الدرس الثامن، المقام الأول
الدرس الثامن
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 1. العقل – دراسة العقل في القرآن – معنيان للعقل
11 ربيع الآخر 1446 هـ
خلاصة الدرس السابق
تطرقنا في الدرس المنصرم إلى العامل الأول الذي يمكن أن يُتخذ مبنى للكرامة الذاتية؛ وقلنا إن العقل قد طُرح بوصفه أحد مباني الكرامة الذاتية للإنسان، وإن كان قد يَرِد عليه إشكال ما؛ وقد ذكرنا ذلك الإشكال.
دراسة العقل
إذا أردنا دراسة هذا العامل وبيان مقتضى التحقيق فيه، يتعين علينا تبيين المعاني التي استُعمل فيها العقل؛ ثم ننظر في دلالته في القرآن. وحينها نرى أي المعنيين يسعه أن يُعد ذاتياً للإنسان.
العقل في القرآن
بدايةً، سنعقد بحثاً موجزاً حول معنى لفظ “العقل” وما يرادفه من ألفاظ وردت في القرآن.
1. العقل
ثمة ألفاظ عدة في القرآن تحكي عن هذه القوة؛ أولها “العقل”. وقد تكرر لفظ “العقل” في القرآن كثيراً، في مناسبات شتى وبمشتقات متنوعة. ولن أضرب أمثلة لكثرتها ولعدم رغبتنا في الدخول في تفاصيلها.
2. النُّهى
والثاني هو لفظ “النُّهى”، كقوله تعالى في الآية 54 من سورة طه: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى﴾؛ وهو جمع، وقد استُعمل للتعبير عن القوة المدركة. وقد ورد في زيارة أمير المؤمنين (ع) أيضاً: «وَمَلْجَأَ ذَوِي النُّهَى»، أي ملاذ أهل الحِجا وأصحاب العقل والنهى. وجاء في بعض الروايات في ذيل هذه الآية: «نَحْنُ وَاللَّهِ أُولُو النُّهَى»، أي نحن أصحاب العقل والنهى، وبمعنى من المعاني نحن أرفع مراتب العقل والنهى.
3. الأحلام
وقد استُعمل لفظان آخران أيضاً؛ أحدهما لفظ “الأحلام”. فقد جاء في الآية 32 من سورة الطور: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
4. الحِجْر
وورد في الآية 5 من سورة الفجر أيضاً: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾. إن استقصاء استعمال هذين اللفظين، وبيان وجه إطلاق هذه الألفاظ، ليس محله هنا بطبيعة الحال؛ ولكن في المحصلة، فقد أُطلقت هذه الألفاظ والكلمات على هذه القوة التي وظيفتها الإدراك والمعرفة والوعي.
5. اللُّبّ
ولفظ “اللُّبّ” أكثر استعمالاً من الألفاظ الثلاثة الأخرى؛ أي إن أكثر الاستعمالات تعود للفظي “العقل” و”اللُّبّ”. فمصطلح “أولو الألباب” تكرر كثيراً في القرآن؛ كما في الآية 179 من سورة البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أو الآية 269 من سورة البقرة: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فلفظ “اللُّبّ” قد استُعمل للتعبير عن هذه القوة أيضاً.
وحدة دلالة العقل واللُّبّ وعدمها
بيد أن ثمة بحثاً حول ما إذا كان العقل واللُّبّ يدلان على معنى واحد أم إن لكل منهما دلالته الخاصة:
-
يرى البعض أن العقل واللُّبّ بمعنى واحد؛ لكون كليهما بمثابة المخ واللباب. فالعقل والمخ بالنسبة لجسد الإنسان هما بمثابة النواة. فإذا خلت الثمرة من النواة، قيل إنها جوفاء؛ وكذا الإنسان، إذا خلا من العقل، فهو لا شيء، أجوف وفارغ. وعلى أية حال، فقد استُعمل كلاهما في القرآن؛ وللمرحوم العلامة عبارة يقول فيها: «اللب هو العقل لأنه في الإنسان بمنزلة اللب من القشر، وعلى هذا المعنى استعمل في القرآن، وكان لفظ العقل بمعناه المعروف اليوم من الأسماء المستحدثة بالغلبة ولذلك لم يستعمل في القرآن وإنما استعمل منه الأفعال مثل يعقلون». تنطوي هذه العبارة على نكتة؛ فيقول إن كلمة “العقل” بهذا المعنى قد استُعملت في القرآن؛ وهو ذات المعنى الذي يفهمه الجميع. أما هذا المعنى المفهوم منه اليوم، فلم يُستعمل في القرآن، بل استُعملت مشتقاته مثل “يعقلون” وما شابهها. وفي المحصلة، وبناءً على أحد الآراء، فإن اللُّبّ والعقل بمعنى واحد.
-
ويرى آخرون أنهما يدلان على معنيين مختلفين. فالعقل يُقصد به مطلق العقل؛ واللُّبّ، كما يقول الراغب الأصفهاني، هو «العقل الخالص من الشوائب»، أي العقل المجرد من الأوهام والأهواء. وقد أورد شاهداً لكل منهما؛ ثم يقول: «كل لبّ عقل وليس كل عقل لباً». ولذا، توجد نسبة العموم والخصوص المطلق بينهما من الناحية المفهومية. ثم يستشهد بالآية 269 من سورة البقرة: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فيقول إن اللُّبّ قد استُعمل هنا؛ لأن هذا العقل هو عقل يتضمن الحكمة؛ أي “الخالص من الشوائب”.
معنيان للعقل
وعلى أية حال، فقد استُعملت هذه الألفاظ الخمسة في القرآن للتعبير عن العقل، وهناك اختلاف في الرأي حول التطابق المعنوي لهذين اللفظين من عدمه. وبغض النظر عما إذا كان اللفظان يدلان على معنى واحد أم لا، فمن المسلّم أن لفظ “العقل” ذاته قد استُعمل في القرآن والروايات بمعنيين، وربما يمكن ذكر هذين المعنيين والاصطلاحين للعقل أيضاً بين أرباب العلوم وأصحاب الفنون في المنطق والفلسفة والعرفان. أحدهما العقل بمعنى القوة المدركة، والآخر العقل بمعنى القوة المدركة الخالصة من الهوى، والهوس، والشائبة؛ ذلك العقل الذي يطابق الفطرة ويقود الإنسان في مسار الهداية.
ومن الجلي أن العقل بالمعنى الأول متوافر في جميع البشر؛ أي إن الإنسان بما هو إنسان يمتلك قوة تدرك، وتميز، وتستكشف بواسطتها المجهولات من خلال المعلومات؛ وهو ما يُطلق عليه التفكير؛ وهذا التفكير يتم بواسطة قوة تُدعى العقل. والجميع يمتلكونها، وإن كانت درجة قوتها قد تتفاوت باختلاف الظروف. فقد يحظى أحدهم بقدر أوفر منها، وآخر بقدر أقل؛ ولكنها مَلَكَة يشترك فيها الجميع ولا ريب في ذلك. أما المعنى الآخر، أي القوة العاقلة والمدركة الخالصة من الشوائب وغير الخاضعة لتأثير الهوى والهوس، فهو يُعد في الواقع كمال العقل. وهو أمر لا يمتلك الفعلية، بل استعداده كامن في الإنسان.
بمعنى من المعاني، للعقل فعلية في وجود الإنسان؛ فالعقل بمعنى القوة المدركة وتلك الطاقة التي يُحصل بها المعرفة والوعي بكل شيء في هذه الدنيا؛ ويميز بها الخير من الشر. وبطبيعة الحال، كلما كانت هذه الشوائب أقوى، تعاظمت احتمالية التباس الخير بالشر فيها. وهذا متحقق بالفعل في الإنسان؛ أما تلك القوة المنزهة عن الشوائب والأهواء والنزوات، فهي ما يُعبّر عنه أحياناً بـ “كمال العقل”، وهي ملكة تُحصّل للمرء بمرور الزمن. أي إنها تفتقر للفعلية؛ واستعداد العقل بهذا المعنى مودع في الإنسان. فحينما يولد الطفل، تكون قوته العاقلة معطلة بطبيعة الحال، لكون ارتباطه يقتصر في الغالب على المحسوسات؛ وكلما تعاظم ارتباطه وأنسه بعالم المادة والمحسوسات، أحاطت به هذه الشوائب أكثر؛ وكلما تقدم، غرق هذا العقل في هذه الشوائب؛ نعم، إن تلك القوة المعرفية والوعي قائمة ومتحققة بالفعل؛ ولكن هذا العقل الذي ألف عالم المادة منذ البدء ووقع تحت تأثير هذه الشوائب، إذا ما ارتقى وتكامل وتجرد من هذه الشوائب، أو حافظ في أقل تقدير على أصالته، فإنه يغدو العقل الأكمل الذي ينير له الدرب، والهادي المرشد نحو السعادة. وهذا هو الاستعداد.
وبالطبع، ليس المراد أن لدينا عقلين، بل هما حيثيتان؛ فالعقل من جهة يمتلك الفعلية، ومن جهة أخرى هو قوة واستعداد لم يبلغ الفعلية بعد؛ وكلاهما موجود في الإنسان، أحدهما بالفعل والآخر بالقوة والاستعداد. ولتثبيت هذا المعنى، سأنقل عبارة للمرحوم العلامة. غير أن ما بيّنته أنا يختلف بعض الشيء عن بيان المرحوم العلامة هنا، فأرجو الانتباه لذلك.
في ذيل الآية ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، يقرر المرحوم العلامة أن للعقل معنيين؛ دققوا في العبارة: «ويطلق العقل على تمييز الخير من الشر والنافع من الضار، وربما يراد به ما هو الغاية منه وهو الالتزام بمقتضاه من طلب الخير والنفع واجتناب الشر والضر»؛ فالعقل يُطلق تارة على قوة تمييز الحسن من القبيح والنافع من الضار، ومعرفة ما ينفع وما يضر. وتارة أخرى يُطلق ويُراد به “ما هو الغاية منه”؛ وما المراد بالغاية؟ الالتزام بمقتضاه. فمتى ما عرف الخير والشر، وجب عليه سلوك طريق الخير واجتناب طريق الشر. أن ينشد الخير وينأى بنفسه عن الشر والضرر. ثم يضيف: إن المراد في هذه الآية هو المعنى الثاني؛ فقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، أي لو كنا نمتلك عقلاً لما كنا الآن في زمرة أهل النار، بمعنى: لو كنا نمتلك ذلك العقل الخالص من الشوائب، ولم نقع أسرى هوى النفس، وعملنا بمقتضى إدراك الخير والشر والتزمنا به، وكان عقلنا هادياً لنا نحو هذا المسار، لما كنا هنا الآن.
السؤال: …
الأستاذ: أحد معاني العقل هو: القوة التي تُحصّل بها المعرفة والوعي. والمعنى الآخر للعقل هو: العقل الذي يهدي الإنسان ويوجهه نحو الخير. فكثير من الكفار كانوا يميزون الخير من الشر والحسن من القبيح، ولكن لأسباب خاصة، لم يسلكوا ذلك المسار؛ فقد امتلكوا عقل إدراك ومعرفة الخير والشر، ولكن لوقوعهم تحت تأثير هوى النفس، حادوا عن مسار الهداية. وحينما يقول الله تعالى: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾، فهو يشير إلى الكفار الذين امتلكوا هذه القوة ولكنهم لم يوظفوها في مسار الهداية والخير. لقد تفكروا، ولكن هذا التفكير لم يكن هادياً … “ما هو الغاية منه” يعني في الواقع أن أميز الخير من الشر ويهديني ذلك؛ وهذه الهداية بالذات والابتعاد عن الأهواء والنزوات والشوائب، هي النجاة بعينها. ولذا يقول للكفار: لم تكونوا تعقلون. … بل يريد أن يقول: ﴿نَسْمَعُ﴾ … فقد كانوا يسمعون جيداً؛ ولكنهم كانوا يعرضون، ويجحدون، يسمعون ولا يكترثون.
ومفاد كلامنا هو أن للعقل معنيين، وقد استُعمل بكليهما في القرآن والروايات؛ أحدهما ذاتي للإنسان؛ والآخر ليس كذلك، بل هو كمال يسع الإنسان بلوغه. العقل بالمعنى الأول والعام، أي ذات قوة المعرفة والوعي التي بيّنتها في الدرس المنصرم، ثابت للإنسان بما هو إنسان؛ لا فرق في ذلك بين كافر ومسلم. فيسعه الانتفاع بهذه القوة؛ وهي منشأ لاستعداداته الأخرى. وبالاستعانة بهذه القوة، يسع الإنسان كشف المجهولات؛ إنها قوة يختص بها الإنسان؛ ولا يشاركه أي كائن في هذا الوجود في هذه المزية.
السؤال: …
الأستاذ: لقد ضربت أمثلة لذلك في بعض المواضع التي يأمر فيها بالتعقل والتدبر، … ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تُحمل على المعنى الثاني؛ ولكنها استُعملت في بعض المواضع بهذا المعنى. وقد أشرت إلى استعمالها في ذلك المعنى في بعض الآيات؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العقل هنا بالمعنى الثاني … ولكن غالب استعمالاته جاءت في المعنى الثاني. … الآية 75 من سورة البقرة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فما معنى قوله: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾؟ هي بهذا المعنى. ورغم ذلك، فقد افتقروا إلى ذلك المعنى الثاني. وآية: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أو الآية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، فقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هو بالمعنى الثاني؛ ولكن آية: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ هي بالمعنى الأول. إذن، لا ريب في وجود كلا المعنيين في القرآن.
وخلاصة القول هي أن العقل بالمعنى الأول ثابت للإنسان بما هو إنسان؛ ويسعنا عده كرامة ذاتية. فبامتلاك الإنسان لهذه القوة، امتاز عن سائر الكائنات؛ ونال شرفاً، وحظي بمزية، وهذا ثابت للإنسان وملازم له حتى النهاية. أما العقل بالمعنى الثاني، فاستعداده كامن في الإنسان؛ لكونه يُعد كمالاً، وكلما ازداد كمالاً، ارتقت فيه مدارك الحقائق والمعارف.
وقولي إن هذه القوة قائمة في الإنسان، يعني أن كل إنسان ينتفع بها؛ فالجميع يمتلكونها، كافراً كان أم مسلماً؛ وهي ملازمة للإنسان حتى النهاية، ولولا هذه القوة التي يثبت بتبعها الإرادة والاختيار، وهو ما سنبحثه مستقلاً، لانتفى أساساً معنى الدعوة إلى التدبر والتفكر والإنابة للإنسان حتى الرمق الأخير. فالله يأمر نبيّه موسى بدعوة فرعون؛ وهو يمتلك قوة المعرفة وتمييز الخير من الشر، بيد أنه يروم بلوغ هذه القوة إلى مرتبة تتجرد فيها من تلك الشوائب لتتمكن من سوقه نحو الهداية والسعادة. وإن الأمل في نجاة الأفراد وتحولهم حتى آخر لحظات عمرهم، لا ينبع إلا من هذه القوة بالذات. ولاحظوا أن ثمة بحثاً حول اللعن، وهل يجوز لعن أي شخص أم لا؟ فينقل الإمام (ره) عن أستاذه المرحوم الشيخ الشاه آبادي قول شيخهم: لا ينبغي للإنسان أن يلعن حتى الكافر الميت، فلعل هذا الكافر الذي مات، قد فارق الدنيا على الإيمان. … والعمدة هنا هي أنه لولا وجود هذه القوة في الإنسان، والتي توفر له هذه الإمكانية على أي حال، لانتفى الأمل في إصلاح البشر وتحولهم حتى آخر لحظات حياتهم.
إذن، فالعقل موجود في الإنسان؛ وهو ثابت للإنسان بما هو إنسان؛ وهذا يشكل مزية في الإنسان لا توجد في سواه. …
السؤال: …
الأستاذ: قلنا يعني المرتبة، والمكانة، والمنزلة، والشرف … فنفس الانتفاع بهذه القوة يُعد ضرباً من الشرف. أما مسألة الشيطان، وهل كان من الجن أم … فنحن لا نبحث شأنهم الآن؛ بل نبحث شأن الإنسان، وهل يُعد وجود هذه القوة وهذا المعطى التكويني في حد ذاته مزية ومكرمة للإنسان؟ إن هذا الامتياز هو عين الكرامة. …. فمتى ما أثبتنا هذا الأمر، وقلنا إن الإنسان يمتلك مثل هذا، نقول حينئذ إن الإكراه لا يتوافق معه … فلماذا وهبه الله قوة التمييز؟ لو شاء لخلق الجميع ملائكة. فنقول إن هذا لا ينسجم مع القوة، والجبر، والإكراه. وهي آية قرآنية، فلو شئنا لخلقنا العالم أجمع مؤمنين … أما العقوبة فبحث آخر؛ فأصل هذا الامتياز وأصل هذا المعطى التكويني يُعد مزية في الإنسان، وهو فعلي أيضاً. أما الإشكال الذي أثاره هؤلاء السادة وقالوا فيه إن العقل ليس بمزية، بل ينبغي أن يكون العقل على شاكلة معينة ليُعد مزية، فنحن نجيبهم: نعم، نحن نمتلك كلا الأمرين؛ فذاك استعدادي وهذا ذاتي؛ وذاك ينبغي أن يتحقق لتترتب عليه آثاره ونتائجه. ومن الطبيعي أن العقل بذلك المعنى ليس فعلياً في الإنسان، ولكن هذا المعنى من العقل في الإنسان هو ذاتي وفعلي. والآن تقولون إنه قد ينشأ إشكال آخر، وهو أن الله تبارك وتعالى نفسه قد قال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، فالله نفسه يعتبر من يوظف هذا العقل وهذه القوة في سبيل الباطل والشيطان، أحط من الأنعام. وقد ورد في تلك الرواية أيضاً: «وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ». فأي عقل يقصد؟ يريد أن يقول إن من لم يكمل عقله، وبدلاً من توظيفه في ذلك المسار، سخره في مسار الشر والرذيلة، فإن شأنه سينحط ليغدو أسوأ من الحيوان. وهنا يطرح التساؤل نفسه: هل يسعنا القول بشأن هذا الإنسان الذي يمتلك هذه القوة أيضاً، إن هذا الشرف ذاتي وغير قابل للسلب بأي وجه من الوجوه أم لا؟ وهذا مطلب سنتطرق إليه لاحقاً.