الدرس التاسع، المسألة الرابعة، المقام الثاني
الدرس التاسع
المسألة الرابعة – المقام الثاني: دراسة اشتراط المصلحة – دراسة كلام السيد اليزدي – الأقوال – إشكال آية الله الحكيم على السيد – أدلة عدم الصحة: الدليل الأول، الثاني، والثالث
12 ربيع الثاني 1406 هـ
خلاصة الجلسة السابقة تم الفراغ من المسألة الرابعة في “التحرير”، ولكن السيد اليزدي أفاد في ذيل هذه المسألة بمطلبٍ يجدر بنا استعراضه ونقده. وحاصل ما انتهينا إليه في المسألة الرابعة هو أنه بالإضافة إلى شرط “عدم المفسدة”، فإن “المصلحة” أيضاً لازمة الرعاية؛ بمعنى أن الولي (الأب أو الجد) إذا أراد تزويج ابنته، فإن صحة هذا التزويج ونفوذه -وبعبارة أخرى ثبوت ولايته- منوط بمراعاة المصلحة فضلاً عن عدم المفسدة. وإذا قلنا باشتراط المصلحة، فثبوت شرط عدم المفسدة يكون من باب أولى.
دراسة كلام السيد اليزدي (صاحب العروة)
إن الإضافة التي ذكرها المرحوم السيد في هذا المقام هي قوله:
«بل يشكل الصحة إذا كان هناك خاطبان أحدهما أصلح من الآخر بحسب الشرف أو من أجل كثرة المهر أو قلته بالنسبة إلى الصغير فاختار الأب غير الأصلح لتشهي نفسه».
فبعد أن أفاد بأن الاحتياط الوجوبي يقتضي مراعاة المصلحة، يترقى ليحكم بالإشكال في الصحة في فرض خاص؛ وهو ما إذا خطب البنتَ خاطبان، وكان أحدهما أصلح من الآخر. ثم يفسر مفهوم “الأصلح” بوجوه: كأن يكون أرفع شرفاً -بالنظر لشخصه أو عائلته، والمراد الشرف الحقيقي لا الزائف كأن يكون أعلم أو أدين أو أحسن خلقاً أو أفضل موقعاً وكسباً- أو من جهة بذل مهر أكثر. ففي مثل هذه الظروف حيث يتوفر خاطبان ينطوي النكاح من كليهما على مصلحة، إلا أن أحدهما أصلح من الآخر، فلو اختار الأب أو الجد الخيار “غير الأصلح” بمحض هواه وميله النفسي (لتشهي نفسه) لا لمصلحة البنت، فإن صحة هذا العقد تقع محل إشكال وتأمل.
الأقوال في المسألة
انقسمت أنظار الأعلام تجاه عبارة السيد اليزدي إلى موجهين؛ فمنهم من ردها ومنهم من وافقها وصحح وجه الإشكال:
-
القول الأول (عدم الإشكال والحكم بالصحة): ومن أبرز القائلين به المرحوم المحقق الخوئي، حيث أفاد في مستمسكه قاصداً رد المتن: «ظهر الحال فيه ممّا تقدّم، فإنّ مقتضى إطلاقات الأدلة السالمة من المقيد و الشاملة للفرض، هو الحكم بالصحّة و النفوذ». فمقتضى الإطلاقات الشاملة لصورة اختيار غير الأصلح هو النفوذ ما دام يفتقر للمفسدة، ولا يوجد مقيد لفظي يمنع ذلك. وعلى هذا المنوال نسج المرحوم السيد الكلبايكاني في تعليقته على العروة قائلاً: «بل لا إشكال فيها ما لم تكن فيه مفسدة و إن كان الأحوط و الأولى للأب مراعاة الأصلح». فعليهما، العقد صحيح نافذ ولا وجه للإشكال.
-
القول الثاني (الموافقة والتشكيك في الصحة): وهو المنحى الموافق للسيد اليزدي، وم ممن نصره المحقق آغا ضياء العراقي في حاشيته على العروة معللاً وجه الإشكال بقوله: «و لعلّه في مثل هذا الفرض يصدق على مثل هذا التزويج خيانة على الصغير و أدلّة الولاية منصرفة عن هذه الحالة». فهو يرى أن تقديم غير الأصلح لمجرد الهوى تشخيص لعنوان “الخيانة” بحق الصغير، وأدلة جعل الولاية منصرفة ذاتاً عن مباركة الخيانة وتثبيتها.
فالمتحصل وجود قولين: نفوذ العقد وصحته مطلقا، ومقابله التوقف والتشكيك في الصحة.
إشكال آية الله الحكيم على مثال السيد اليزدي
أورد المرحوم السيد الحكيم إشكالاً على عبارة العروة، وهو في واقع الأمر إشكال متوجه إلى “المثال” المضروب لا إلى “أصل المطلب”؛ إذ هو يرتضي من حيث المبدأ الحكم بعدم الصحة أو الإشكال فيها، لكنه يرى الخلل في صياغة المثال. وحيث قال في المستمسك: «لا يخلو هذا المثال من الإشكال»، ومحط نظره هو عبارة السيد: «أو قلته بالنسبة إلی الصغير». فما هو وجه الإشكال؟
يقول المرحوم السيد الحكيم:
«لأن الصغير إذا زوِّج بمهر كثير، كان ذلك التزويج ضرراً عليه لا خلاف الأصلح».
وتوضيحه: إن مثال السيد اليزدي ناظر للولاية على الصغير (الذكر) والصغيرة معاً. فلو كان لدينا صبي صغير، وأمامه خياران للزواج من فتاتين، إحداهما تقبل بمهر قليل والأخرى تطلب مهراً كثيراً؛ فإن مصلحة الصغير تكمن حتماً في المهر القليل لأنه دافع وغارم. فإذا أقدم الولي وزوجه من ذات المهر الكثير، فإن هذا الفعل -بحسب السيد الحكيم- لا يندرج تحت عنوان “مخالفة الأصلح مع بقاء المصلحة”، بل هو “ضرر ومفسدة محض” بحق الصغير؛ وحينئذٍ يخرج هذا الفرض تخصصاً عن محل البحث الحالي (دوران الأمر بين الصالح والأصلح) ليدخل في الفرض السابق وهو اشتراط عدم المفسدة والضرر.
ثم يستطرد السيد الحكيم مفرقاً بين الصغير والصغيرة بقوله:
«بخلاف الصغيرة إذا زُوِّجت بالمهر القليل، فإنه خلاف الأصلح لا غير».
ففي جانب الصغيرة (الأنثى) ينعكس الأمر؛ فلو خطبها كفؤان أحدهما يبذل مهراً كثيراً والآخر يبذل مهراً قليلاً، فالمصلحة التامة في المهر الكثير لأنها قابضة وآخذة. فلو زوجها الأب بذات المهر القليل لتشهي نفسه، فلا يقال إنها تضررت مطلقا، لأنها بالنتيجة نالت مالاً ومهرًا، فتفويتها للمهر الأكثر يعد من باب “خلاف الأصلح وتفويت الغبطة” لا من باب ورود المفسدة والضرر والفساد المالي التام.
إذن، انقسمت الآراء حول عبارة صاحب العروة إلى ثلاثة اتجاهات: موافق مطلقا، ومخالف بالمرة، وموافق في الأصل معترض على صياغة المثال كالسيد الحكيم.
السؤال: … الأستاذ: هذا الأمر راجع لاختيار الولي؛ فالفرض المفترض هو أن الصغير أو الصغيرة لم يبلغا رتبة التمييز والنظر المستقل، أو بلغاها ولكن ما زالت الولاية للأب أو الجد قائمة عليهما شرعاً إلى حين البلوغ. فحين يملك الولي حق التزويج، يكون إحراز المصلحة بعهده أيضاً. أما ما سيأتي في المسألة الخامسة من “التحرير” حول ما إذا وقع التزويج ولايةً، فهل يملك الصغير أو الصغيرة “خيار الفسخ” بعد البلوغ أم إن العقد لازم عليهما؟ فذلك مبحث مستقل سنصیر إليه. والآن يتمخض البحث في أنه مع دوران الأمر بين مصلحتين (أقل وأشد)، واختار الولي المصلحة المرجوحة لهوى نفسه، فهل يصح العقد أم يبطل؟
أدلة عدم الصحة (مستند الإشكال في الصحة)
إذا أردنا توجيه كلام السيد اليزدي والقول بعدم صحة العقد عند اختيار غير الأصلح تشهياً، يمكننا الاستدلال بعدة وجوه:
الدليل الأول: ضررية تفويت المصلحة العليا (تنزيل تفويت المنفعة منزلة الضرر)
وحاصله: أنه في حال تزاحم خاطبين أحدهما أصلح والآخر صالح، فعدول الولي عن الأصلح إلى المرجوح لمجرد إشباع رغبته وميله الشخصي يؤول عرفاً إلى إلحاق الضرر بالمولى عليه. فإن “تفويت المصلحة العليا” و”عدم النفع” مع إمكان تحصيله والوصول إليه يُعد في المرتكزات العرفية ضرباً من الضرر وإجحافاً.
ولا يقال هنا: “لعل الخاطب الأقل مهراً هو أحسن خلقاً”، لأننا فرضنا تساوى كافة الجهات والمزايا العرفية وتمخض الرجحان في جهة واحدة كالمهر أو الشرف، فإيثار المرجوح حينئذٍ تشهياً هو محض إضرار. ومتى ما صدق عنوان “الضرر” أو ما هو بحكمه، قصرت إطلاقات أدلة النكاح والولاية عن شموله؛ لأنها إما مقيدة بلزوم نفي الضرر أو منصرفة أساساً عن صور الإضرار بالمولى عليه وتفويت غبطته؛ فيصح التشكيك في الصحة كما أفاد السيد.
الدليل الثاني: الاندراج تحت أدلة حرمة الفساد وبغضه
ومفاده الاستناد إلى الأدلة الناهية عن الفساد، كمعتبرة أبي حمزة الثمالي عن الإمام (ع): «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ». وفي صغرى المقام: إن هذا الصغير أو الصغيرة إذا كبرا وبلغا رتبة الرشد وعملا بأن وليهما آثر خياراً أدنى لشهوة في نفسه وتسبب في حرمانهم من حظ وافر وكفء أصلح، فإن هذا السلوك سيورث حتماً الضغائن، النزاع، والخصومة العائلية، بل قد يجر إلى طلاق وتفكك؛ وأي فساد واختلال نظام أعظم من هذا؟ وحيث إن الله لا يحب الفساد، فإن هذا العقد المنطوي على مقتضيات الفساد المستقبلي لا يمكن أن تناله يد التشريع بالإمضاء والصحة.
تسمية الفرق بين الدليلين: إن المدار في الدليل الأول هو ملاحظة “إطلاقات أدلة الولاية والنكاح” وقصورها الذاتي عن شمول صورة الضرر (منظور داخلي للأدلة)، بينما الدليل الثاني ناظر إلى عموم الخارجي وملاك كلي مفاده أن كل فعل يؤول إلى الفساد فهو مبغوض للشارع ومنهي عنه، والنهي في المعاملات يقتضي الفساد (منظور قيمي كلي).
الدليل الثالث: امضائية الولاية والارتكاز العقلائي
وملخصه: أن باب الولاية -ولا سيما ولاية الآباء- ليس من الأحكام التأسيسية البكر التي اخترعها الشارع ابتداءً، بل هو حكم إمضائي لما استقرت عليه سيرة العقلاء ومرتكزاتهم في حفظ الصغار ومن لا يستقل بأمره.
والمستقر في لُب الارتكاز العقلائي أن من يُمنح حق القيمومة والسرپرستي على قاصر، فإنما يملك هذا الحق ويفوض إليه بشرط أن يدور مدار “حفظ مصالح المولى عليه” وتتبعها بدقة، ولم يُجعل له هذا الحق ليتخذه وسيلة لإشباع مآربه ونزواته الشخصية. وحيث إن الشارع أمضى هذا العرف والارتكاز العقلائي بما له من حدود وشروط، فإنه لم يمضِ قط مساحة التحكم المبني على التشهي وتفويت الأصلح؛ وبناءً عليه يرتفع النفوذ الشرعي عن هذا التصرف لعدم شمول الإمضاء له، فيتعين القول بعدم الصحة.
بحث الجلسة القادمة كانت هذه الأدلة الثلاثة المسوقة لتوجيه كلام السيد في الإشكال في الصحة أو القول ببطلان العقد. فهل هذه الأدلة وافية وتامة ويمكن الالتزام بها؟ وفي المقابل، ما هي أدلة القائلين بالصحة كالمحقق الخوئي؟ وما هو الموقف النهائي من إشكال السيد الحكيم على المثال؟ هذا ما سنفصله في الجلسة الآتية إن شاء الله.