The news is by your side.

الدرس الحادي والأربعون، مسألة 8، دراسة الصور الخمس

الدرس الحادي والأربعون

مسألة 8 – دراسة الصور الخمس – دراسة الصورة الأولى – دراسة الصورة الثانية – دراسة الصورة الثالثة

8 رجب 1447 هـ

دراسة الصور الخمس

تكلمنا في الجلسة الماضية بوجه كلي عن المسألة الثامنة؛ حيث بيّنّا أن هذه المسألة متضمنة لخمس صور من تزويج الولي للمولى عليه بمن به عيب. ويتعين علينا دراسة كل واحدة من هذه الصور الخمس؛ إذ إن العقد في بعضها باطل من رأس، وفي بعضها الآخر يثبت الخيار لكلا الطرفين، وفي بعضها يثبت للمولى عليه فحسب.

ونحن نعرض الآن لبيان هذه الصور الخمس ودراستها واحدة تلو الأخرى.

دراسة الصورة الأولى

أما الصورة الأولى التي أشرنا إليها في الجلسة السابقة، فهي ما لو زُوِّج المولى عليه بمن به عيب مع علم الولي بالعيب وانتفاء المصلحة في ذلك. وقد جاءت العبارة في تحرير الوسيلة هكذا: «إذا زوج الوليّ المولّى عليه بمن له عيب لم يصح و لم ينفذ سواء كان من العيوب الموجبة للخيار أو غيرها ككونه منهمكا في المعاصي و كونه شارب الخمر أو بذيء اللسان سيئ الخلق و أمثال ذلك». فقد أفاد في هذه الصورة بعدم الصحة والنفوذ؛ أي إن العقد والنكاح ليس بصحيح ولا نافذ.

والدليل على هذا الأمر واضح؛ لأن أصل ولاية الأب أو الجد مشروط ومقيد بقيد يسمى المصلحة؛ فإذا لوحظت المصلحة، كان هذا العقد صحيحاً وكانت الولاية ثابتة أساساً. أما إذا لم تلحظ المصلحة بل كانت المفسدة هي الحاكمة، فالولایة منتفية في هذا المورد بالكلية. ومتى ما انتفت الولاية، صار الولي بالنسبة إلى المولى عليه كالأجنبي، ولا يكون له حق ولا خيار في نكاح المولى عليه؛ ومن ثم فلا يصح عقده. ولا فرق في هذه الصورة بين أن يكون عيب ذلك الشخص (زوجاً كان أو زوجة) من العيوب الموجبة للخيار أو من العيوب التي لا توجب الخيار. بل حتى لو لم يكن به عيب، لكان مثل هذا النكاح باطلاً؛ لأننا أسلفنا أن للولي حق تزويج المولى عليه بشرط انتفاء المفسدة. وقد وقع الخلاف في أنه هل يشترط وجود المصلحة أيضاً أم لا؟ والذهاب الأعم قائم على اشتراط عدم المفسدة؛ فإذا كانت المصلحة حاضرة فهو أولى، لكن مجرد انتفاء المصلحة لا يوجب البطلان بمفرده، وإنما الذي يوجب البطلان هو وجود المفسدة. ولهذا، حتى لو زُوِّج بمن لا عيب فيه، فإنه يبطل لأجل مفسدته.

وقد ذكرنا أن تعبير الفاضل السيد في العروة جاء كالتالي: «لا يجوز للولي تزويج المولى عليه بمن به عيب سواء كان من العيوب المجوزة للفسخ أو لا لأنه خلاف المصلحة»، فنفس التزويج بمن به عيب هو خلاف المصلحة. وقد أفاد السيد الخوئي في ذيل هذه العبارة بقوله: «في التعبير مسامحة واضحة و المراد به وجود المفسدة، كما يقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع»؛ فهو يرى أن تعبير «خلاف المصلحة» مسامحي، وأن المراد به هو وجود المفسدة. يعني أنه يرى أن نفس التزويج بمن به عيب ينطوي على مفسدة؛ إلا أن تكون هناك مصلحة ملزمة أقوى تحكم هذه المفسدة وتغطي عليها. فإذا ذهبنا إلى أن نفس التزويج بمن به عيب فيه مفسدة، فإن ذلك يسقط الولاية في هذا المورد طبيعةً؛ وبناءً عليه فلا يكون تزويجه صحيحاً ولا نافذاً.

وعلى أية حال، فإن حكم الصورة الأولى واضح وجلي تماماً؛ وقد لاحظتم دليله.

السؤال:

الأستاذ: ثمة بحث في باب النكاح حول جريان الفضولية فيه أم لا؛ فإذا التزمنا بجريان الفضولية بوجه كلي في باب النكاح، فإن معنى “لم يصح” هو انتفاء الصحة الفعلية وعدم النفوذ. وهذا يبتني على كونه كالأجنبي ولا فرق حينئذ بين الولي وغيره؛ وإذا آل الأمر إلى ذلك فلا مشكلة فيه. أما في الموارد الأخرى التي يقال فيها بثبوت خيار الفسخ مثلاً، فإنها تبين الصحة الفعلية… الولاية مشروطة بالمصلحة… نعم، ولكنها مشروطة؛ وشرطها وجود المصلحة… هو لا ولاية له في هذا المورد، لا أنها تسقط عنه بالكلية؛ ففي هذا المورد وحيث لم تراعَ المصلحة، فكأنه لا ولاية له على النكاح… فإذا راعى المصلحة،… لا أنها تسقط كلياً بحيث لا يسعه النكاح… لا يقال إسقاط بل سقوط… إلا ولاية حاكم المسلمين، ولاية الفقيه،… يجب أن يكون الفقيه جامعاً للشروط؛ فإذا فقد بعض هذه الشروط، سقطت عنه هذه الولاية تلقائياً؛ وهذا واضح. لأن هذه الولاية ثبتت مقيدة وليست مطلقة لتثبت للأب والجد في شتى الظروف.

السؤال:

الأستاذ: يعني أن معناه انتفاء الصحة الفعلية؛ ولكن ماذا عن الصحة الشأنية؟ هذا موضع بحث. هناك أيضاً قلنا إن الولي يصير كالأجنبي… وهنا أيضاً كأن هذه الولاية تسقط ويصير كالأجنبي. فإذا قبلنا بجريان الفضولية في النكاح عموماً (ما عدا الموارد التي ورد الإذن فيها)، فإن العقد هنا يمكن أن ينفذ بإجازته طبيعةً. وهذا ينكر الصحة الفعلية.

دراسة الصورة الثانية

وكانت الصورة الثانية هكذا: «إلا إذا كانت مصلحة ملزمة في تزويجه، و حينئذ لم يكن خيار الفسخ لا له و لا للمولّى عليه إذا لم يكن العيب من العيوب المجوزة للفسخ»؛ فالصورة الثانية هي ما لو كان الولي عالماً بعيب الشخص الذي زوّج المولى عليه منه، بيد أنه عقده عليه لوجود مصلحة ملزمة ومصلحة أقوى قبالة هذه العيوب (ولم يكن العيب من العيوب المجوزة للفسخ والموجبة للخيار)، فهذه هي الصورة الثانية؛ وفي هذه الصورة يقول: «لم يكن خيار الفسخ لا له و لا للمولى عليه»، فالعقد في هذه الفرضية صحيح ونافذ، وليس للولي ولا للمولى عليه خيار الفسخ.

والدليل واضح أيضاً؛ وهو أن القاعدة تقتضي الصحة ولا نص لدينا على الخلاف. فأولاً: كان للولي خيار وتصرف في تزويج هذا الشخص وكانت له الولاية على هذا العمل؛ وقد أسلفنا أنه إذا زوّج الولي المولى عليه، فلا خيار في الفسخ له ولا للمولى عليه. وعليه فإن المقتضي موجود والمانع مفقود.

وقد تقولون: إن هذا الشخص كان ذا عيب؛ والجواب: أن مصلحة ملزمة كانت في البين لا تقاس بها هذه العيوب ولا يؤبه لها في قبال تلك المصلحة. كما لو رضي بهذا الأمر حفظاً لنفس البنت، أو حفظاً لأموالها، أو حفظاً لسلامة البنت أو الولد. والعيب ليس من العيوب المجوزة للفسخ. بل حتى لو باشر الشخص بنفسه الزواج وواجه هذا العيب، لم يكن له حق فسخ النكاح؛ فطبيعة الأمر أن الولي إذا باشر ذلك، فلا حق في الفسخ. إذن، وفي النقطة المقابلة للصورة الأولى، يحكم بصحة هذا العقد ونفوذه ولزومه، ولا يثبت الخيار للولي ولا للمولى عليه، وقد علم دليله. فالولي كان مالكاً للتصرف والمصلحة موجودة والعيب ليس مما يوجب الخيار؛ وحتى لو بادر الشخص رأساً إلى الازدواج وصادف هذه العيوب، لم يكن له خيار الفسخ، فكيف بما هنا وقد زوجه وليه من الغير. ولذا فإن حكم الصورة الثانية واضح أيضاً.

دراسة الصورة الثالثة

أما الصورة الثالثة ففيها شيء من البحث؛ والعبارة في التحرير هي: «و إن كان منها فالظاهر ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد بلوغه»، فإذا كان العيب من العيوب الموجبة للخيار والمجوزة للفسخ، ثبت الخيار للمولى عليه بعد البلوغ. فالصورة الثالثة هي ما لو كان الولي عالماً بالعيب ويعلم أن هذا الولد أو البنت به عيب؛ والمصلحة الملزمة قائمة أيضاً؛ ولكن على خلاف الصورة الثانية، فإن العيب من العيوب الموجبة للخيار. فلو أن هذا الشخص زوّج نفسه من الغير ورأى مثل هذا العيب، لكان له حق الفسخ. ويقول الإمام (ره) بأن الظاهر هو ثبوت الخيار للمولى عليه. وهذا مشعر بوجود قول آخر في المسألة وهو عدم ثبوت الخيار.

وقد أشار الفاضل السيد إلى هذه المسألة بصراحة؛ حيث أفاد بأن في هذه الصورة وجهين ممكنين؛ ويذكر كلا الوجهين؛ بيد أنه يقول: إن ثبوت الخيار هو الأوجه. وعبارة السيد هي: «و إن كان منها» أي من العيوب المجوزة للفسخ، «ففي ثبوت الخيار للمولى عليه بعد بلوغه أو إفاقته و عدمه»، أي في ثبوت الخيار وعدم ثبوته… وما الدليل على عدم ثبوت الخيار؟ إن دليل ثبوت الخيار معلوم؛ وهو وجود العيوب المجوزة للفسخ. ولكن لمَ لا يثبت الخيار؟ «لأن المفروض إقدام الولي مع علمه به»، فالولي قد أقدم على هذا النكاح مع علمه واطلاعه على العيوب؛ فَلِمَ يثبت الخيار؟ لو كان جاهلاً لثبت الخيار؛ أما الآن وقد أقدم عن علم واطلاع، فلا يثبت الخيار هنا. «أوجههما الأول»، ومن هذين الوجهين، فإن الوجه الأكثر وجاهة هو الوجه الأول؛ أي ثبوت الخيار. «لإطلاق أدلة تلك العيوب و قصوره بمنزلة جهله»، لأن أدلة هذه العيوب مطلقة؛ فأدلة العيوب التي يمكن أن يثبت الخيار بموجبها مطلقة؛ سواء كان عالماً أم لم يكن. وعليه فهي تشمل هذا المورد أيضاً، لأنه وإن كان عالماً إلا أنه قصر ولم يبالِ؛ وهذا في حكم الجهل. «و علم الولي و لحاظه المصلحة لا يوجب سقوط الخيار للمولى عليه»، فالحال أن الولي كان عالماً والمصلحة كانت قائمة، ولكن بأي دليل يسلب الخيار من المولى عليه؟ فالعيب حاصل على كل حال وهو لا يريد العيش مع هذا الشخص طوال عمره. «و غاية ما تفيد المصلحة إنما هو صحة العقد فتبقى أدلة الخيار بحالها»، فأقصى ما تفيده هذه المصلحة هو صحة العقد؛ ولذا فإنه تبقى أدلة الخيار على حالها. وقد مزج السيد في بعض الموارد الفتوى بالاستدلال، وهذا المورد من تلك الموارد حيث ذكر استدلالاً مفصلاً نسبياً.

وحتى هنا ومن جهة الفتوى، فقد أفاد الإمام (ره): «فالظاهر ثبوت الخيار»؛ وأفاد السيد أيضاً: «أوجههما الأول» يعني ثبوت الخيار للمولى عليه.

وهنا يخطو السيد خطوة أبعد ويقول: بل يحتمل ثبوت الخيار للولي أيضاً؛ «بل ربما يحتمل ثبوت الخيار للولي أيضا»، وهذا ليس في متن التحرير؛ فهو يقول بأنه علاوة على ثبوت الخيار للمولى عليه، يحتمل أن نقول بثبوته للولي أيضاً. وبأي دليل يثبت للولي؟ «من باب استيفاء ما للمولى عليه من الحق» من باب أن من واجب الولي استيفاء حق المولى عليه، وهذا طريق لاستيفائه؛ فَلِمَ نمنع هذا الطريق ونسده؟ فالحال أن الولي قد قصر وزوجه؛ فَلِمَ نقول بأنك لا تسعك الإقالة وعليك الانتظار حتى إذا بلغ قرر بنفسه؟ بل يحتمل أن نقول بأن الولي نفسه له الخيار أيضاً. وطبيعة الحال أنه يقول في التتمة أمراً آخر ليس في التحرير أيضاً: «و هل له إسقاطه أم لا مشكل إلا أن يكون هناك مصلحة ملزمة لذلك»، فهل يسعه إسقاط حق الخيار هذا أم لا؟ أي إن الولي يسلب هذا الحق عن نفسه؛ فيفید بأن من المشكل القول بجواز ذلك؛ إلا أن تكون هناك مصلحة ملزمة في هذا الإسقاط عينه؛ أي إن لإسقاط الخيار مصلحة أيضاً، وإلا فلا معنى له وحتى الولي نفسه لا يسعه سلب هذا الحق عن نفسه. وهاتان النكتتان اللتان جاءتا هنا في عبارة العروة لم تفتتح بهما عبارة التحرير.

بناءً على هذا، لدينا في الصورة الثالثة ثلاثة أقوال بوجه ما: 1. ثبوت الخيار للمولى عليه دون الولي؛ 2. عدم ثبوت الخيار للمولى عليه؛ 3. ثبوت الخيار لهما. ويتعين علينا دراسة أي هذه الأقوال هو الحق؛ وهل ما أفاده الإمام في التحرير صحيح أم لا.