إن الخلافة الإلهية المطروحة هي الخلافة النوعية لا الشخصية ولا الجمعية. وهذا ما يقررونه أيضاً في مسألة كون الإنسان مسجوداً للملائكة، فهل كان المسجود له حين الخلقة شخص آدم أم نوع الإنسان أم جميع البشر؟ وثمة فارق بين النوع والجميع.
تنقيح موضوع البحث
أما عن المكونات التي تتخذ مبنى للكرامة الذاتية، فسنبحثها لاحقاً؛ إذ أرى أن ثمة فراغاً جاداً في هذا البحث، حيث لا يُلحظ اتفاق على معنى الكرامة الذاتية؛ وكما لاحظتم في عبارات الشيخ المصباح، فإنه يتحدث في موضع وكأن للإنسان كرامة ذاتية، غير أنها مقيدة بعدم حصول أمور معينة؛ أي إن هذه الكرامة الذاتية قائمة إلى حد ما، ولكنها تنتفي بعد ذلك. وهذا البيان يطابق ما ذكره المرحوم الشيخ محمد تقي الجعفري؛ وقد تلوت عبارته في الدرس الماضي ولاحظتم قوله: لا يمتلك الإنسان كرامة ذاتية في جميع الظروف والمواقف؛ ولذا، فإذا انبرى الإنسان لاتباع الهوى والاستبداد، فليس فقط لا يمتلك كرامة ذاتية، بل يجب مجازاته ومؤاخذته لإيذائه الآخرين. وصحيح أن هذا الكلام يحتمل وجهين ويمكن توجيهه، إلا أنه في كلمات الشيخ المطهري (وإن كان كلام الشيخ المطهري أظهر في الإقرار بالكرامة الذاتية، خلافاً لكلمات المرحوم الشيخ المصباح والشيخ الجعفري)، يُقال إن ما يمتلكه الإنسان هو كرامة استعدادية واقتضائية؛ أي قد توفر للإنسان استعداد لبلوغ مراتب معينة. غير أن هؤلاء لا يقرون قطعاً بالكرامة الذاتية بمعنى أن الإنسان، بما هو إنسان، يمتلك خصائص ومنزلة لا تزول وتنتفي بأي عنوان كان.
وعليه، فبعض من يقرون بالكرامة الذاتية يقصدون بها خصائص كعدم الزوال، وعدم التغير، وعدم خضوع سلبها للإرادة والاختيار. فمن منظورهم، توجد خصائص ومزايا ثابتة للإنسان بما هو إنسان، يعبرون عنها بالكرامة الذاتية. وهؤلاء أنفسهم حينما يرومون الاستدلال على وجود الكرامة الذاتية، يستندون إلى أمور ينبغي علينا تقييمها لمعرفة مدى صلاحيتها للاستدلال. فهل يسعنا حقاً القول إن الإنسان، وإن كان ملحداً أو كافراً، هو مسجود الملائكة وخليفة الله؟ هل يسعنا القول إنه يمتلك مثل هذا الشرف؟ أم يجب التفصيل بين هذه المباني والعناصر؟ إذن، يعتقد البعض أن الكرامة الذاتية غير قابلة للسلب والتغير والزوال بأي وجه، وهي ثابتة للإنسان بما هو إنسان. ويرى آخرون، كما يُستفاد من بعض العبارات، عدم وجود كرامة ذاتية في الإنسان. ويقول فريق ثالث إن للإنسان كرامة ذاتية، غير أنها قابلة للزوال والتغير والسلب. وهذا يبرهن على عدم وجود اتفاق على دلالة لفظ الذاتي والمراد منه؛ فأحدهم يقول إن المراد بالذاتي هنا هو الذاتي في باب البرهان، لا الذاتي في باب إيساغوجي أو الكليات الخمس.
السؤال: …
الأستاذ: كلماته ليست على نسق واحد؛ ففي موضع يُفهم منها هذا المعنى، أي إن هذه الخصيصة تلازم الإنسان ولكنه قد يسلبها عن نفسه أحياناً؛ وبناءً على هذا المعنى، تكون هذه الكرامة الذاتية قابلة للسلب والتغير؛ وهذا لا ينسجم مع معنى الذاتي في باب البرهان ولا في باب إيساغوجي، لكونها تقبل السلب والتغير؛ غير أنه بموجب بيان وعبارة أخرى له، فإن الذاتي هنا يعني ما يُعد قوة واستعداداً. فتارة يقول إن الكرامة اقتضائية؛ أي استعداد الكرامة وقوتها في الإنسان، وتارة يرى الكرامة الذاتية بمعنى الكرامة الفعلية في الإنسان. فالتعابير مختلفة. وتلاحظون أن هذا النفي والإثبات المتعلق بالكرامة الذاتية لا يستند إلى تصور موحد. ولا نروم حالياً بيان من هو المصيب، بل نريد تحرير موضوع النزاع والبحث، ليتسنى لنا حين استعراض الأدلة، معرفة ما نتوقعه منها وما نرمي لاستخراجه.
إن مرادنا من الكرامة الذاتية هو ذات ما بيّناه؛ أي الشرف والمكانة والمنزلة الثابتة للإنسان بما هو إنسان. وهي كرامة لا تتبدل بتغير اللون والجنس والمذهب والعقيدة؛ كرامة غير قابلة للسلب عن الإنسان. وحول هذه الكرامة نريد أن نبحث؛ وهذا في غاية الأهمية؛ فنريد أن نرى ما إذا كان مثل هذا الشرف والمنزلة والمكانة ثابتاً للإنسان استناداً لآيات القرآن أو الروايات أم لا؟ يقول المرحوم العلامة الجعفري إن للإنسان كرامة ذاتية، غير أنها لا تستمر في جميع المواقف والظروف؛ أي قد يفقدها. وبموجب هذا البيان، فهذه الكرامة قابلة للتغير والسلب؛ أي إن هذا الشرف يُسلب منه. ولذا، فمن الجلي أن الكرامة والشرف الذاتي لديه يحمل معنى آخر، ويختلف عن رأي من يرى عدم إمكان سلب الشرف والكرامة الذاتية عن الإنسان. وقد يتفقون في بعض الجهات، ولكنهم قطعاً يختلفون في جهات أخرى. ولتقريب المعنى، أضرب مثالاً؛ إن أحد العناصر التي يمكن أن تسبغ على الإنسان شرفاً، وتُعد عناية وتكريماً إلهياً، هو وجود العقل في الإنسان. فمن المؤكد أن الإنسان يتميز به عن غيره. ولكن هل يتغير هذا العنصر بتغير العقيدة واللون والمذهب والجنس؟ وهل يقبل السلب؟ ولا نقصد السلب بسبب الحوادث والعوارض الطبيعية والثانوية؛ فهذه ميزة قائمة وموجودة. ولا أظن أن حتى منكري الكرامة الذاتية ينكرون هذا الأمر؛ … وجود العقل، وجود الاختيار، وجود الإرادة… وسأعرض قائمة بهذه العناصر التي تميز الإنسان ويمكن أن تكون منشأ للكرامة الذاتية. ولا أظن أن أحداً ينكر أن الإنسان يمتلك شيئاً يُدعى الاختيار يتجاوز الغريزة؛ وأن للإنسان شيئاً يُدعى الفطرة؛ فلا أحد ينكر ذلك. …
السؤال: …
الأستاذ: إن هذا الاختيار في النهاية، وإن أسيء استخدامه، يُعد مزية. فهل كون الإنسان مخلوقاً مختاراً يوجب له مزية ذاتية تفضله على سائر الكائنات أم لا؟ … فهذا ذو قيمة في ذاته … ويمكن أن يكون رصيداً لاكتساب سلسلة من الفضائل. إنه رصيد يمكن أن يراكم أرصدة جديدة؛ وكل ما تذكرونه يُعد أرصدة جديدة؛ وهذا أداة. والسؤال هو: هل يُعد الانتفاع بهذه الأداة في حد ذاته مزية ومكانة وشرفاً للإنسان أم لا؟ … لا أظن أحداً ينكر ذلك. …
في المحصلة، ثمة أمور في الإنسان توجب كرامته الذاتية، وهي متحققة بالفعل وجميع البشر يمتلكونها. غير أن بعض الموارد قد ذُكرت ككرامة ذاتية، ككون الإنسان مسجوداً للملائكة، ومحلاً لنفخ الروح الإلهية، وخليفة لله. وقد يتخذ البعض هذه الأمور شواهد ودلائل على الكرامة الذاتية للإنسان، ولكننا لا نرى ذلك. فنحن حينما نقول الكرامة الذاتية، نعني الكرامة الثابتة للإنسان بغض النظر عن جميع العناصر المميزة بين البشر، كاللون والجنس والمذهب والعقيدة والعرق؛ أي لا فرق في هذه الأمور بين المسلم والكافر، وبين الآسيوي والأفريقي، وبين المرأة والرجل، وبين الزرادشتي والبوذي، وبين الإمام وولي الله. نعم، شتان بين عقل الإمام وعقلي وعقلك! أو من حيث أصل الاختيار والإرادة؛ غير أنه يمكن ملاحظة هذه التفاوتات في بعض الموارد. وربما يتساءل البعض عن سبب كل هذا الإيضاح؛ لو لم أوضح هذا الأمر، لوقعتم في ذات الأخطاء التي وقع فيها الكثيرون.. هناك من ينفي الكرامة الذاتية الآن؛ وسنبحث لاحقاً فيما إذا كان هذا منشأ لآثار وحقوق وتكاليف. ولكن بالنسبة لأصل الكرامة الذاتية؛ فقد لاحظتم أن العبارات ومواضع التأييد والإثبات ليست في نطاق ومجال واحد. … وموضوع بحثنا هو إثبات وجود الكرامة الذاتية للإنسان من عدمه. وتلك المنزلة والمكانة والشرف والرتبة الثابتة للإنسان بغض النظر عن كافة العوارض الداخلية والخارجية، الجسدية والروحية، الذهنية والعينية. وهي غير قابلة للتغيير ولا للسلب؛ ولا يمكن لأحد أن يسلبها عن نفسه. فنريد أن نرى ما إذا كانت هذه الكرامة ثابتة أم لا. فلتضعوا هذا في اعتباركم دائماً؛ فحينما نتجه لآيات القرآن، يجب أن نرى ما إذا كانت تُستفاد منها هذه الكرامة أم لا. فلو طالعتم الكتب والكتابات الآن، لوجدتم أحياناً قائمة بالآيات، يُقال إنها تضمنت الإشارة لـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ والخلقة الإلهية، وصولاً للعقل والإرادة والاختيار. فمثلاً استدلوا بآية ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أو بآية ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أو ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أو ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، الدالة على تسلط الإنسان على السماء والأرض؛ أو آية عرض الأمانة؛ فذكروا كل هذه الأمور؛ بدءاً من كونه مسجوداً للملائكة، والخلافة الإلهية، و﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾، وصولاً لتسليط الإنسان على السماء والأرض؛ وامتلاكه قدرة تمييز الخير والشر. ونحن نرى ضرورة التفصيل بين هذه الأمور؛ وقد اتضح موضوع بحثنا؛ فنريد أن نرى ما إذا كانت هذه الآيات تثبت هذا الأمر أم لا. إذن، نريد دراسة أدلة ومباني الكرامة الذاتية من هذه الزاوية؛ لنرى ما إذا كان هذا الأمر يُستفاد من الآيات والروايات أم لا. ولا ريب في أن هذه الأمور تُعد مزية وتوجب شرف الإنسان، وأن كل إنسان يمتلكها سيحظى بمكانة خاصة؛ وهذه المزية غير قابلة للسلب والزوال والتغير. غير أنه يتعين علينا مراجعة الآيات والأدلة والمباني.
السؤال: …
الأستاذ: يقولون إن للإنسان بما هو إنسان حقوقاً طبيعية، كحق الحياة، وحق تناول الطعام؛ وهذه الحقوق الطبيعية تنبثق من تلك الكرامات الذاتية؛ وهذا يرتبط بالمقام الثاني من بحثنا. … ولذلك يقول هؤلاء إنه حتى لو كان الشخص مجرماً، فلا يحق لكم حرمانه من هذه الحقوق. فأمير المؤمنين (ع) أمر بإطعام ابن ملجم وسقيه؛ مراعاةً لحقوقه الإنسانية. … وهذه شبهات يجب علينا الإجابة عنها لاحقاً. فالعقوبات والمؤاخذات… إذا كان الإنسان يمتلك كرامة ذاتية، فما هو مبرر كل هذه العقوبات القاسية والحروب؟ وقد أجابوا عن كل هذه التساؤلات؛ فقالوا إن العقوبات والمجازاة هي نتيجة لبعض السلوكيات التي اقترفها المرء، ولكن حتى في هذا الموقف، فإن الكرامة الذاتية ذاتها تُحكّم قواعد على العقوبة. نعم، يجب تطبيق العقوبة ولا أحد يرى إعفاء المجرم من العقاب، ولكن في مقام العقوبة، يجب مراعاة سلسلة من الأصول صوناً لتلك الكرامات. ولا يُقال البتة بتسوية الأخيار والمجرمين والجناة في كل شيء.