The news is by your side.

الدرس الثاني، المسألة الرابعة، المقام الأول

الدرس الثاني
المسألة الرابعة – المقام الأول: دراسة اشتراط عدم المفسدة – أدلة الاشتراط – الدليل الأول: الإجماع ودراسته – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى ودراستها – الرواية الثانية

22 ربيع الأول 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة: دار البحث في المسألة الرابعة حول موضوعين؛ وهما اعتبار عدم المفسدة واعتبار المصلحة في تزويج الأب والجد؛ بمعنى هل أن ولاية الأب والجد في أمر النكاح مشروطة بعدم المفسدة للمولى عليه أم لا؟ وفي المرتبة اللاحقة، هل أن هذه الولاية مشروطة بوجود المصلحة للمولى عليه أم لا؟ وهذان هما المقامان اللذان نبحث فيهما.

المقام الأول: دراسة اشتراط عدم المفسدة

في المقام الأول، يدور الكلام حول ما لو أوقع الأب عقد النكاح لابنته، وكان هذا العمل مشتملاً على مفسدة، فهل يقع هذا العقد صحيحاً أم لا؟ وبعبارة أخرى، هل أن صحة عقده ونفوذه مشروطة بأن لا تترتب عليه مفسدة للبنت؟ وتتحقق المفسدة في أن يزوجها من مجنون مثلاً، أو ممن ابتلي بمرض غير متعارف؛ فهذا العقد ذو مفسدة لهذه البنت. فلو أوقع عقداً كهذا، فهل يكون نافذاً أم لا؟ إذن، يقع البحث في اشتراط عدم المفسدة في صحة عقد الولي ونفوذه. وقد ذهب الإمام (قدس سره) إلى القول بأن: عدم المفسدة شرط في صحة العقد ونفوذه. وأفتى المشهور بذلك أيضاً؛ بل يعد هذا الأمر اتفاقياً.

أدلة اشتراط عدم المفسدة

ذُكرت في هذا المقام عدة أدلة، وسنقوم ببحثها ودراستها لنرى ما إذا كانت صالحة لإثبات المقصود أم لا.

الدليل الأول: الإجماع

الدليل الأول هو الإجماع؛ حيث ادعى البعض الإجماع في المسألة. فمثلاً يقول المحقق النراقي: «الظاهر وجوب مراعاة الولي عدم المفسدة في النكاح لظاهر الإجماع». كما ادعى صاحب مفتاح الكرامة الإجماع أيضاً؛ في حين لم يدعِ الشهيد الثاني في المسالك الإجماع بل ادعى الاتفاق. وادعى البعض نفي الخلاف؛ وهناك فرق بين نفي الخلاف والاتفاق والإجماع. وقد قال المرحوم السيد الخوئي: «اتفاقاً بل لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد».
إذن، في الواقع توجد هنا ثلاثة أنحاء من التعبير؛ فالبعض كصاحب مفتاح الكرامة والمحقق النراقي ادعوا الإجماع؛ والبعض كالشهيد الثاني ادعوا الاتفاق؛ وادعى آخرون نفي الخلاف. ورتبة نفي الخلاف أعلى من رتبة الاتفاق؛ ومن الطبيعي أن الاتفاق ونفي الخلاف لا يمكن عدهما دليلاً، بل غايتهما أن يكونا مؤيدين للمدعى. وما يمكن أن ينهض كدليل هو الإجماع. وقد ادعي الإجماع هنا؛ وعلينا أن نرى هل يمكن لهذا الدليل إثبات اشتراط عدم المفسدة أم لا.

دراسة الدليل الأول

هذا الإجماع منقول، ولذا لا اعتبار به ولا يمكن الركون إليه. كما أن تحصيل الإجماع غير ممكن؛ وذلك لأن بعض الفقهاء لم يتعرضوا للمسألة أساساً، ولذا لا يمكن إدراجهم ضمن المجمعين. فمثلاً عنون الشيخ الطوسي هذه المسألة في كتاب الخلاف، وقال بأنه لو زوج الولي بنته الصغيرة ممن به جنون أو جذام أو برص، فهذا العقد جائز من الناحية التكليفية؛ ثم حكم في مسألة أخرى بصحته. ولكن هل أن هذه الصحة مشروطة بالإجازة أم لا، كأن نقول مثلاً من باب الفضولي يمكن أن يكون صحيحاً، أي له قابلية الصحة أو بتعبير آخر، له صحة شأنية؛ أم أن هذا العقد قابل للفسخ أساساً أم لا؟ لم يبين الشيخ الطوسي شيئاً من هذه الجهة. وقد يُحمل حكمه بالصحة على الصحة الشأنية؛ وإذا حُمل على الصحة الشأنية وأُنيط بإجازة البنت بعد البلوغ، لكان منافياً لاعتبار عدم المفسدة.
وقد ذكر صاحب الجواهر توضيحاً لكلام الشيخ الطوسي هذا، وقال إن حكم الشيخ الطوسي بصحة عقد البنت غير البالغة من قبل الولي، معناه عدم ثبوت الخيار للبنت في فسخ العقد. لأن الولي له حكم المولى عليه نفسه؛ فكما لو كانت البنت عاقلة بالغة وقبلت بنفسها أن تكون زوجة لمجنون أو مجذوم، لكان العقد صحيحاً (لأنها مختارة وقد قبلت بذلك، فلا مانع إذن من صحة العقد؛ ولا يثبت لها الخيار بعد ذلك). فوليها أيضاً لو أوقع مثل هذا العقد للبنت، لكان العقد صحيحاً، ولا يحق للبنت فسخ هذا العقد. فلو قبلنا بتوجيه صاحب الجواهر هذا، لتعين علينا القول قهراً بأن الشيخ الطوسي لا يرى اعتبار عدم المفسدة. وأقل ما يوجبه ذلك هو خدش الإجماع.
والخلاصة أن الدليل الأول هو الإجماع المنقول الذي قلنا إنه لا اعتبار به. وعلى فرض القول باعتبار هذا الإجماع، فليس ثمة اتفاق وفتوى بين جميع الفقهاء على ذلك؛ ومن ذلك مخالفة الشيخ الطوسي هذه. هذا، على فرض قبول التوضيح الذي أورده صاحب الجواهر. وعلى كل حال، فإن عدم التعرض للمسألة في حد ذاته يمكن أن يشكل مانعاً أمام انعقاد الإجماع.
إذن، فالدليل الأول المتمثل في الإجماع غير قابل للقبول.

الدليل الثاني: الروايات

الدليل الثاني هو بعض الروايات المنقولة في هذه المسألة. وقد أورد المرحوم السيد الخوئي ثلاث روايات وقَبِل دلالتها على الاشتراط. ونحن ننقل هذه الروايات لنرى هل تدل على اشتراط عدم المفسدة في ولاية الأب والجد أم لا.

الرواية الأولى

الرواية الأولى هي رواية أبي حمزة الثمالي؛ وقد استند المرحوم الشيخ إلى هذه الرواية لإثبات اعتبار عدم المفسدة في صحة بيع الولي. تتعلق الرواية بولي يريد التصرف في أموال ابنه وبيع مال من أمواله؛ فقال الإمام (عليه السلام): لا يمكن للأب أن يأخذ أكثر من مقدار حاجته، واستند إلى الآية الكريمة: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ). «عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) لِرَجُلٍ أَنْتَ وَ مَالُكَ لِأَبِيكَ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع) وَ مَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ إِلَّا مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ لا يُحِبُّ الْفَسادَ».
تقريب الاستدلال: كما تلاحظون، فقد وردت هذه الرواية في باب البيع؛ لكن التعليل الوارد في ذيل الرواية يتمتع بالعمومية ويشمل النكاح أيضاً. فقوله: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ لا يُحِبُّ الْفَسادَ»، يشير إلى أن الفساد غير مطلوب في أي مورد، ولا فرق في هذه الجهة بين البيع والنكاح؛ فكما أن المفسدة في مورد بيع الأموال يمكن أن تكون مخلة، فكذلك هو الحال في مورد النكاح، وربما كان النكاح بمراتب أهم من المال. وقد استفاد المرحوم السيد الخوئي من التعليل الوارد في هذه الرواية، وقال إن هذه الرواية تدل على اعتبار عدم المفسدة. ولذا، لو زوّج الولي بنته من شخص مجذوم مثلاً، لكان كالعقد الفضولي.

دراسة الرواية الأولى

لقد أورد المرحوم السيد الحكيم إشكالات على الاستدلال بهذه الرواية، وسنقوم ببحثها فيما يلي.

الإشكال الأول هو أن هذه الرواية أجنبية عما نحن فيه؛ لأن الرواية واردة في شأن الولد البالغ؛ حيث تبين أن يأخذ من أموال ابنه البالغ بمقدار حاجته، وليس له الحق في أخذ أكثر من ذلك. أما نحن فنبحث في الولاية على الصغار؛ ولذا لا يصح الاستدلال بهذه الرواية.

هذا الإشكال قابل للدفع؛ وذلك:
أولاً: صحيح أن مورد الرواية هو “الابن” والولد البالغ؛ إلا أن التعليل عام: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ»، والاستدلال إنما تم بالتعليل الوارد في ذيل الرواية؛ ولذا فالمورد لا يخصص.
ثانياً: بل يمكن القول إن مورد الرواية ليس الابن البالغ بالضرورة؛ لأن لفظ “الابن” يُستعمل في غير البالغ أيضاً. وصحيح أن هناك تعابير خاصة تُستخدم لغير البالغ، إلا أن عنوان “الابن” يُستعمل حتى في غير البالغ أيضاً.

الإشكال الثاني الذي طرحه المرحوم السيد الحكيم هنا هو أن ظاهر الرواية يدل على أن الموضوع فيها هو تصرف الأب في أموال ابنه لمنفعة الأب نفسه؛ وكأن الأب يريد الأخذ من أموال ابنه وبيعها لتأمين احتياجاته الخاصة. ولذا قال الإمام (عليه السلام) بألا يأخذ أكثر من مقدار حاجته. أما بحثنا هنا فيتعلق بالنكاح وتزويج البنت، حيث يتوجه النفع أو الضرر إلى البنت نفسها؛ فإذن، هو بعيد أيضاً عما نحن فيه. فنحن نبحث في زواج البنت الذي يعود نفعه ومصلحته وضرره وفساده إلى البنت نفسها؛ أما الرواية فتتعلق بالاحتياجات المالية للأب نفسه. أي كأنما تعود من ذلك البيع منفعة للأب. ولذا لا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية.

جواب هذا الإشكال هو ذات الجواب الذي أوردناه على الإشكال الأول. فهذا الكلام صحيح، غير أن ارتكاز المستدل يعتمد على عموم التعليل في ذيل الرواية؛ فهو قد استند إلى الذيل أي «إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ لا يُحِبُّ الْفَسادَ». وبناءً عليه، فأي إشكال في أن يرتبط الأمر بالأب أو بالبنت؛ وسواء كان بيعاً أم نكاحاً. فالعمدة هي أن أي إقدام من قبل الولي والأب يجب ألا يتضمن فساداً للولد، أعم من أن يكون بالغاً أو غير بالغ.

الإشكال الثالث هو أن مورد هذه الرواية هو البيع، والحال أن بحثنا في النكاح؛ فكيف يسعنا تعميم حكم مذكور في باب البيع إلى غيره من الأبواب، كباب النكاح؟

وجواب هذا الإشكال أيضاً هو نفس الجواب الذي أجبنا به على الإشكالين السابقين، وهو أن عموم التعليل يلغي كل هذه القيود؛ فكما أن عموم التعليل لا يوجب التفريق بين الابن الكبير وغيره، وكما أن عموم التعليل يلغي الفرق بين إقدام الأب لمنفعة نفسه أو لغيرها، فكذلك يقتضي ألا يكون هناك فرق بين البيع والنكاح.
إذن، جميع هذه الإشكالات يمكن دفعها بجواب واحد. وعليه، فإن رواية أبي حمزة الثمالي تقتضي ألا يكون أي إقدام للأب والجد، ومنه تزويج البنت لمن يستلزم الزواج منه مفسدة، صحيحاً؛ أي أن صحة عمل الولي ونفوذه مشروطة بعدم المفسدة. فمن المعلوم أن أي إقدام، بما في ذلك النكاح، يجب ألا يتضمن مفسدة للبنت.

الرواية الثانية

الرواية الثانية هي صحيحة الفضل بن عبد الملك؛ وقد نقلنا هذه الرواية سابقاً بالمناسبة وفي مرات متعددة. «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ إِنَّ الْجَدَّ إِذَا زَوَّجَ ابْنَةَ ابْنِهِ وَ كَانَ أَبُوهَا حَيّاً وَ كَانَ الْجَدُّ مَرْضِيّاً جَازَ قُلْنَا فَإِنْ هَوِيَ أَبُو الْجَارِيَةِ هَوًى وَ هَوِيَ الْجَدُّ هَوًى وَ هُمَا سَوَاءٌ فِي الْعَدْلِ وَ الرِّضَا قَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَرْضَى بِقَوْلِ الْجَدِّ». فوفقاً لهذه الرواية، لو كان أب البنت على قيد الحياة وقام جد البنت بتزويجها، «وَ كَانَ الْجَدُّ مَرْضِيّاً جَازَ». وبالطبع يقول في التتمة: لو قصد كل من الأب والجد تزويج البنت لآخر، وأقدم كلاهما على ذلك وكانا متساويين في العدل والرضا، فقول أيهما يُقدم هنا؟ قال الإمام (عليه السلام): «أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَرْضَى بِقَوْلِ الْجَدِّ».
تقريب الاستدلال: تقريب الاستدلال بهذه الرواية الذي ذكره المرحوم السيد الخوئي، هو أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون المراد من كون الجد مرضيّاً، هو أن تكون تلك الأمور المتعلقة بالبنت مرضية. وعبارته هي: «إن ظاهر التقييد وبملاحظة مناسبات الحكم والموضوع، فهو اعتبار كونه مرضياً بلحاظ تصرفاته الصادرة تجاه البنت»، فالظاهر هو أن العقد يكون صحيحاً في حال كان الجد مرضياً. وكون الجد مرضياً يرتبط بالبنت؛ أي أن يكون لصالح البنت ولا يكون إضراراً بها. فإذا كان كذلك، فإن هذا العقد نافذ وصحيح، وإلا فلن يكون صحيحاً. «وإلا فكونه مرضياً بالنسبة إلى سائر تصرفاته أجنبي عن ولايته على البنت»، فلو أردنا تفسير كونه مرضياً بنحو آخر، فلا علاقة لذلك بولايته على البنت؛ وهذا واضح.
إذن، فالسيد الخوئي يرى تمامية دلالة هذه الرواية على عدم المفسدة. لكن ثمة إشكالات ترد على الاستدلال بهذه الرواية، والتي ينبغي علينا دراستها.