الدرس الأربعون، المسألة 8، البيان الإجمالي للمسألة
الدرس الأربعون
المسألة 8 – البيان الإجمالي للمسألة – الجهات الثلاث المؤثرة في صور المسألة – الصور الخمس – كلام السيد – خلفية المسألة
7 رجب 1447 هـ
المسألة 8
«إذا زوج الوليّ المولّى عليه بمن له عيب لم يصح و لم ينفذ سواء كان من العيوب الموجبة للخيار أو غيرها ككونه منهمكا في المعاصي و كونه شارب الخمر أو بذيء اللسان سيئ الخلق و أمثال ذلك، إلا إذا كانت مصلحة ملزمة في تزويجه، و حينئذ لم يكن خيار الفسخ لا له و لا للمولّى عليه إذا لم يكن العيب من العيوب المجوزة للفسخ و إن كان منها فالظاهر ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد بلوغه، هذا كله مع علم الولي بالعيب، و إلا ففيه تأمل و تردد و إن لا تبعد الصحة مع اعمال جهده في إحراز المصلحة، و على الصحة له الخيار في العيوب الموجبة للفسخ، كما أن للمولى عليه ذلك بعد رفع الحجر عنه، و في غيرها لا خيار له و لا للولي على الأقوى».
البيان الإجمالي للمسألة
تتناول المسألة الثامنة حكم تزويج الولي للمولّى عليه بمن به عيب؛ وكما أشرنا في الجلسة السابقة، فإنه إذا أقدم الولي على تزويج المولّى عليه من شخص يعاني من عيب ما، تتصور هنا صور مختلفة. وسأعرض أولاً الصور الكلية للمسألة متبوعة بالحكم الوارد في متن التحرير، ثم ننتقل بعد ذلك لدراسة هذه الصور واحدة تلو الأخرى.
الجهات الثلاث المؤثرة في صور المسألة
إذا أردنا بيان الجهات المؤثرة في تصوير شقوق المسألة الثامنة، فهي ثلاث جهات رئيسية: الجهة الأولى: أن تزويج الولي في هذا الفرض تارة يكون مع علم الولي بالعيب، وأخرى مع جهله به؛ وهذه هي الجهة الأولى التي يمكن ذكرها هنا. فالعاقد الولي حينما يريد تزويج المولّى عليه من طرف آخر ذي عيب، قد يكون عالماً بعيب ذلك الطرف (زوجاً كان أو زوجة) وقد يكون جاهلاً به. الجهة الثانية: أن هذه العيوب تنقسم إلى قسمين؛ فهي تارة من العيوب الموجبة للخيار، كما ورد التصريح في بعض الروايات بالعيوب التي تثبت الخيار للزوج أو الزوجة بفسخ النكاح جراء وجودها. وتارة أخرى تكون من جملة العيوب التي لا توجب الخيار. الجهة الثالثة: وهي أن هذا التزويج تارة تكتنفه مصلحة ملزمة، وأخرى تترتب عليه مفسدة؛ أي يكون على خلاف المصلحة ولا تنطوي عليه أي مصلحة أصلاً. وثمة جهة أخرى قد لا تحظى بأهمية كبرى ولا تؤثر في أصل المسألة، وهي: هل بذل الولي جهده لإحراز المصلحة أم أنه لم يكترث ولم يبذل أي جهد في هذا السبيل؟
الصور الخمس
بالالتفات إلى هذه الجهات المذكورة، نجد أنه إذا كان الولي عالماً بوجود العيوب، فهذا ينقسم إلى صورتين: تارة تكون هناك مصلحة إلزامية في هذا التزويج، وأخرى لا تكون. وإذا كانت المصلحة الإلزامية قائمة، فالعيب تارة يكون من العيوب الموجبة للفسخ، وأخرى لا يكون منها. وأما في فرض جهل الولي بالعيب، فإنه إذا بذل جهده واستفرغ وسعه في إحراز المصلحة، فلا تبعد الصحة؛ وإذا حُكم بالصحة، ثبت له الخيار (أي للولي) وللمولّى عليه في العيوب الموجبة للفسخ، وأما إذا لم تكن العيوب موجبة للفسخ، فلا خيار لهما.
هذا هو التصوير الإجمالي لصور هذه المسألة، وعليكم الآن التدقيق في حكم كل واحدة منها كما ورد في متن المسألة الثامنة. إذا كان الولي عالماً بالعيب وكانت المصلحة قائمة في هذا التزويج، يثبت الخيار للمولّى عليه في العيوب الموجبة للفسخ؛ وأما في العيوب الأخرى -أي العيوب التي لا توجب الفسخ- فلا خيار لهما. وهذه هي جملة الصور المتعلقة بفرض علم الولي بالعيوب؛ إذ ينفتح هذا الفرض على ثلاث أو أربع صور. ودققوا في هذه العبارة من التحرير، فإن القسم الأول منها يشير بدقة إلى هذه الصور:
الصورة الأولى
«إذا زوج الوليّ المولّى عليه بمن له عيب»، إذا أقدم الولي على تزويج المولّى عليه من شخص ذي عيب، «لم يصح و لم ينفذ»، فهذا التزويج غير صحيح ولا نافذ. «سواء كان من العيوب الموجبة للخيار أو غيرها»، أي سواء كان ذلك العيب من العيوب التي ترتب الخيار أو من غيرها مما لا يوجب الخيار؛ «ككونه منهمكا في المعاصي»، والمقصود به الشخص الذي يجدّ ويجتهد في اقتراف المعاصي، وبتعبير البعض هو من يبالغ في ارتكاب الذنوب، كأنه يتقصى المعصية ويسعى خلفها، لا أنه تزل قدمه بذنب ينأى عنه بعد حين. «و كونه شارب الخمر»، أي أن يكون مدمناً على شرب الخمر؛ «أو بذيء اللسان سيئ الخلق و أمثال ذلك»، كأن يكون فاحش القول أو بذيء الكلام أو سيئ المعاملة والخلق. فهذه الأمور تُعد عيوباً أيضاً، لكنها من العيوب التي لا توجب فسخ النكاح. «إلا إذا كانت مصلحة ملزمة في تزويجه»، إلا إذا قامت مصلحة ملزمة تقتضي تزويجه. وعليه، فإن السياق المتقدم حتى الاستثناء «إلا» ناظر إلى الموضع الذي يزوج فيه الولي المولّى عليه من دون أي مصلحة تذكر. وهذا الفرض المفتقر إلى المصلحة صاغه المغفور له السيد في العروة بعبارة «على خلاف المصلحة»، وقد علّق بعض الأعاظم كالمحقق الخوئي بأن في هذا التعبير مسامحة واضحة؛ إذ ليس المراد بـ «على خلاف المصلحة» مجرد عدم المصلحة، بل المراد هو المفسدة والإشارة إلى وجودها. وهنا أيضاً فإن قوله «إلا إذا كانت مصلحة ملزمة في تزويجه» يعني أن الولي يزوج المولّى عليه بلا مصلحة بل مع وجود مفسدة من شخص يتصف بهذه العيوب، سواء كانت عيوباً موجبة للفسخ أم غير موجبة له. ولم يذكر الإمام قيد «العلم» في مستهل المسألة، بل أورده بعد بضعة أسطر بقوله «هذا كله مع علم الولي بالعيب»، مما يعني أن جميع الصور المتقدمة تختص بحالة علم الولي بالعيب.
إذن، فالصورة الأولى ترتبط بكون الولي عالماً بالعيب مع انتفاء أي مصلحة ملزمة في هذا التزويج. وقد حكم الإمام في هذه الصورة بعدم الصحة والنفوذ والبطلان، بل إنها لا تتوقف على الإجازة اللاحقة.
الصورة الثانية
تتحقق الصورة الثانية عندما يكون الولي عالماً بالعيوب، بيد أن العيب المشخص ليس من العيوب المجوزة للفسخ؛ كأن يعلم بأن الطرف الآخر بذيء اللسان. فهو إذن عالم بالعيب، لكنه من العيوب التي لا توجب الفسخ. والحكم هنا هو أنه لا خيار لهما؛ «و حينئذ»، أي عند قيام المصلحة، «لم يكن خيار الفسخ»، فلا يثبت خيار الفسخ أصلاً؛ «لا له و لا للمولّى عليه»، فلا حق فيه للولي ولا للمولّى عليه، شريطة أن يكون ذلك «إذا لم يكن العيب من العيوب المجوزة للفسخ».
الصورة الثالثة
تتمثل الصورة الثالثة في كون الولي عالماً بالعيب، مع كون العيب من العيوب الموجبة للفسخ؛ وهنا يقرر المتن: «و إن كان منها»، أي من العيوب المجوزة للفسخ، «فالظاهر ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد بلوغه»، فيثبت الخيار هنا للمولّى عليه بعد بلوغه سن الرشد، ولم يثبت الخيار للولي، بل قيده بالمولّى عليه مشروطاً ببلوغه. «هذا كله مع علم الولي بالعيب»؛ وكما أسلفت، لم يشر المتن إلى هذا القيد في صدر المسألة، بل عقّب به في نهاية هذه الصور الثلاث.
السؤال: …
الأستاذ: كانت الصورة الأولى مقيدة بعدم وجود المصلحة، بينما الصورة الثانية مقيدة بوجود المصلحة. وفي فرض انتفاء المصلحة، لا فرق بين كون العيوب مجوزة للفسخ أو غير مجوزة؛ أما في فرض قيام المصلحة، فقد فرّق المتن بين هذين الصنفين من العيوب؛ فقرر أنه إذا كانت العيوب مما لا يجوز الفسخ بها فلا خيار لهما، أما إذا كانت من العيوب المجوزة للفسخ فالخيار يثبت للمولّى عليه بعد البلوغ. وهذه الصور الثلاث جمعاء تندرج تحت فرض علم الولي بالعيوب.
الصورة الرابعة
«و إلا»، أي إن لم يكن الولي عالماً بل كان جاهلاً بالعيوب، «ففيه تأمل و تردد»، فالأمر هنا دائر بين التردد في الصحة وعدمها؛ إذ يمكن تقريب الصحة من جهة، ونفيها من جهة أخرى. «و إن لا تبعد الصحة مع اعمال جهده في إحراز المصلحة»، وإن كان لا يبعد الحكم بالصحة في هذا الفرض، شريطة أن يكون الولي قد استفرغ وسعه وبذل تمام جهده لإحراز المصلحة؛ بمعنى أنه درس الأمر ملياً وفحص عنه حتى استبان له وجود المصلحة، ولم يكن يعلم بعيب الطرف الآخر، فبذل ما في وسعه وبدا له أن هذا التزويج ينطوي على مصلحة، فهنا يقول المتن بأنه لا يبعد القول بالصحة. ويتعين أولاً بناء الأمر على الصحة، ثم الالتفات إلى ثبوت الخيار من عدمه. وهنا يقول: «لا تبعد الصحة». ثم يعقب: «و على الصحة له الخيار في العيوب الموجبة للفسخ، كما أن للمولى عليه ذلك بعد رفع الحجر عنه»، فإذا التزمنا بصحة هذا العقد، يسوغ لنا القول بثبوت الخيار للولي في العيوب الموجبة للفسخ، كما يثبت ذلك للمولّى عليه في هذا الصنف من العيوب، بيد أن هذا الخيار يتقيد ثبوته بصلاحية الإعمال بعد رفع الحجر عنه؛ فإن كان صغيراً فبعد البلوغ، وإن كان سفيهاً فبعد رفع السفه، وكل مورد بحسبه.
الصورة الخامسة
«و في غيرها لا خيار له و لا للولي على الأقوى»، أما في غير العيوب الموجبة للفسخ، فلا خيار للولي ولا للمولّى عليه. فالإمام في فرض الجهل بالعيوب يحكم بالصحة بعد تخطي مرحلة التأمل والتردد، حيث يقول: «و إلا ففيه تأمل و تردد و إن لا تبعد الصحة»، بشرط بذل تمام الجهد لإحراز المصلحة. إذن، فهو لا يستبعد الحكم بالصحة، ولكنه يشقق هذا الفرض أيضاً إلى صورتين؛ تارة تكون العيوب موجبة للفسخ وأخرى لا تكون. ففي العيوب الموجبة للفسخ، يثبت الخيار للولي والمولّى عليه معاً؛ أما في غيرها -أي العيوب التي لا توجب الفسخ- فلا يثبت الخيار. والمتحصل أن مجموع الصور الناشئة في المسألة الثامنة بالالتفات إلى الجهات الثلاث قد بلغ خمس صور؛ أي إن المسألة الثامنة تتضمن خمس صور وفقاً لما جاء في متن التحرير. وعلينا الآن خوض البحث فيها واحدة تلو الأخرى.
کلام السيد
لقد أورد المغفور له السيد في العروة هذا الترتيب عينه تقريباً؛ حيث قال: «لا يجوز للولي تزويج المولى عليه بمن به عيب … و أما إذا كان الولي جاهلا»، أي إنه قدّم أولاً ذكر الصور المتعلقة بعلم الولي، ثم تعرّض للشرط الذي يكون فيه الولي جاهلاً. ولما كان متن المسألة العاشرة في العروة مستفيضاً وطويلاً، فإن قراءته من أوله إلى آخره تستغرق وقتاً طويلاً؛ إلا أن الإطار العام لبيان العروة يطابق تماماً الإطار الذي خطّه الإمام في متن التحرير. نعم، ثمة تفصيلات وإضافات في متن العروة سنشير إليها في موضعها؛ أي عند دراسة هذه الصور تفصيلاً، حيث سنتعرض إن شاء الله تعالى لأوجه التمايز والاختلاف بين العروة والتحرير.
خلفية المسألة
إن أصل هذه المسألة كان مطرحاً في كلمات الفقهاء المتقدمين منذ القِدم، ولكن بصياغة كلية إجمالية من دون تشقيق للشقوق وتفصيل للصور؛ فقد تعرض لأصل تزويج المولّى عليه بمن به عيب كبار الفقهاء من الشيخ الطوسي إلى العلامة والمحقق، دون الولوج في هذه التفصيلات؛ كبحث علم الولي وجهله مثلاً. وصحيح أن عبارات الشيخ الطوسي لم تفرّق صراحة بين العيوب الموجبة للفسخ وغيرها، إلا أن النماذج والأمثلة التي ساقها للعيوب تندرج بأسرها ضمن العيوب الموجبة للفسخ.
حيث قال الشيخ الطوسي في المسألة 49 من كتاب الخلاف: «للأب أن يزوج بنته الصغيرة بعبد أو مجنون، أو مجذوم، أو أبرص، أو خصي»؛ وعقّب في المسألة التالية بقوله: «إذا زوجها من واحد ممن ذكرناه، صح العقد»، فإذا زوج الأب ابنته من أحد هؤلاء الأشخاص فالطلب صحيح والعقد نافذ، ولم يفرّق هنا بين صورتي العلم والجهل. وصحيح أنه لم يذكر عنوان العيوب الموجبة للفسخ أو غيرها، إلا أن الأمثلة المضروبة تعود للعيوب الموجبة للفسخ، ومع ذلك كله فقد حكم بالصحة.
وفي عبارات من تلاهم كالمحقق في الشرائع، حظيت مسألة العيوب الموجبة للفسخ بالتصريح؛ إذ جاء في عبارة المحقق في الشرائع: «السادسة إذا زوجها الولي بالمجنون أو الخصي صح و لها الخيار إذا بلغت و كذا لو زوج الطفل بمن بها أحد العيوب الموجبة للفسخ»؛ وهنا لم يُطرح بحث العلم والجهل، غير أن العيوب الموجبة للفسخ ذُكرت صراحة. ونظير هذا التبيين ورد في عبارة العلامة في التذكرة، حيث أشاروا إلى العيوب الموجبة للفسخ وغيرها.
أما مسألة المصلحة فقد تعرّض لها العلامة في القواعد بقوله: «هل يثبت للأولياء الخيار؟ الوجه ذلك مع مصلحة المولى عليه». وعلى أية حال، كلما تقدم الزمن وتأخرت الطبقات الفقهية، زاد تشقيق الشقوق وتصوير الحالات. ومع ذلك، فإن التفصيل بين صورتي العلم والجهل لا يكاد يُلمس في عبارات المتقدمين، بل إنما انعكس في كلمات المتأخرين كالمرحوم السيد ومن عاصره أو تلاه. وحتى صاحب الجواهر لم يتعرض لجميع هذه الصور بتفاصيلها؛ كفرض العلم، وفرض الجهل، وكون المصلحة قائمة أو منتفية. نعم، إن العيوب الموجبة للفسخ وغير الموجبة له دخلت حيز العناية والاهتمام منذ عهد المحقق في الشرائع، ولكن بعض الجهات التي أشرت إليها في مستهل الكلام غابت عن كلمات المتقدمين وحضرت في كلوت المتأخرين.
بحث الجلسة المقبلة
وخلاصة القول أننا أمام خمس صور ناشئة في هذا المقام، ويتعين علينا إخضاع هذه الصور الخمس للبحث والتحقيق الموازن.