الدرس الحادي عشر، المسألة الرابع، بيان المسألة
الدرس الحادي عشر
المسألة الرابع– بيان المسألة – كلام السيد – الفروق بين عبارتي العروة والتحرير – احتمالان في معنى الخيار – الاحتمال الأول – الاحتمال الثاني – معنى الخيار في المسألة – مقامان في المسألة
14 ربيع الآخر 1447 هـ
المسألة الخامسة
المسألة 5: «إذا وقع العقد من الأب أو الجد عن الصغير أو الصغيرة مع مراعاة ما يجب مراعاته لا خيار لهما بعد بلوغهما بل هو لازم عليهما».
بيان المسألة
في المسألة الخامسة، يدور البحث حول لزوم العقد الذي يُوقعه الأب أو الجد للصغير أو الصغيرة وعدم لزومه. فبعد أن استعرضنا في المسائل السابقة أصل ولاية الأب والجد على البنت والابن، وبيّنّا شروط نفوذ وصحة تزويج الجد أو الأب للصغير أو الصغيرة، ننتقل الآن إلى التساؤل التالي: هل العقد الذي يُبرمه الولي الشرعي مستوفياً للشروط المعتبرة يُعدّ عقداً لازماً، بمعنى أن الصغير والصغيرة لا يملكان خيار الفسخ بعد بلوغهما، ويكون العقد قطعياً وحتمياً، أم أن لهما خيار الفسخ، ويحق لهما بعد البلوغ فسخ العقد الذي أُبرم نيابة عنهما في حال صغرهما من قبل الجد أو الأب؟ الإمام (الخميني) (قدس سره) في المسألة الخامسة يرى أنه إذا وقع العقد من قِبل الأب أو الجد نيابة عن الصغير أو الصغيرة مع مراعاة ما يجب مراعاته، فلا خيار لهما، ولا يحق لهما بعد البلوغ فسخ هذا العقد، بل هو لازم عليهما.
كلام السيد
وقد أورد المرحوم السيد (اليزدي) هذا المطلب نفسه في المسألة الرابعة من “العروة الوثقى” قائلاً: «لا خيار للصغيرة إذا زوجها الأب أو الجد بعد بلوغها ورشدها بل هو لازم عليها». فإذا زوّج الأب أو الجد الصغيرة، فلا خيار لها بعد بلوغها ورشدها، بل العقد لازم عليها. «وكذا الصغير على الأقوى»، وكذلك الصغير، فلا خيار له على الأقوى. «والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف»، وفي مقابل القول بلزوم العقد، ثمة قول يرى أن للصغير الخيار في فسخ العقد أو إمضائه، غير أن المرحوم السيد يُضعّف هذا القول. «وكذا لا خيار للمجنون بعد إفاقته»، والمجنون كذلك لا خيار له في الفسخ أو الإمضاء بعد إفاقته.
الفروق بين عبارتي التحرير والعروة
هناك فروق في عدة جوانب بين عبارة “العروة الوثقى” وعبارة “تحرير الوسيلة”:
-
أولها أن المرحوم السيد فرّق بين الصغير والصغيرة؛ ففي مورد الصغير عبّر بـ “الأقوى”، ولم يأتِ بهذا التعبير في مورد الصغيرة. وكأن مسألة انتفاء الخيار للصغيرة ليست محل خلاف، بخلاف الصغير حيث يبدو أن ثمة خلافاً في المسألة، وإن كان القول بالخيار ضعيفاً.
-
أضاف المرحوم السيد “الرشد” إلى جانب “البلوغ”، فقال: «بعد بلوغها ورشدها»، بينما اقتصرت عبارة التحرير على «لا خيار لهما بعد بلوغهما» دون الإشارة إلى الرشد.
-
تطرق المرحوم السيد في العروة إلى حكم المجنون أيضاً، في حين لم يُشر إلى حكمه في المسألة الخامسة من التحرير.
من الناحية الفتوائية، يتفق الإمام (الخميني) والمرحوم السيد على نفي الخيار عن الصغير والصغيرة بعد البلوغ، ورأيا أنه إذا زوّج الأب أو الجد الصغير أو الصغيرة، مع توفر الشروط، فلا خيار لهما. -
ثمة نقطة أخرى وردت في عبارة التحرير ولم تَرِد في العروة، وهي «مع مراعاة ما يجب مراعاته». ولعل المرحوم السيد لم يذكرها لوضوحها؛ فإذا زوّج الأب أو الجد الصغير أو الصغيرة بالشروط المعتبرة… فإن عبارة «مع مراعاة ما يجب مراعاته» غير موجودة في العروة، ووجه ذلك واضح لكونه أمراً مفروغاً منه.
احتمالان في معنى الخيار
قبل الشروع في البحث، يجب التنبيه على نقطة مهمة أشار إليها المرحوم السيد إشارة ضعيفة في عبارته. وهي: ما المقصود بهذا الخيار المطروح في حق الصغير والصغيرة؟ هناك احتمالان هنا، وقد أشار المرحوم السيد في عبارة العروة إلى أحدهما: «والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف». فالخيار بالنسبة للصغير والصغيرة يمكن تصوره على نحوين:
الاحتمال الأول
تارة يكون الخيار بمعنى حق الفسخ والإمضاء. فعندما نقول “الفسخ”، فالمقصود فسخ عقد صحيح بالفعل؛ أي عقد قد وقع قطعياً، وفعلياً، وصحيحاً، غير مراعى ولا معلق على شيء. وهذا نظير خيار العيب في البيع؛ فإذا أوقع شخص عقد بيع واشترى شيئاً، وكان الثمن أو المثمن معيباً، فهذا العقد صحيح وفعلي وغير معلق على شيء. ولكن نظراً لعيب الثمن أو المثمن، يحق للطرف الآخر إمضاء هذه المعاملة بالتنازل عن خياره وقبول العقد، كما يحق له فسخها. وعلى أي حال، هذا هو الاحتمال الأول: أن التزويج الذي أوقعه الولي للصغيرة أو الصغير هو عقد تام وصحيح وفعلي، وللصغيرة بعد البلوغ خيار فسخ هذا العقد الذي وقع صحيحاً وفعلياً، لتقول مثلاً: إن أبي فعل ذلك ولكني لا أقبل به.
الاحتمال الثاني
الاحتمال الثاني لمعنى الخيار، هو الخيار في الرد والإجازة. والمقصود به نفس الخيار الذي يثبت للأصيل في المعاملة الفضولية. فلو افترضنا أن غاصباً باع مال غيره، فهذه المعاملة فضولية لكونه قد باع ملك الغير، وتكون معلقة على إجازة المالك. فهي ليست صحيحة وتامة وفعلية الآن، بل حالها غير معلوم وكأنه لم يقع شيء بعد، حتى يحدد الأصيل مصير هذه المعاملة والعقد. فإن أجاز البيع، صار فعلياً وتاماً (إما من حين العقد أو من حين الإجازة)؛ وإن رده، انتفى العقد وكأنه لم يقع من الأساس. وهنا يُحتمل أيضاً أن يكون المراد من الخيار هو الخيار في الرد والإجازة؛ أي إن العقد الذي أوقعه الأب أو الجد يبقى مراعى ومعلقاً حتى البلوغ. فإن أجازت الصغيرة، صار العقد فعلياً؛ وإن ردته، بطل.
إذن، نحن أمام نوعين من الخيار: خيار في الفسخ والإمضاء، وخيار في الرد والإجازة. وفي اصطلاح المتأخرين، يُطلق الخيار غالباً على المعنى الأول؛ فعندما يقولون فلان له خيار، فالمقصود أن له حق الفسخ أو الإمضاء. وهذا المعنى شائع ومتعارف في إطلاق الخيار على صاحبه. أما من له حق الرد أو الإجازة في العقد الفضولي، فله الخيار واقعاً؛ بمعنى أن له حرية الاختيار في إمضاء العقد أو رده، فيمكنه أن يجيزه أو يرده. وقد استُعمل لفظ الخيار في عبارات المتقدمين والروايات في كلا الموردين، أي بالمعنى الأعم. فتارة يقولون “له الخيار” ويقصدون خيار الفسخ (في غير العقد الفضولي)، وتارة أخرى يقولون “له الخيار” في مورد العقد الفضولي. وكما تعلمون، يختلف العقد الفضولي عن العقد الواقع على ثمن معيب؛ ففي الثاني، المالك هو من أوقع المعاملة ولكن ثمنه معيب، بينما في العقد الفضولي، الغير هو من أوقع المعاملة وليس المالك. فلكل منهما خيار، ولكن الخيار في المعاملة الواقعة على شيء معيب يختلف عن الخيار في العقد الصادر من الغير. فالأول يُسمى “خيار الفسخ والإمضاء”، والثاني “خيار الرد والإجازة”. ومصطلح الخيار في لسان المتأخرين ينصرف غالباً إلى المعنى الأول، بينما هو أعم في لسان المتقدمين والروايات ويُطلق على المعنيين معاً.
والآن يُطرح السؤال: عندما نتحدث عن ثبوت الخيار للصغير أو الصغيرة ونقول إن لهما الخيار بعد البلوغ، فهل نعني المعنى الأول أم الثاني أم الأعم؟ في قولنا هل للصغير أو الصغيرة خيار بعد البلوغ أم لا، نحن نقصد المعنى الأول؛ أي الخيار في الفسخ والإمضاء. لأن أصل ولاية الأب والجد ثابتة بالأدلة؛ أي أن لهما الحق في تزويج الابن أو البنت من الغير، شريطة مراعاة المصلحة بالطبع. فإذا زوّج الجد أو الأب الصغير أو الصغيرة من الغير مع مراعاة المصلحة، فهذا العقد يقع صحيحاً ونافذاً، ولا يكون مراعى بإجازة البنت أو الابن، أي إنه ليس عقداً فضولياً. ومتى يكون العقد فضولياً إذن؟ كما ذكرنا في المسألة الرابعة، يكون فضولياً إذا لم يُراعَ شرط عدم المفسدة أو شرط المصلحة مثلاً. وقد صرّح الإمام بذلك في المسألة الرابعة، حيث قال إنه إذا زوّج الأب أو الجد، فهذا العقد صحيح ونافذ، وإلا يكون العقد فضولياً كالأجنبي.
لذا، يجب الانتباه إلى أننا أمام مسألتين منفصلتين تماماً. فقولنا هل للصغير والصغيرة خيار بعد البلوغ أم لا، لا يعني أن العقد الذي أوقعه الولي لهما كان فضولياً؛ لأن الولي كان يملك هذا الحق وكان تصرفه مشروعاً، ولذا أوقع هذا العقد. إنما الخلاف يكمن في هذا العقد الصحيح والفعلي والتام: هل يمتد أثره إلى الأبد، أم يحق لهما فسخه بعد البلوغ؟ وهنا، عندما يقول المرحوم السيد «والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف»، فهذا لا يعني أنه لو ثبت هذا الخيار، لكان العقد السابق فضولياً. فثمة فرق بين العقد الفعلي الصحيح الذي يثبت فيه الخيار، وبين العقد الفضولي الذي يثبت فيه الخيار؛ لأن الخيار في الثاني يعني الخيار في الرد والإجازة، بينما الخيار في الأول يعني الفسخ والإمضاء. ويجب الانتباه إلى هذا الفارق.
وقد أشرنا إلى هذا المطلب تحديداً لكي لا يختلط الأمر بالمسألة الرابعة التي قيل فيها «وإلا يكون فضولياً». فهما مسألتان في واديين مختلفين. والالتفات إلى هذه النقطة ضروري عند دراسة الأدلة بشكل عام. فمثلاً، عند دراسة الروايات، يجب أن نتأمل في معنى الخيار المذكور فيها. فإذا كان العقد فضولياً، فإن أصل صحة العقد منوط برأي صاحب الخيار. أما إذا لم يكن فضولياً، فإن بقاء العقد، لا أصل صحته، هو المنوط برأيه. فالخيار بالمعنى الأول يحدد بقاء العقد، بينما الخيار بالمعنى الثاني يحدد أصل وجوده.
وتبعاً للروايات التي استعملت لفظ الخيار بكلا المعنيين، نجده أحياناً في عبارات الفقهاء بمعنى أعم من خيار الفسخ والإمضاء.
فتحصل مما ذكرناه كله، أن البحث هنا يتمحور حول ما إذا كان يحق للصغير والصغيرة بعد البلوغ الإبقاء على ذلك العقد الصحيح الفعلي الذي أُبرم، أو فسخه وإنهاؤه؟ فالفسخ يعني عدم البقاء، بينما العقد كان قائماً حتى الآن.
مقامان في المسألة
بعد اتضاح هذا المعنى، نجد أن المسألة تناولت حكم الصغيرة والصغير معاً؛ فهما موضوعان إذن. وعليه، يجب أن نتابع البحث في مقامين: الأول يخص الصغيرة، والثاني يخص الصغير. فالمقام الأول يدور حول ثبوت خيار الفسخ للصغيرة التي زوّجها جدها أو أبوها وكان هذا الزواج مشتملاً على مصلحة لها؛ فعبارة «مع مراعاة ما يجب مراعاته» أمر مفروغ منه، إذ إن النكاح قد أوقعه من له حق الإيقاع مع استيفاء الشروط ومراعاة المصلحة. فهل يحق لهذه الصغيرة بعد البلوغ أن تفسخ هذا النكاح أم لا؟
والمقام الثاني يتعلق بالصغير؛ هل للصغير مثل هذا الحق أم لا؟ والفرض هنا أيضاً هو توفر جميع الأمور المعتبرة في صحة نكاح وتزويج الولي.
في مورد الصغيرة، يُدّعى أنه لا خلاف في عدم الخيار لها؛ أي إنه لا خلاف البتة في أن الصغيرة لا تملك هذا الخيار ولا يحق لها فسخ العقد. وقد أُقيمت عدة أدلة على هذا المطلب؛ وبطبيعة الحال، توجد في المقابل أدلة تدل على ثبوت الخيار. وعمدة هذه الأدلة هي الروايات. فمن طائفة من الروايات يُستفاد ثبوت الخيار للصغيرة، بينما تنفي طائفة أخرى هذا الخيار عنها. ورغم دلالة بعض الروايات على الخيار، يُدّعى أن الإجماع منعقد على عدم ثبوت خيار الفسخ للصغيرة. ويجب أن ندرس هذه الأدلة لنرى هل تمتلك الصغيرة مثل هذا الخيار بعد بلوغها أم لا.