الدرس التاسع والعشرون، المسألة السادسة، الفرض الثاني، القول الثاني
الدرس التاسع والعشرون
المسألة السادسة – الفرض الثاني – القول الثاني: بطلان العقد والمهر – أدلة القول الثاني – الدليل الأول، الثاني، الثالث والرابع – إشكال وجوابه
11 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق
يدور البحث حول العقد الذي يجريه الولي للصغير أو الصغيرة بأقل من مهر المثل أو بأكثر منه. وقد بينا أن ثمة ثلاثة أقوال في المسألة؛ القول الأول، والذي خضع للدراسة في الدرس السابق، هو القول بصحة العقد ولزومه ونفوذ المهر. وقد خلصنا إلى أن الأدلة التي أُقيمت على هذا القول غير تامة؛ إذ ذُكرت سبعة أدلة له، وقد سُجلت إشكالات عليها جميعاً.
القول الثاني: بطلان العقد والمهر
القول الثاني هو القول ببطلان العقد والمهر؛ بمعنى أنه لا العقد صحيح ولا المهر نافذ. وهذا القول قد تبناه المرحوم السيد في العروة، والتزم به جمع من الأعلام منهم المرحوم السيد الخوئي وآخرون. وقد قرأنا عبارة المرحوم السيد في العروة حيث قال: «أَقْوَاهُمَا الثَّانِي»؛ والثاني هو بطلان العقد والمهر معاً. كما صرح المرحوم السيد الخوئي قائلاً: «وَمِنْ هُنَا فَالصَّحِيحُ هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْمَاتِنُ (قُدِّسَ سِرُّهُ) مِنَ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِمَا مَعاً وِفَاقاً لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ»، وقد نسب هذا القول إلى كثير من الأصحاب القائلين ببطلان العقد والمهر معاً.
أدلة القول الثاني
في المجموع، ذُكرت ثلاثة أدلة للقول ببطلان العقد والمهر.
الدليل الأول
الدليل الأول هو أن العقد والمهر ليسا أمرين منفصلين عن بعضهما، بل تم إنشاؤهما بإنشاء واحد؛ أي عندما يُنشئ العاقد عقد النكاح، فإن عقد النكاح أو التزويج يكون مقيداً بمقدار معين يُسمى المهر. وفي الواقع، فإن المطلوب في هذا العقد واحد وليس متعدداً؛ فليس الأمر بحيث يكون لدينا مطلوبان، كما ذهب القائلون بصحة العقد وبطلان المهر من هذا الباب. وسنذكر دليلهم لاحقاً؛ فهم يقولون إن المسألة هنا من باب تعدد المطلوب؛ فمطلوب هو أصل التزويج، ومطلوب آخر هو المهر. والمهر هنا فيه إشكال، أما المطلوب الآخر فلا إشكال فيه. ويستدل المرحوم السيد الخوئي، تبعاً لبعض الفقهاء الآخرين، بأن ما أُنشئ في هذا النكاح ليس تزويجاً مطلقاً، بل هو تزويج مقيد بقيد المهر؛ وعندما يقع إشكال في المهر، فإن المقيد يقع فيه إشكال أيضاً؛ “إِذَا انْتَفَى الْقَيْدُ انْتَفَى الْمُقَيَّدُ”. ومشكلة المهر هنا هي أنه أقل من مهر المثل، وهذا يوجب ضرراً على المولى عليه؛ فالمولى عليه قد تكبد خسارة، وبما أن المهر قيد للتزويج والمطلوب فيهما أمر واحد، فإن الإشكال الذي يطرأ في ناحية المهر، يوجب إشكالاً في العقد نفسه أيضاً. وذلك لأن هذا العقد النكاحي مقيد بهذا المهر؛ وإنشاء هذا النكاح بهذا المهر يُعدّ مطلوباً واحداً. إذن، فوحدة الإنشاء أو وحدة المطلوب في هذا المقام، تقتضي أنه إذا كان المهر مورداً للإشكال، فإن العقد نفسه يقع فيه الإشكال أيضاً. وذلك لأن التزويج قد تم بهذا المهر؛ وهذا النكاح قد أُنشئ بهذا المقدار من المهر. فهما شيء واحد؛ وليسا شيئين متغايرين. وعندما يقع خلل في إحدى النواحي، فكأن الخلل قد وقع في الكل.
الدليل الثاني
لو سلمنا أن هذه المسألة من باب تعدد المطلوب، وليست من باب وحدة المطلوب؛ أي لو قلنا إنه صحيح أن نكاحاً واحداً قد أُنشئ، ولكن هذا النكاح ذو مطلوبين. فمطلوب هو النكاح نفسه، ومطلوب آخر هو المهر. فإذا وقع إشكال في المهر، فلا دليل على أن نعد العقد مشكلاً أيضاً؛ فهذا نظير “بَيْعِ مَا يُمْلَكُ وَمَا لَا يُمْلَكُ”. فلو باع شخص شيئين معاً، وكان أحدهما قابلاً للملكية كجميع المباحات، والآخر غير قابل للملكية (سواء بنظر العرف أو الشرع)؛ كما لو اشترى الخمر والخل معاً؛ فهنا الخمر لا يمكن أن يكون مُلكاً شرعاً وهو مما لا يُملك، أما الخل فهو قابل للملكية. وصحيح أنه تم التعامل عليهما ببيع واحد، ولكنهما بنظر العرف والعقلاء يُعدان مطلوبين؛ فمطلوب هو الخمر، ومطلوب آخر هو الخل. فإذا كان أحد المطلوبين فيه إشكال، فلا دليل على أن يكون المطلوب الآخر فيه إشكال أيضاً؛ وبحسب الاصطلاح، فإن هذا الإنشاء في قوة الإنشاءات المتعددة. فلو سلمنا أن “ما نحن فيه” هو أيضاً من قبيل تعدد المطلوب، أي لو غضضنا الطرف وتنزلنا عن الدليل الأول وقلنا إن هذا في قوة الإنشاء المتعدد، وكأن هناك إنشاء لنسبة أصل التزويج، وإنشاء لنسبة المهر، ولكن الإشكال الآخر هو أنه لو قلنا ببطلان العقد والمهر (وهو ما صرح به المرحوم السيد والمرحوم السيد الخوئي أيضاً)، فلن يكون هناك تطابق بين الإيجاب والقبول؛ لأن الزوج قد تحدث قبل العقد وحدد مهراً، وقبل العقد بمهر معين. إذن فالإيجاب بالنسبة للتزويج ليس خالياً من المهر؛ فالمهر والتزويج معاً هما متعلق الإيجاب. فهو يقول: “زَوَّجْتُ مُوَكِّلَتِي عَلَى الْمَهْرِ الْمَعْلُومِ”؛ إذن الإيجاب قد تعلق بالتزويج بهذا المهر. فلو أُريد للقبول أن يتوجه إلى المهر فقط وأن يكون العقد صحيحاً، فإن لازم ذلك هو ألا يحصل تطابق بين الإيجاب والقبول.
وعليه، فإن الدليل الثاني يريد في الواقع القول بأنه لا يمكن الحكم ببطلان المهر وصحة العقد؛ لأنه لو كان المهر باطلاً والعقد صحيحاً، فإن ذلك يستلزم تالياً فاسداً وهو عدم التطابق بين الإيجاب والقبول، وبما أن عدم التطابق بين الإيجاب والقبول غير مقبول، فإن هذا القول إذن غير مقبول أيضاً؛ أي القول ببطلان المهر وصحة العقد. إذن فالدليل الثاني هو كأنه قياس استثنائي؛ لو قلنا بصحة العقد دون المهر لزم منه عدم تطابق الإيجاب والقبول، ولكن التالي باطل، أي أن عدم تطابق الإيجاب والقبول باطل، فالمقدم مثله، والمقدم هنا هو القول بصحة العقد وبطلان المهر.
الدليل الثالث
الدليل الثالث أيضاً مبني على فرض قبول تعدد المطلوب وتعدد الإنشاء؛ فالدليل الأول قد أُقيم على فرض أن المقام من قبيل وحدة المطلوب؛ أي أن التزويج والمهر معاً هما مطلوب واحد، لأن التزويج مقيداً بقيد هذا المهر قد أُنشئ؛ ولذا فبالإشكال الذي يطرأ في ناحية المهر (القيد)، فإن أصل العقد (المقيد) يقع فيه الإشكال أيضاً. أما الدليل الثاني والثالث فهما مبنيان على فرض التنزل عن الدليل الأول وقبول هذا المبنى القائل بأن “ما نحن فيه” من قبيل تعدد المطلوب؛ أي كأن العقد نفسه مطلوب والمهر مطلوب آخر؛ فهذا النكاح وإن كان بظاهره إنشاءً واحداً، إلا أنه في قوة الإنشاءات المتعددة. إذن فالدليل الثالث يُقام بهذا الفرض أيضاً.
وهذا أيضاً قياس استثنائي؛ فهو يقول: لو قلنا ببطلان المهر وقلنا بما أن المهر المسمى أقل من مهر المثل فهو باطل، وقلنا بالرجوع إلى مهر المثل، فإن هذا يوجب ضرراً على الزوج في صورة، ويوجب ضرراً على الزوجة في صورة أخرى؛ ولكن الضرر على الزوج والزوجة غير صحيح؛ إذن فالقول ببطلان المهر دون العقد غير صحيح. إذن ففي الواقع هذه الأدلة ناظرة إلى نفي القول التالي؛ أي القول بصحة العقد وبطلان المهر؛ وهو نفس القول الذي التزم به الإمام (رضي الله عنه) في متن التحرير. وقد تبنى المرحوم الشيخ الأنصاري هذا القول أيضاً، خلافاً لصاحب العروة. فرأي سماحة الإمام هنا يختلف عن رأي صاحب العروة؛ إذ قال الإمام: «فَالْأَقْوَى صِحَّةُ الْعَقْدِ وَلُزُومُهُ وَبُطْلَانُ الْمَهْرِ»، في حين أن المرحوم السيد يرى بطلانهما معاً. وهذا الدليل هو في الواقع في مقام نفي هذا القول.
فلو قلنا إن المهر باطل والعقد صحيح، فإن هذا يستلزم ضرراً على الزوج، في المورد الذي زُوجت فيه البنت بأقل من مهر المثل. فمثلاً لو كان يجب أن يكون مهرها مليون تومان، ولكنه الآن خمسمائة ألف تومان؛ فقد قلنا إن بطلان المهر يعني أن المهر المسمى غير نافذ ويُرجع إلى مهر المثل؛ أي أن تتحول هذه الخمسمائة ألف تومان إلى مليون تومان. وهذه الزيادة في المهر من المهر المسمى إلى مهر المثل توجب ضرراً على الزوج؛ فالزوج قد قَبِل بهذه المرأة بهذا المهر؛ والآن لو تحول مهرها إلى مليون تومان، فإن ضرراً وخسارة بمقدار خمسمائة ألف تومان تلحق بهذا الشخص، وهذا الضرر غير مقبول. والأمر كذلك في ناحية الزوجة؛ فافرضوا أن أباً زوّج ابنه بمهر أكثر من مهر المثل؛ فمثلاً مهر مثل هذه البنت مليون تومان ولكن هذا الرجل قد جعل مليوني تومان مهراً لابنه. فلو قلنا إن هذا المهر باطل ويجب الرجوع إلى مهر المثل وتتحول هذه المليونا تومان إلى مليون تومان، فإن هذا يوجب ضرراً على الزوجة. ولكن الضرر منتفٍ سواء على الزوج أو على الزوجة. والنتيجة هي أن القول بصحة العقد وبطلان المهر غير مقبول.
الدليل الرابع
يمكن إقامة دليل رابع هنا أيضاً، وبالطبع هذا الدليل يجدي في فرض الشك؛ أي لو شككنا في صحة هذا العقد من عدمه، فإن “أصالة الفساد” تقتضي الحكم ببطلان هذا العقد. إذن فلا يمكننا أيضاً القول بصحة العقد دون المهر.
هذه هي الأدلة الأربعة بمجموعها التي ذُكرت في هذا المقام.
إشكال
هنا يُطرح إشكال وشبهة، وهو أنكم تقولون إنه لا يمكن أن يكون المهر باطلاً والعقد صحيحاً؛ وذلك لأنهما من قبيل وحدة المطلوب؛ فالعقد والمهر مطلوب واحد؛ الإنشاء واحد والمطلوب واحد أيضاً. فلو وقع إشكال في المهر مثلاً، فإن العقد يقع فيه إشكال أيضاً. وهذا في الواقع هو مدعى القائلين بالقول الثاني. الإشكال هو أن المشهور والشائع في الفقه هو أن ذكر المهر في متن العقد ليس بواجب؛ بمعنى أنه لو نسي شخص مثلاً ذكر المهر في العقد، فإن العقد هنا ليس بباطل ويُرجع إلى مهر المثل. أو لو أن شخصاً مثلاً جعل شيئاً غير قابل للملكية مهراً، فإن هذا لا يوجب بطلان العقد؛ كما لو جعل خمراً أو شراباً مهراً؛ فهنا لم يفتِ أحد ببطلان العقد، بل يُرجع إلى مهر المثل. وهذا يدل على أن المهر يُعد أمراً مستقلاً عن العقد؛ إذن فهاتان الفتويان تدلان على استقلال هذين الأمرين وتعدد المطلوب؛ فهما تدلان على أن العقد مطلوب والمهر مطلوب آخر. فلو كان مقرراً أن يكونا مطلوباً واحداً ومن قبيل القيد والمقيد، للزم أن ينتفي المقيد بانتفاء القيد؛ وللزم أن يفسد العقد بفساد المهر؛ وللزم أن يبطل العقد بعدم ذكر المهر. في حين أن فتوى الفقهاء في هذين الموردين تحكي عن أنه يمكن أن يكون العقد صحيحاً والمهر فاسداً وباطلاً. فهو يقول إنه لو لم يُذكر المهر، فإن العقد لا يبطل؛ ولو جُعل شيء مهراً لا يمكن أن يقع مهراً، فإن العقد أيضاً لا يبطل. ولذا فالشبهة والإشكال على القول الثاني هو: لماذا تقولون إن هذين من قبيل وحدة المطلوب؟ فهذا خير شاهد على أنهما من قبيل تعدد المطلوب.
السؤال: …
الأستاذ: كأن المستشكل يريد القول بأن هذا بنفسه يدل على أن المسألة ليست من قبيل وحدة المطلوب، وليست من قبيل القيد والمقيد؛ وإلا لما جاز الإفتاء بمثل ذلك.
الجواب
في الإجابة على هذا الإشكال قالوا إن الفتوى بعدم وجوب ذكر المهر في العقد، لا تعني أنه لو لم يوجد مهر فإن العقد لا يبطل. فالبحث هو في ذكر المهر في العقد وإلا فالمهر معين ومعلوم؛ فقد تحدثوا عنه، غير أنه لم يُذكر في متن العقد. فعدم ذكر المهر غير عدم المهر؛ فلو افترضتم أن شخصاً أوقع عقداً وأنشأ نكاحاً وكان قصده ألا يجعل مهراً، فإن هذا العقد باطل قطعاً. فبحث الأعلام وفتواهم ناظرة إلى المورد الذي يوجد فيه قصد لتعيين المهر ولا يريدون إيقاع عقد بلا مهر؛ غير أنهم نسوا أو لم يذكروه في متن العقد. وقد قالوا إن هذا لا يوجب البطلان ويُرجع إلى مهر المثل، ويُكتفى به بحسب الواقع. أما في مورد المهر الفاسد، فقد قُبل أصل المهر، والمشكلة هي أنهم جعلوا شيئاً مهراً لا يقبل الملكية. إذن فأصل القيد موجود، ولكن بما أنه حرام في نظر الشارع، فإن الشارع كأنه يبدله بمهر حلال وهو مهر المثل نفسه. إذن فهاتان الفتويان لا يمكنهما أن تكونا شاهداً على استقلال المهر عن النكاح؛ ولا يمكنهما أن تكونا شاهداً على تعدد المطلوب. فهنا يُعد هذا النكاح والمهر مطلوباً واحداً، فلو خُدش المهر، فإن العقد نفسه يُخدش أيضاً.
هذا محصل القول الثاني وأدلته الأربعة والشبهة التي وردت عليه وجوابها.
بحث الدرس القادم
القول الثالث هو قول الشيخ الأنصاري والإمام (رضي الله عنه)، أي القول بصحة العقد وبطلان المهر. وقد تبنى الإمام في التحرير القول الثالث. ويجب أن نرى ما هو دليل القول الثالث، وما هو الجواب الذي يمكن تقديمه على القول الثاني.