الجلسة الثانية والخمسون، المسألة 10، تنقيح موضوع البحث، الأقوال، القول الأول
الجلسة الثانية والخمسون
المسألة 10 – تنقيح موضوع البحث – الأقوال – القول الأول: عدم الولاية مطلقاً – القول الثاني: الولاية مطلقاً – القول الثالث: التفصيل – 1. التفصيل الأول – 2. التفصيل الثاني أدلة الولاية مطلقاً – الدليل الأول: الآيات – دراسة الدليل الأول
13 شعبان 1447 هـ
تنقيح موضوع البحث والأقوال
ذكرنا في البحث حول ما إذا كان للوصي ولاية على نكاح الصغير والصغيرة أم لا، وجود عدة أقوال؛ فبعضهم قائل بالولایة مطلقاً، وبعضهم قائل بعدم الولاية مطلقاً، وآخرون فصّلوا في المسألة. والذين قالوا بالتفصيل ينقسمون إلى طائفتين؛ ولذا باحتساب هذين التفصيلين، يصبح مجموع الأقوال أربعة أقوال. وكما أشرنا في الجلسة السابقة، فإن القول الرابع لا قائل به؛ وإن كان بعضهم قد ذكره كقول في المسألة.
وعلى أية حال، فإن العمدة تكمن في دراسة أدلة هذه الأقوال. ولكن قبل ذكر أدلة القائلين بالولاية -مطلقاً أو في الجملة- يحسن بنا التذكير بالأصل في هذه المسألة؛ وهو أن الأصل عدم ولاية الوصي؛ فإذا قلنا إن الأصل عدم ولاية الوصي، فإننا نكون محتاجين للدليل قهراً للخروج عن هذا الأصل. وبناءً عليه، فإن مهمة القائلين بالولاية أكثر صعوبة من الذين ينكرونها؛ لأن القائلين بالولاية يجب عليهم إثبات أن هذا المورد هو من الموارد الخارجة عن ذلك الأصل. فحينما يكون الأصل هو عدم الولاية، فلا بد من وجود دليل مقبول ومعتبر في مقابل هذا الأصل يمكنه إثبات ولاية الوصي؛ أما من ينكر ولاية الوصي، فيكفيه مجرد إيراد الإشكال على أدلة القائلين بالولاية، ولو لم يأت بدليل على عدم الولاية. نعم، إن القائلين بعدم الولاية قد تمسكوا ببعض الأدلة أيضاً.
وعلى كل حال، فإن الأصل الأولي في مورد أي إنسان بالنسبة إلى إنسان آخر -استناداً إلى الأدلة القوية- هو أصل عدم الولاية؛ عدم ولاية أحد على أحد. ولاية الله سبحانه وثابتة في محلها؛ والماذونون من قبل الله تعالى ثابتة ولايتهم في محلها أيضاً؛ وهذا يندرج بنحو ما في دائرة ولاية الله عز وجل، لكونهم مأذونين من قبله تعالى. أما غير الله والنبي والوصي الذين ثبتت ولايتهم قطعاً، فنحن في مورد الآخرين بحاجة إلى دليل يخرجهم عن هذا الأصل؛ ومثاله ثبوت هذا الدليل للأب والجد؛ وكذا ثبوته للحاكم والفقيه، وإن كان هناك اختلاف بين الفقهاء في حدود ولاية الحاكم والفقيه، إلا أنه قد ثبتت له ولاية في الجملة على أية حال. أما في غير هذه الموارد، فإن أي شخص إذا أراد أن يكون صاحب ولاية في أية حدود، فهو بحاجة إلى دليل؛ لأن الأصل الأولي هو عدم ولاية أحد على أحد. وفي مورد الوصي أيضاً -كغيره من الأشخاص- فإن الأصل الأولي هو عدم الولاية، وللخروج عن هذا الأصل، يتعين علينا أن نرى هل توجد أدلة متقنة وكافية أم لا.
أدلة الولاية مطلقاً
يستند القائلون بولاية الوصي مطلقاً إلى بعض الآيات والروايات، ويثبتون بها خروج الوصي عن أصل عدم الولاية. وقد ذكروا آيتين من آيات القرآن الكريم وعدة روايات. ونحن ندرس هذه الأدلة واحداً تلو الآخر لنرى هل يمكن لهذه الأدلة إثبات مدعى القائلين بالولاية مطلقاً أم لا. وبطبيعة الحال، فقد تم الاستناد إلى بعض الأدلة الأخرى غير الآيات والروايات.
الدليل الأول: الآيات
الآية الأولى
إحدى هذه الآيات هي الآية 180 إلى 182 من سورة البقرة: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وتقريب الاستدلال بهذه الآية يرتكز على التمسك بإطلاق ذيلها: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)؛ فحيث توصي بالوصية أولاً ثم تؤكد عليها، وبعد ذلك تفرع بأن من بدل الوصية بعدما سمعها فإن إثمه عليه؛ فتبديل الوصية وتغييرها حرام. وحرمة التبديل عامة أيضاً؛ بمعنى أن كل ما يوصى به فقد أمضي شرعاً. فحينما تقرر الآية: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)، فإنها تدل بإطلاقها أو بعمومها على إمضاء الوصية بجميع أطرافها وشؤونها، وليس له حق تغييرها أو تبديلها. أي لزم العمل بما تقتضيه الوصية؛ غير أنه استثنى هنا استثناءً واحداً، وهي الأمور التي توجب الإثم والضرر والانحراف في الوصية، أو توجب الضرر على الوارث، فهذه لا يجب العمل بها؛ وإلا فيجب العمل بالباقي. ومن الطبيعي أن يشمل هذا الإطلاق الوصية في مورد النكاح أيضاً؛ فهذا العموم لازم الوفاء في غير تلك الموارد الثلاثة المستثناة. ومن المعلوم أن النكاح ليس جزءاً من موارد الضرر والانحراف عن الوصية؛ لأن الفرض هو أن الوصي قد زوّج الصغير بناءً على المصلحة. ومثاله قولهم: أكرم العلماء إلا الفساق، أو أعتق الرقبة إلا الكافرة؛ فبطبيعة الحال يتعين وجوب الوفاء ولزومه في غير المورد المستثنى الواضح خروجه عن دائرة العموم أو الإطلاق، ولا تجوز مخالفته. وبناءً عليه، فإن مسألة تزويج الصغير والصغيرة مشمولة أيضاً لهذا الإطلاق أو العموم؛ لكونها ليست من الموارد الخارجة والمستثناة قطعاً؛ فلا يوجد فيها انحراف ولا ضرر، إذن فهي واجبة الوفاء، ولهذا السبب يمكننا القول بثبوت ولاية الوصي على أمر النكاح.
وقد ذكر هذا الاستدلال بعض الأعلام ومنهم المرحوم السيد الخوئي في “المباني في شرح العروة”.
دراسة الاستدلال بالآية الأولى
إشكال
لقد أثير هنا إشكال تجاه الاستدلال بهذه الآية، ومفاده أن صدر الآية يشير قطعاً إلى المسائل المالية؛ أي إنها وصية مالية. لكونها تقرر: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ)؛ و”الخير” في الواقع يتعلق بالاموال؛ إن ترك خيراً الوصية أي إن ترك مالاً؛ فـ “الخير” هنا يراد به المال مسلماً. وإذا كانت الوصية في صدر الآية متعلقة بالمال، فإن هذا يمنع من التمسك بالإطلاق أو انعقاد الإطلاق في ذيلها؛ فبما أن صدر الآية ناظر إلى الوصية في الأمور المالية، فإن ذيلها الذي يشير إلى الوصية ويقول: (فمن بدله) يعني فمن بدله أي تلك الوصية نفسها؛ أي الوصية المالية عينها. إذن فلا ارتباط لهذا المسلك بمسألة ولاية الوصي على نكاح الصغير والصغيرة. وبتعبير آخر، فإن هذا الدليل أخص من المدعى؛ لكون المدعى هو نفوذ مطلق الوصية الشامل للنكاح أيضاً؛ لكن الدليل يختص بالوصية المالية فحسب؛ أي إن الآية تهدف في واقع الأمر إلى بيان لزوم أن يوصي كل شخص قبل وفاته بالمعروف في أمواله لوالديه والأقربين، وليس لأحد حق التغيير فيها. إذن بقرينة الصدر، كأنه لا إطلاق للآية.
السؤال: …
الأستاذ: ليس من الأمور المالية؛ بل له دور في تلك الأمور المالية أيضاً. ولكن الوصية هنا ناظرة إلى ما ترك، وما ترك يعني الأموال؛ ولذلك فهو لا يشمل الفرض المبحوث عنه هنا.
الإجابة الأولى
لقد أُجيب عن هذا الإشكال بعدة إجابات:
منها: أنه وإن كانت الوصية في صدر الآية متعلقة بالأموال، أو بتعبير آخر فإن مورد الآية هو الوصية بالنسبة إلى الأموال؛ إلا أن المورد لا يمكنه أن يكون مخصصاً للآية؛ ولدينا نظائر كثيرة لهذا الأمر ويقال في كل مكان إن المورد ليس بمخصص. فصدر الآية يتعلق بالوصية في الأموال، ولكن حينما يدور الكلام حول جواز أو عدم جواز تبديل الوصية وتغييرها، فقد صيغ ذلك بنحو عام ومطلق، وكأنه يشمل جميع الوصايا قاطبة. وهذا لم يعد له ربط بالمورد، ولا يمكننا تخصيصه بالمورد.
السؤال: …
الأستاذ: إن هذا الاستثناء يُستفاد من قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ). وهذا في الحقيقة استمرار لذلك البيان واستثناء منه. … وهو يشمل كل نحو من أنحاء الميل والانحراف والضرر؛ ويقرر أنه إذا رأى أن هذه الوصية تؤدي إلى إيجاد مشكلة، فإنه يمكنه تغييرها وإصلاحها.
الإجابة الثانية
إن مسألة النكاح هي من جملة الأمور المهمة المتعلقة بالأولاد؛ وبالنتيجة فإن أهمية النكاح إن لم تكن أكثر من الأموال فليست بأقل منها. وطبيعي أنه عندما يوصي بأمور الأقربين والأولاد، فإن هذا يكون من مصاديق الوصية بالمعروف. وقيد “بالمعروف” نفسه كأنه يظهر تعميماً ما؛ وهذا يبين أن الأمر لا يختص بالوصية المالية؛ بل المقصود هو كل شيء يكون وصية بالمعروف، ومِن الوصية بالمعروف مسألة نكاح الولد الصغير والصغيرة.
الإجابة الثالثة
لقد استُدل بهذه الآية في بعض الروايات بحيث يُفهم منها العموم؛ أي إن الأئمة (عليهم السلام) قد استندوا أحياناً إلى هذه الآية لمطلق الوصية، لا لخصوص الوصية المتعلقة بالأموال. وسوف ننقل هذه الروايات لاحقاً بمشيئة الله. وعلى أية حال، عندما نرى أن الآية قد استُند إليها في بعض الموارد التي لا تعد وصية مالية أصلاً، يعلم من ذلك أن الآية لا تقتصر على الأموال.
وهذه الإجابات الثلاث كانت تبتني جميعاً على مطلب واحد، وهو أن الآية بشكل عام -حتى مع ملاحظة صدرها- لا تختص بالأمور المالية والأموال. والإجابة الأولى قد ذكرها السيد الخوئي أيضاً، ولكنه يجيب بجواب آخر أيضاً؛ حيث يذكر السيد الخوئي أولاً التوهم والإشكال المتعلق بإطلاق الآية ويقول: «وتوهّم أنّ الآية المباركة و جميع النصوص الواردة في الاستدلال بها مختصة بالوصيّة المالية، فلا دليل على نفوذ الوصيّة في نكاح المجنون أو المجنونة مدفوع»؛ فكيف يُدفع هذا التوهم؟ «بأنّ صدر الآية الكريمة و إن كان موردها الوصيّة بالمال، إلّا أنه غير ضارٍّ بإطلاق الآية المباركة». طبقاً لأحد التفاسير فإن هذا هو الجواب الأول نفسه بأن نقول إن مورد الآية وإن كان يتعلق بالوصية المالية، إلا أن هذا لا يضر بالإطلاق؛ لأن المورد ليس بمخصص أو مقيد.
الإجابة الرابعة
ولكن يمكننا ذكر احتمال آخر أيضاً؛ ولذلك ذكرت هذا كجواب مستقل. فبالقطع والعدول عن صدر الآية، فإن ذيل الآية نفسه يتمتع بإطلاق محكم؛ ونحن لا شأن لنا بصدر الآية أصلاً. فذيل الآية هو عينه ما تم التأكيد عليه في تقريب الاستدلال؛ فحينما تقرر: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)، فليس لأحد حق تغيير الوصية، إلا في المورد الذي يخاف فيه أن تؤدي هذه الوصية إلى الإثم والنزاع والدعوى بين الورثة؛ فحينئذٍ يمكن للوصي أن يغير الوصية بنحو ما ويصلحها بحيث لا تؤدي إلى النزاع والدعوى. فكأن هذه الآية بمنزلة الاستثناء من نفوذ الوصية؛ وكأن لسانها يقرر أن كل وصية نافذة وليس للموصى له أن يغيرها إلا أن تكون سبباً للاختلاف والنزاع والضرر وأمثال ذلك. وعندما يكون لدينا هذا العام أو المطلق، فإن هذا العموم أو الإطلاق يشمل الوصية المتعلقة بالنكاح أيضاً؛ وهذا البيان كأنه يثبت نفوذ كل وصية إلا في تلك الموارد، وهذا المورد ليس من تلك الموارد مسلماً؛ فأمر النكاح ليس من الموارد المستثناة قطعاً. إذن فهذا البيان يقتضي في نفسه الصحة وثبوت الولاية.
وبطبيعة الحال، فإن هذا الجواب كان في الحقيقة نوعاً من تبيين تقريب الاستدلال نفسه؛ وتقريب الاستدلال يقتضي هذا المعنى.
السؤال: …
الأستاذ: إن كلامنا هو أن الشخص الذي يوصي، يوصي للوالدين والأقربين؛ ومِن الأقربين الأولاد. فهل هذه الوصية نافذة بالنسبة إلى أمور الأولاد التي يكون النكاح من جملتها أم لا؟ تقول إنها نافذة … والبحث في الوصية صحيح وإن لم يطرح مسألة النكاح هنا بخصوصها … فحينما تقرر أنه يتعين على كل أحد أن يوصي بالمعروف بالنسبة للأقربين والأولاد وليس لهم حق تغييرها الآن في هذه الحالة؛ فإن إطلاق وصيته يشمل مسألة النكاح أيضاً. ولِمَ لا يشملها؟ أنتم تقولون إن هذا يظهر في المال فحسب؛ ونحن نقول لا؛ موردها المال والمورد ليس بمخصص. بالإضافة إلى ذلك، فحتى لو قلنا إن كلمة المعروف تشمل غير الأموال، بل وتستوعب ما هو أهم من الأموال، فليس هذا كلاماً بعيداً عن الصواب.
نعم، قد أُجيب أيضاً بأن هذه الآية بقرينة الفاء التفريعية في (فمن بدل) تكون هي بنفسها قرينة على أن ما ذكر في التتمة يتعلق بالصدر وهو الوصية المالية؛ ولكن ذلك هو المورد والمورد ليس بمخصص. ولذلك يبدو أن إطلاق هذه الآية يشمل أمر النكاح أيضاً.