الدرس الثاني عشر، المسألة 5، المقام الأول
الدرس الثاني عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة عدم ثبوت الخيار – الدليل الأول: الإجماع – دراسة الدليل الأول – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الأولى من الروايات – دراسة الطائفة الأولى – الطائفة الثانية من الروايات
19 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
يتمحور بحثنا حول المسألة الخامسة من كتاب تحرير الوسيلة، وقد بيّنّا ضرورة متابعة البحث في مقامين؛ أحدهما يخص الصغيرة، والآخر يتعلق بالصغير. إذن، يسلط المقام الأول الضوء على ثبوت خيار الفسخ للصغيرة التي زوّجها الجد أو الأب من شخص آخر، مع اقتران هذا النكاح بالمصلحة في حقها؛ «مع مراعاة ما يجب مراعاته»، فهذه أمور مفروغ منها؛ إذ أُبرم النكاح ممن يمتلك حق إيقاعه، مع استيفاء الشروط ومراعاة المصلحة بالتمام. فهل يحق لهذه البنت بعد بلوغها فسخ هذا النكاح أم لا؟ ويتكفل المقام الثاني ببيان حكم الصبي والصغير؛ فهل يثبت للصغير حق كهذا أم لا؟ والفرض هاهنا أيضاً تحقق كافة الأمور المعتبرة في صحة النكاح وتزويج الولي.
وقلنا أيضاً إن الخيار هاهنا يقصد به: هل يمتلك الصغير والصغيرة بعد البلوغ خيار الإبقاء على هذا العقد الصحيح الفعلي والمحافظة عليه، أم يملك حق قطعه ورفعه؟ فإن بادر إلى الفسخ، فمعناه انتفاء بقاء العقد؛ غير أنه كان ثابتاً وموجوداً إلى حين الفسخ، ولم يكن العقد منذ البداية عقداً فضولياً أصلاً.
المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة
أدلة عدم ثبوت الخيار
فيما يتعلق للصغيرة، صرح الإمام (قدس سره): بانتفاء ثبوت الخيار للصغيرة في هذا الفرض، فلا يحق لها الفسخ. وقد استُدل على هذا القول بعدة أدلة.
الدليل الأول: الإجماع
لقد ادُّعي أنه لا خلاف في عدم الخيار لها، بل إن المسألة إجماعية ولا خلاف فيها؛ أي إن الصغيرة لا تملك خياراً كهذا ولا يحق لها نقض هذا العقد، بل هو إجماعي. وقد ادعى صاحب الجواهر ما يفوق الإجماع المنقول، أي الإجماع المحصل، حيث قال: «لا خلاف لأحد في الصبية ويمكن تحصيل الإجماع عليه فيها».
وقد ادعى البعض الإجماع؛ ومنهم: صاحب نهاية المرام، وصاحب الحدائق الناضرة، وصاحب رياض المسائل؛ وهو ما يصلح أن يكون دليلاً لعدم ثبوت الخيار للصغيرة.
دراسة الدليل الأول
لكن يبدو أن هذا الدليل بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتأمل. صحيح أننا ربما لا نعثر على من يصرح بالخلاف في هذه المسألة؛ بمعنى القول بثبوت الخيار للصغيرة بعد البلوغ؛ أي نفي اللزوم والقول بجواز هذا العقد. بيد أن هذا الإجماع إجماع منقول؛ والإجماع المنقول لا اعتبار به. أما تحصيل الإجماع، فلم يُدّع سوى إمكانه، وصاحب الجواهر نفسه لم يقطع بإمكان تحصيل الإجماع؛ بل عبّر بـ “يمكن” تحصيل هذا الإجماع. علاوة على ذلك، ربما يُستشف من بعض الكلمات تردد البعض في هذا المورد، والتردد في هذا الحكم يخل بالإجماع ويقدح فيه. نعم، يصح ادعاء عدم الخلاف؛ إذ ينسجم عدم الخلاف مع واقع أن الكثيرين لم يتعرضوا لهذه المسألة أصلاً ليبدوا رأياً فيها. غير أن القدر المتيقن هو أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار من لم يتعرضوا للمسألة، فإن ذلك لا يقدح في ادعاء عدم الخلاف.
إذن، قد يتسنى ادعاء عدم الخلاف أو الشهرة القوية أو الاتفاق في هذه المسألة، ولكن لا يتسنى ادعاء الإجماع.
اللهم إلا أن يقال: لو انضم هذا الإجماع المنقول إلى تلك الشهرة القوية، لأمكن أن يكون حجة، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري. فالإجماع المنقول لا يصلح للدليلية بذاته، ولكن إذا اعتضد بالشهرة، فليس من المستبعد أن نعتبره حجة. وبناءً على هذا، يتشكل الدليل من تركيبة تجمع بين الإجماع والشهرة القوية.
السؤال: …
الأستاذ: إذا كانت الشهرة روائية، لاستقلت بكونها دليلاً آخر؛ أما حينما نذكر الشهرة هاهنا كمعاضد للإجماع، فالمراد بها الشهرة الفتوائية. … لعلكم تتذكرون أن المرحوم الشيخ يطرح هذا البحث في (الرسائل)، ويقرر أن الإجماع المنقول لا حجية له بذاته؛ وكذا الشهرة الفتوائية لا حجية لها بذاتها. غير أن هذين الأمرين إذا اجتمعا، أي أمران محل تأمل في حجيتهما، فربما يُعدّ ذلك من الأدلة. وهنا ينقدح إشكال: إذا كان كل منهما فاقداً للحجية، فكيف تريدون استيلاد الحجة من ضم “اللا حجة” إلى “اللا حجة”؟ وهو إشكال طُرح هناك أيضاً؛ بيد أنهم أجابوا عنه بأن أياً منهما لا يمتلك الحجية في ذاته، ولكن عندما يجتمعان ويقترنان معاً، يورثان لنا اطمئناناً تجاه المجمع عليه وحكم المشهور. ولذا، ربما يسعنا قبول هذا كدليل، إلا أن هذا الأمر بحد ذاته قابل للبحث والنقاش؛ وقد ذكرت لكم: “اللهم إلا أن يقال” إن الإجماع هاهنا منقول صحيح، غير أنه وبانضمامه للشهرة القوية القائمة في المسألة، ربما يسوغ لنا قبوله.
السؤال: …
الأستاذ: الإجماع المنقول هو مجرد إجماع ادعاه بعض الفقهاء؛ كما هو الحال هاهنا حيث يقول صاحب نهاية المرام: «أجمعت الإمامية»، فقد نقل الإجماع. ولكن الشهرة تتحقق في مورد آخر، بمعنى أنك حينما تستقرئ الفتاوى، تجد أن غالبية الفقهاء قد أفتوا بفتوى متطابقة. فهذه الفتاوى المشهورة، إذا ما انضمت إلى الإجماع المنقول (في زعم البعض) تكتسب الاعتبار؛ وقد أشرت إلى أن هذا المطلب يحتاج إلى بحث. فالحديث لا يدور حول نقل الشهرة بل حول الشهرة نفسها؛ والشهرة عينها بانضمام الإجماع المنقول ربما يقول قائل بصلاحيتها لتكون دليلاً.
وعليه، يقصر الدليل الأول عن إثبات المدعى.
الدليل الثاني: الروايات
الدليل الثاني على عدم ثبوت الخيار للصغيرة في الفرض المبحوث عنه هو الروايات. ولدينا ثلاث طوائف من الروايات الدالة على عدم الخيار؛ أي إن الروايات المستدل بها في هذه المسألة، لو أردنا تصنيفها، لآلت إلى ثلاث طوائف.
السؤال: …
الأستاذ: لقد خدشنا في أصل الإجماع، وقلنا إنه إجماع منقول في نهاية المطاف وهو غير مقبول؛ وبيّنّا أن تحصيل الإجماع لم يُدّع إلا في حد الإمكان، في حين لا يمكن ادعاء هذا المقدار أيضاً. نعم، يسعنا التسليم بمقولتكم هذه: لو سلمنا بإمكان تحصيل الإجماع، فإن مشكلته تكمن في كونه إجماعاً مدركياً أو محتمل المدركية في ظل وجود الروايات المستفيضة في هذا المقام؛ غير أنه قد يذهب البعض إلى حجية الإجماع المدركي أو محتمل المدركية، وهو بحث آخر.
تصنيف الروايات
أما إشارتنا لوجود ثلاث طوائف من الروايات في المسألة، فمردّه إلى ما يلي:
-
طائفة أولى من الروايات تدل على عدم خيار البنت في أمر النكاح مع وجود الأب.
-
الطائفة الثانية، وهي المطلقات الدالة على صحة ونفوذ تزويج الولي للصغيرة.
-
والطائفة الثالثة هي الروايات الخاصة؛ والمراد بالروايات الخاصة تلك الروايات الواردة في هذه المسألة بخصوصها.
وتتسم الطائفتان الأولى والثانية بالإطلاق والعموم؛ لكون هذه الروايات ترتبط بموضوع عام يشمل ما نحن فيه أيضاً. ويتعين علينا نقل هذه الروايات ومن ثم إخضاعها للدراسة والموازنة.
الطائفة الأولى من الروايات
الطائفة الأولى عبارة عن جملة من الروايات الدالة على استقلال الأب والجد في أمر نكاح البنت؛ بمعنى أن إذن البنت البالغة لا دخل له في الزواج أساساً. فموضوع الطائفة الأولى هو تزويج البنت البالغة الرشيدة بولاية الجد، وبموجب ذلك لا تملك هذه البنت أي خيار، بل أُنيط الخيار برمته إلى أبيها. فكيف تدل هذه الرواية على عدم الخيار؟ وبعبارة أخرى، ما هو تقريب الاستدلال بهذه الروايات؟
وقد استُدل بها على أن هذه الروايات تشمل ما نحن فيه إما بإطلاقها أو بطريق الأولوية. وعلينا توضيح كلا الوجهين لبيان كيفية شمول هذه الروايات بإطلاقها لما نحن فيه.
التقريب الأول
يرتكز الشمول بحسب الإطلاق اللفظي على تقريب مفاده أن موضوع هذه الطائفة من الروايات هو “المرأة”؛ ولفظ المرأة له إطلاق يستوعب البنت البالغة والصغيرة على حد سواء. ولعلكم تتذكرون أننا قرأنا هذه الروايات سابقاً؛ حيث لم يرد التعبير بـ “البالغة” في بعض الروايات على نحو الإطلاق؛ كأن تقول مثلاً إن أمر الجارية والمرأة بيد أبيها، وهو مستقل في هذا الأمر ولا خيار للبنت فيه. فمتى ما ورد لفظ “المرأة” أو “الجارية” أو أي عنوان كلي آخر، فإنه يشمل البنت الصغيرة أيضاً.
التقريب الثاني
ينص التقريب الثاني على أنه إذا دلت هذه الروايات على استقلال الأب في أمر نكاح البنت البالغة الرشيدة، فإن دلالتها بالنسبة للصغيرة تثبت بطريق الأولوية.
إذن، اتضح لكم أن هذه الطائفة من الروايات المتضمنة لبيان استقلال الأب ونفي اعتبار إذن البنت البالغة، تشمل ما نحن فيه (البنت الصغيرة) أيضاً، إما بالإطلاق أو بالأولوية. وهذا هو تقريب الاستدلال بالطائفة الأولى؛ وقد قرأنا الروايات سابقاً ويمكنكم الرجوع إليها.
السؤال: …
الأستاذ: قلنا إن التزويج إذا وقع من قِبل الأب أو الجد مع مراعاة ما يجب مراعاته، كالمصلحة، فلا ريب في أن هذا العقد يتصف بالصحة الفعلية. غير أن البحث يدور حول هذا العقد الواقع صحيحاً؛ فهل يحق للبنت إذا بلغت أن تفسخ هذا العقد أم لا؟ لتقول: كنت قاصرة في سن الصغر، وتولى أبي أو جدي إبرام هذا الأمر؛ والآن وقد بلغت سن الرشد والبلوغ، أريد أن أتخذ قراري بنفسي. فنحن بصدد معرفة ما إذا كان يحق للبنت بعد البلوغ فسخ هذا الزواج أم لا؛ فهذا هو محل بحثنا، وليس أصل صحته.
دراسة الطائفة الأولى من الروايات
لا يتسنى لنا إثبات عدم الخيار من هذه الروايات؛ فالمدعى هو عدم ثبوت الخيار للصغيرة بعد البلوغ. إذ قدحنا في أصل دلالة هذه الروايات على استقلال الأب. ومن هنا، لا يصح الاستدلال بها هاهنا. وبطبيعة الحال، يجب الالتفات إلى نقطة دقيقة: قد نقبل تارة بدلالة هذه الطائفة على استقلال الأب ونفي اعتبار إذن البنت البالغة؛ فإن قبلنا بذلك هناك، صلح تقريب الاستدلال هاهنا للقبول بطبيعة الحال؛ سواء بالبيان الأول (الإطلاق) أو البيان الثاني (الأولوية). ولكن إذا لم نقبل بدلالة هذه الروايات، فقد يرجع ذلك إلى إقرارنا بدلالة هذه الروايات حقيقة، غير أننا رفعنا اليد عن ظهورها لابتلائها بالمعارض. فالموقف الذي نتبناه في تلك المسألة إزاء هذه الطائفة من الروايات، له أثر بالغ في قبول أو رد هذه الطائفة من الروايات. فتارة نقول إن هذه الروايات خالية من هذه الدلالة؛ وحينها ينتفي مبرر التمسك بإطلاقها وأولويتها. وتارة أخرى نقول إن هذه الروايات تمتلك الدلالة ولكن لوجود معارض لها، أو لوجود طائفتين أو ثلاث أخرى من الروايات، يتعين علينا الجمع بينها. وعندئذ، إما أن نصير في مقام الجمع إلى التشريك، أو نتبنى أحد الأقوال المطروحة في تلك المسألة. ولكن على أية حال، متى ما قبلنا بدلالة هذه الروايات، ولو التزمنا بوجود المعارض، أمكننا الاستدلال بها.
وتارة ثالثة نقول إن هذه الروايات تمتلك الدلالة ولا معارض لها، فنحملها قاطبة على هذا المعنى؛ وهنا يصح الاستدلال أيضاً. فالعمدة تكمن في معرفة ما إذا كانت هذه الطائفة من الروايات تدل على ذات المعنى، أي استقلال الأب ونفي اعتبار إذن البنت أم لا. فإن قبلنا بهذه الدلالة، سواء قابلها معارض أم لا، صلحت هذه الطائفة للاستدلال؛ وأما إذا لم نقبل دلالتها، فلا مجال للاستدلال بها هاهنا البتة. هذا ما يتعلق بالطائفة الأولى من الروايات. إذن، الطائفة الأولى قاصرة عن الدلالة.
الطائفة الثانية من الروايات
الطائفة الثانية من الروايات، والتي أُشير إليها في كلمات بعض الأعلام كالمرحوم السيد الخوئي أيضاً، تتجسد في إطلاقات صحة تزويج الصغيرة أو الصغير من قِبل الأب. وبعبارة أخرى، الروايات الدالة على صحة ونفوذ ولاية الأب والجد، وأن العقد الذي يوقعه الأب والجد صحيح ونافذ. إذن، الطائفة الثانية هي الروايات المطلقة الدالة على نفوذ وصحة عقد الأب أو الجد؛ وبعبارة أخرى، أدلة ولايات الأب والجد. والسؤال المطروح: كيف تدل تلك الروايات على المدعى؟ أي الروايات التي تنص بشكل كلي على ثبوت الولاية للأب أو الجد في كل أمر. فهذا لا يحسم البحث؛ بل يتعين علينا القول بشمول تلك الروايات لما نحن فيه. بمعنى أننا حين نثبت ولاية الأب بنحو كلي، فإن إطلاقها يستوعب الصغيرة أيضاً. ومن ثم، فإن شمول الطائفة الثانية من الروايات لما نحن فيه يتحقق إما من خلال الإطلاق اللفظي أو الإطلاق المقامي؛ وأياً كان منهما، فإنه يشمل ما نحن فيه في نهاية المطاف.
بحث الجلسة القادمة
إن شاء الله، سنتكفل في الجلسة القادمة بدراسة الطائفة الثانية من الروايات، وسنتعرض للطائفة الثالثة أيضاً.