The news is by your side.

الجلسة الرابعة والخمسون، المسألة 10، أدلة الولاية مطلقاً، الدليل الثاني

الجلسة الرابعة والخمسون

المسألة 10 – أدلة الولاية مطلقاً – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: صحيحة محمد بن مسلم – تقريب الاستدلال – الإشكال الأول، والثاني، والثالث ودراستها

19 شعبان 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان البحث يدور في أنه هل يمكن للوصي الإقدام على تزويج الصغير والصغيرة أم لا؛ وذكرنا وجود ثلاثة أقوال في المسألة. القول الأول هو القول بالجواز؛ بمعنى أن الوصي يملك الولاية على هذا الأمر وله تزويج الصغير أو الصغيرة مطلقاً. وقد تُمُسِّكَ بعدة أدلة لإثبات هذا المدعى؛ وكان الدليل الأول هو الآيات حيث خضعت آيتان للدراسة. والدليل الثاني هو الروايات؛ وهي تنقسم إلى طائفتين: الطائفة الأولى هي الروايات التي استُدل بها بصفة مستقلة؛ والطائفة الثانية هي الروايات الواردة في ذيل قوله تعالى: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ).

تقريب الاستدلال بالرواية الأولى

لقد نقلنا في الجلسة السابقة رواية محمد بن مسلم من الطائفة الأولى؛ وهي قوله: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِوُلْدِهِ وَ بِمَالٍ لَهُمْ وَ أَذِنَ لَهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْمَالِ وَ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ». والرواية ناظرة إلى الوصية بالمضاربة؛ حيث كان للرجل عدة أولاد وله مال فأوصى قائلاً: اعمل بهذا المال وليكن الربح بينك وبينهم؛ فسُئل (ع) عن مثل هذا الفعل، فقال الإمام (ع): لا بأس به. فالرواية واردة في المضاربة، ومن الواضح أن موردها هو الوصية المالية؛ والوصية المالية مغايرة للوصية بالنكاح والتزويج. ولكن الإمام (ع) قد ذكر في ذيل الرواية تعليلاً للجواز بقوله: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ»؛ وهذا التعليل -على حد تعبير المرحوم السيد الخوئي- يتمتع بالعموم، ومقتضى عموم التعليل هو جواز تزويج الصغير أيضاً؛ لكون الإمام (ع) قال: «أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ»، فحيث أذن له أبوه في هذه المسألة حال حياته، وبما أن الأب كان يملك القيام بمثل هذا الفعل في زمان حياته وكان هذا الأمر تحت اختيار ولايته، فإنه إذا أوصى بهذا العمل كانت وصيته نافذة وسيكون بمقدور الوصي إنفاذها. إذن، فإن إذن الأب في حال حياته بالقيام بما كان تحت حيطة اختياره يملك عموماً يستوعب النكاح أيضاً؛ نظراً لأن الأب يملك الولاية حال حياته في تزويج الصغير والصغيرة من الغير. وبناءً عليه، فلو أوصى بالتزويج أيضاً، ثبت هذا الحق للوصي وبات بمقدوره القيام بهذا الفعل.

هذا هو تقريب الاستدلال بالرواية؛ ومقتضى عموم التعليل -بتعبير المرحوم السيد الخوئي- يثبت هذا المعنى. أي إن العلة المذكورة للجواز تشمل الوصية بالتزويج أيضاً.

السؤال:

الأستاذ: بأي دليل تقولون بالاختصاص؟ … إنه (ع) يقول: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ»، فقد أذن له أبوه وهو في قيد الحياة. وظاهر هذه الجملة أنه إذا أوصى الأب أو الولي للآخر بما هو تحت اختياره في زمان حياته، فإن ذلك يكون نافذاً. ولذا يذهب جماعة -كالمرحوم السيد الخوئي- إلى أن هذه الرواية -بواسطة هذا التعليل الوارد في ذيلها- تدل على نفوذ الوصية بالنكاح، ويمكن للوصي الإقدام على تزويج الصغير أو الصغيرة.

السؤال:

الأستاذ: مورد الرواية هو التجارة والمضاربة؛ نعم، لا ترديد في كون الرواية متعلقة بالمضاربة وأن الإمام (ع) يقول إن هذا الشخص قد أذن في ذلك وهو حي، ولكن ما هي العلة؟ الإذن في حال الحياة؛ وصحيح أن المورد هو المضاربة والتجارة، ولكن المورد ليس بمخصص. فما كان راجعاً إليه وتحت اختياره، إذا أذن فيه فهو نافذ.

السؤال:

الأستاذ: ذاك بحث آخر؛ فهو لا يقول أعطهم، بل يقول اتجر بهذا المال. وهذا لا بأس به ولا منافاة فيه مع ذلك أصلاً.

دراسة الرواية الأولى

لقد أُثير هنا إشكالان تجاه هذا الاستدلال.

الإشكال الأول

ومفاده أنه صحيح أن الرواية تدل على أنه لو أذن الأب حال حياته في أمور كالمضاربة وأوصى بهذا الأمر، فبما أن هذا المال راجع إليه وكان يملك الاختيار فأوصى، كانت وصيته نافذة؛ ولكن السؤال في أن وصية الأب بالتزويج هل هي جائزة أساساً أم لا؟ فهذا هو أول الكلام. ولقائل أن يقول: إن الوصية بتزويج الأولاد غير نافذة؛ وبتعبير آخر، فإن الوصية إنما تكون نافذة إذا كانت في الأمور المالية؛ أما أن يوصي في مورد النكاح وتكون هذه الوصية نافذة، فهذا لا يثبت بهذا التعليل. وهذا إشكال أورده بعض أساتذتنا على الاستدلال بهذه الرواية، وخلاصته أن عموم هذا التعليل ليس بنحو يستوعب موضوع بحثنا.

دراسة الإشكال الأول

إن هذا الإشكال ليس بوارِد؛ لكون ولاية الأب على أمر تزويج ولده الصغير أو الصغيرة أمراً مسلماً وهو في حيز اختياراته. وهذا التعليل: «أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ» يشمل هذا المورد أيضاً؛ لأن الأب حي وفي قيد الحياة، وكانت له الولاية على تزويج الصغير، وقد أذن في الشيء الذي يملك فيه الاختيار والولاية. والعلة في قول الإمام (ع): “لا بأس” هي أن أباه «قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ». فهل يريد هنا فقط القول بأنه قد أذن في الأمور المالية؟ إنه يقرر أن كل شيء ثابت له في حال الحياة، فكأنه يملك الإذن فيه. ولذلك نحن نوافق المرحوم السيد الخوئي في هذه الجهة، ويبدو أن عموم التعليل يمكنه إثبات جواز الوصية ونفوذها في التزويج.

السؤال:

الأستاذ: لو كان ثبوت نفوذ الوصية بالتزويج معلوماً من الخارج لكان التكليف معلوماً ولا بحث فيه؛ ونحن نستفيد هذا المعنى من هذه الجملة عينها: «أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ»؛ فقد سُئل عن مورد واحد وهو الوصية في الأمور المالية والتجارة والمضاربة، فقال: لِمَ لا بأس؟ «مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ»، فقد أذن الأب وهو حي؛ ومتى ما أذن لهذا العمل حال حياته، فلا بأس بهذا العمل للوصي. ولِمَ يثبت إذن الأب في حال حياته مشروعية هذا العمل ونفوذه؟ لأنه كان يملك هذا الحق حال حياته، وفي ذات الحال أيضاً أذن له في ذلك؛ أي إن المقتضي موجود والمانع مفقود. فهل كان الأب يملك الولاية على التزويج حال حياته أم لا؟ … ولم يشكل أحد هنا بأنه بما أن الأب قد فارق الدنيا فلا ولاية له؛ بل في ذلك الزمان الذي أذن فيه كانت ولايته ثابته؛ فقد أذن حال حياته، فكأن هذا الاختيار قد انتقل إليه. فلِمَ نقول إن هذه الوصية غير نافذة؟ وبأي مناسبة يكون إذنه نافذاً بالنسبة للأمور المالية؟ وهل أصدر الإمام (ع) هنا حكماً على خلاف القاعدة؟ قطعاً لا؛ فالإمام (ع) يقول: بما أنه كان يملك هذا الاختيار والحق وأذن له في حال الحياة، فإن هذه الوصية نافذة. وهذا الملاك ثابت بعينه في مورد النكاح أيضاً.

السؤال:

الأستاذ: هذا المال كان له … وقد ذكرت أن هذا لا مشكلة فيه، ولم يشكل أحد راجعاً إلى هذه الجهة بأن هذا لا يدل على جواز الوصية ونفوذها بالنسبة للمضاربة … «أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِوُلْدِهِ وَ بِمَالٍ لَهُمْ»، فقد أوصى بأولاده وبمال لهم؛ وحيث إن المال لهم؛ بمعنى أنه أوصى الآن وحال حياته بأن يكون هذا المال للأولاد. … وهذا لا تأثير له في هذه الجهة؛ فلو قال أحد لشخص: اذهب واعمل بمالي هذا، فهذا لا سؤال فيه أصلاً وكان واضحاً. إنما البحث في أنه أوصى لما بعد وفاته في هذا المال الذي تركه لهم بأن اتجر بهذا المال وقسم الربح بينك وبينهم. فلو كان مال نفسه وقال الآن اتجر بمالي، لكان هذا واضحاً ولا مشكلة فيه؛ ولكنه أوصى بهذا العمل. يعني كأنه قال: لتكن أمور أولادي تحت نظرك؛ وهذا المال لهم، ولكن لا تظن أنه بما أنه لهم فلا يجب عليك مسه؛ بل يمكنك التجارة بهذا المال وتأخذ ربحك منه وتجعل لهم ربحاً أيضاً. فلِمَ أذن له الأب؟ لأنه كان يملك هذا الحق ويرى هذه الولاية لنفسه؛ فقال الإمام (ع): لا بأس؛ «مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَي». فقد أذن أبوهم في حال كونه في قيد الحياة؛ وهذا كافٍ. ونحن نقول: هل الأب الذي له أن يزوج ولده بغيره حال حياته، لا يمكنه الإذن بأن يُفعل هذا العمل لاحقاً؟

السؤال:

الأستاذ: لقد ورد في متن الرواية: «رَجُلٍ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِوُلْدِهِ وَ بِمَالٍ لَهُمْ وَ أَذِنَ لَهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ»؛ وهذا إشكال آخر وهما مسألتان.

الإشكال الثاني

ولقائل هنا أن يقول: إن مسألة الإذن لهذا العمل والتجارة والمضاربة مغايرة للوصية؛ لكونه يقول: «أذن له عند الوصية أن يعمل بالمال»، إذن فلا ربط لهذا بالوصية.

دراسة الإشكال الثاني

والإجابة هي أن قوله: «أذن له عند الوصية» يشير إلى مضمون الوصية ومحتواها، لا أنه أوصى وصية ثم أذن له إداناً منفرداً بعد ذلك؛ بل إن نفس قوله “أذن له” هو جزء من الوصية. فهو يقرر أنه حينما كان يوصي، منحه هذا الإذن للقيام بهذا العمل. إذن فوصيته تشتمل على شيء يكون من جملة تلك الأمور وهو جواز العمل بهذا المال؛ أي كأنها وصية بالمضاربة. وهذا ليس بوعاء منفصل عن مسألة الوصية؛ بل يبين أمراً واحداً؛ والعرف يفهم من هذا وصية واحدة ومطلباً واحداً.

الإشكال الثالث

سلمنا بقبول إطلاق هذه الرواية، إلا أن هذا الإطلاق إنما يكون قابلاً للقبول في مورد الرواية فحسب، ولا يمكننا التعدي من مورد الرواية إلى غيره. نعم، الإطلاق موجود في العلة، ولكن دائرته تنحصر في ذات الأمور المالية والوصية بالمضاربة. وبتعبير آخر، فإن العلة التي أوردها الإمام (ع) إنما تكون قابلة للقبول في دائرة التصرفات المالية فحسب؛ لكون السائل قد سأل أنه هل يمكن للعامل التصرف في مال المضاربة الراجع لليتامى إذا مات الموصي بعد انعقاد المضاربة؟ فقال تبارك وتعالى: نعم، هو قد أذن في زمان حياته، فيمكنه التصرف بعد الوفاة أيضاً. والتفتوا إلى أن الأب قد دفع مالاً للمضاربة حال حياته أساساً وطلب من شخص التجارة بذلك المال. والآن فارق هذا الشخص الحياة؛ فهل يملك الحق في الاستمرار بالعمل بهذا المال كالسابق أم لا؟ يعني هل يعد عمله هذا بمجرد وفاة هذا الشخص تصرفاً في مال اليتيم؟ يقول الإمام (ع): لا بأس به. فليس بحث الرواية في القول بأن يكون هذا المال تحت اختيارك واعمل به بعد موتي، ليرد هذا الإشكال في كون المال لهم؛ بل إنه قد دفع مالاً الآن وقال اعمل به. ثم جعل شخصاً وصياً ليدفع ربح هذا المال لأولاده ثم فارق الحياة؛ وهو يسأل: هل يمكنه القيام بهذا العمل بعد وفاة هذا الشخص أم لا؟ فيقول الإمام (ع): يمكنه.

السؤال:

الأستاذ: مع كونه قد أوصى، فقد فعل هذا العمل أيضاً؛ أي كأن عملاً مالياً قد ابتدأ في زمان الحياة، والكلام في أنه هل يمكنه الاستمرار بهذا العمل بعد وفاته أم لا. … والفرض أن الأولاد صغار وهذا الشخص وصي أيضاً؛ وهذا الشخص نفسه الذي أبرم معه عقد المضاربة هو الوصي. فهل يمكنه الاستمرار بهذا المال والعمل به ويدفع لهم الربح؟ يقول الإمام (ع): نعم؛ فقد كان يملك هذا الاختيار والإذن في زمان الحياة، وأذن له في ذات الحال؛ فلِمَ نقول إنه لا يمكنه القيام بهذا العمل؟ بالشرح أيضاً في مورد النکاح. «مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَي»؛ وقوله أذن، إذن في ماذا؟ يعني في كل شيء له أن يجيزه؛ فقد كان يملك الحق في الإجازة والإذن. وهذا يستمر على هذا النسق.

وخلاصة الإشكال الثالث أنه لا يمكننا التعدي من مورد التعليل إلى غيره، ولو قلنا بأن العلة تملك عموماً أو إطلاقاً. فإذا كانت تملك إطلاقاً وعموماً، فإن هذا ينحصر في ذات مورد التعليل، أي في الأمور المالية؛ ولا يمكن بسط هذا الإطلاق لیشمل الأمور غير المالية أو النكاح مثلاً.

دراسة الإشكال الثالث

وهذا الإشكال ليس بوارِد أيضاً؛ لأنه وإن كان صحيحاً أن الرواية لم تقل بصراحة إن الأب قد أذن فيما يملك فيه الاختيار؛ لكون المستشكل نفسه يقول إنه لو قال هكذا بأن الأب قد أذن فيما يملك فيه الاختيار لكان التعدي من مورد التعليل قابلاً للقبول؛ ولكن بما أنه لم يقل هذا، فلا يمكننا التعدي من الأمور المالية إلى النكاح. وكلامنا هو أنه وإن لم يرد هذا التعبير في الرواية، إلا أنه من المعلوم أن المنظور هو هذا المعنى عينه. فالمستشكل نفسه يقول إنه لو قال هكذا لكان هذا التعدي مقبولاً؛ ونحن نقول إنه وإن لم يقل هكذا، إلا أنه من الواضح تماماً أن المعنى هو أنه قد أذن له في ذلك، أي قد أذن له في حدود اختياره، قد أذن له في ذلك المقدار الذي كان يتمكن منه؛ وإلا فإن الشيء الذي لم يكن تحت اختياره لا معنى لقولنا إنه أذن فيه ولم يكن يملك حق الإذن فيه أصلاً؛ بأن يأذن راجعاً لشيء لا ارتباط له به بتاتاً.

ولذلك يبدو أن رواية محمد بن مسلم -خلافاً للبعض- دالة في المقام وفاقاً للمحقق الخوئي.