الدرس السابع والأربعون، المسألة 9، أدلة استحباب استئذان الأب والجد
الدرس السابع والأربعون
المسألة 9 – أدلة استحباب استئذان الأب والجد – الدليل الأول: الروايات الخاصة – إشكال وجوابه – الدليل الثاني: الروايات المطلقة – إشكال وجوابه
7 صفر 1407 هـ
المسألة 9
تكلمنا في الجلسة الماضية حول المسألة التاسعة، وبيّنّا أن الموضوع يدور مدار المرأة التي تُعدّ مالكةً لأمرها في النكاح؛ حيث فُصلت في هذا السياق ثلاثة ادعاءات أو ثلاثة أحكام شرعية. وأوضحنا أن القدر المتيقن من هذا الموضوع هو الثيب، غير أنه يشمل البكر الرشيدة أيضاً بناءً على بعض المباني الأصولية والفقهية؛ وتحديداً بناءً على القول باستقلال البكر الرشيدة في أمر النكاح، لا القول بالاشتراك مع الأب أو القول بثبوت الولاية المطلقة للأب عليها؛ بل يكون الاختيار بتمامه بيدها. وكان الادعاء الأول يقرر استحباب استئذانها من أبيها أو جدها؛ وقد أشرنا إلى إقامة عدة أدلة لتثبيت هذا المدعى.
والدليل الأول يتجسد في الروايات الخاصة؛ والمقصود بالروايات الخاصة هنا هي تلك النصوص التي دلت بخصوصها على لزوم استئذان البكر الرشيدة من أبيها أو جدها؛ غير أننا أوضحنا أنه نظراً لورود روايات أخرى معارضة تنفي لزوم الاستئذان وتدل على استقلال البكر الرشيدة في أمر النكاح، فإن مقتضى الجمع العرفي بينهما يوجب حمل تلك الروايات على الاستحباب. وعليه، فإن تقريب الاستدلال بهذه الروايات لإثبات استحباب الاستئذان يرتكز على رفع اليد عن ظهورها في الوجوب وحملها على الاستحباب بقرينة الروايات النافية للزوم؛ وقد نقلنا سابقاً عدة روايات تصب في هذا السياق وكانت من الروايات الخاصة.
إشكال
وقد أورد صاحب الحدائق (قدس سره) هنا إشكالاً حكاه عنه صاحب الجواهر (قدس سره) أيضاً؛ ومفاده أن الروايات التي نهت عن نكاح البكر بغير إذن أبيها إنما تدل على كراهة الاستبداد؛ بمعنى أنه لو تزوجت البكر تلقاء نفسها وتبعاً لرأيها المحض دون استئذان أبيها وإجازته، كان فعلها مكروهاً. وإذا كانت هذه الروايات دالةً على الكراهة بالصناعة، فلا يسوغ لنا استكشاف استحباب الاستئذان منها؛ وبعبارة أخرى: إن هذه النصوص لا تدل على استحباب استئذان الأب والجد، بل إننا إذا لاحظنا مجموع الروايات، لوجدنا أنها تفيد كراهة الاستبداد في النكاح؛ أي كراهة الاستبداد وعدم الاستئذان. وثمة فرق واضح في الصناعة بين القول بكراهة شيء والقول باستحباب نقطة مقابله؛ فالاستئذان والاستبداد متقابلان؛ إذ الاستبداد هو الإصرار على الرأي المحض، بينما الاستئذان هو طلب الإجازة منه. ويختلف الحال بين أن نقول بكراهة الاستبداد أو أن نقول باستحباب الاستئذان. ولذا، فإن المستفاد من هذه الروايات هو كراهة الاستبداد فحسب، لا استحباب الاستئذان الذي هو مدعانا ومحط بحثنا هنا، فهو لا يستفاد من هذه النصوص.
الجواب
وقد أجاب صاحب الجواهر (قدس سره) بنفسه قائلاً: «اللهم إلا أن يُدعى استفادة ذلك عرفاً»؛ إلا أن يُدعى وجود ملازمة عرفية بين الأمرين. فمتى ما كان الاستبداد مكروهاً، كان الاستئذان مستحباً بالتبع؛ فحينما ينهون عن النكاح بغير إذن الأب -أي الاستبداد والعمل بالرأي دون إجازته- يكون ذلك مكروهاً. وكراهة الاستبداد تلازم عرفاً استحباب الاستئذان؛ إلا إذا أراد المستدل إثبات المطلب من طريق هذه العلاقة والملازمة العرفية.
ولكن بناءً على البيان الذي قدمناه في تقريب الاستدلال، قد لا يبقى مجال لهذا الإشكال أصلاً؛ فإن تلك الروايات دالة على لزوم الاستئذان، والروايات المعارضة لها دالة على استقلال البكر، أي عدم لزوم الاستئذان. فإذا حملنا الروايات الدالة على وجوب ولزوم الاستئذان على الاستحباب بقرينة الروايات الدالة على استقلال البنت، استقام المطلب بلا محذور. بمعنى أننا نرفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الوجوب بواسطة الروايات المعارضة، وهذا جمع عرفي دارج لا غبار عليه؛ وحينئذٍ لا نعود بحاجة إلى سلوك طريق الملازمة العرفية بين كراهة الاستبداد واستحباب الاستئذان. فمتى ما لاحظنا كلا الطائفتين من الروايات، قررنا حمل الروايات الدالة على لزوم الاستئذان على الاستحباب جمعاً بينهما.
الدليل الثاني: الروايات المطلقة
والطائفة الثانية تتمثل في الروايات المطلقة؛ والمقصود بالروايات المطلقة هنا هي النصوص التي تستوعب البكر والثيب على السواء؛ لكون الطائفة الأولى مقصورة على البكر فحسب، بينما الطائفة الثانية تفيد مسألة استئذان المرأة والجاريية على وجه الإطلاق. ومن ذلك رواية عبيد بن زرارة التي يظهر منها انتفاء اختيار البنت في قبال أبيها ولزوم استئذانها؛ غير أن هذا الاستئذان يغلب عليه الطابع الأخلاقي ورعاية الأدب والاحترام.
فقد ورد: «عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنِّي لَذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْتَعْدِي عَلَى أَبِيهِ فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ إِنَّ أَبِي زَوَّجَ ابْنَتِي بِغَيْرِ إِذْنِي فَقَالَ زِيَادٌ لِجُلَسَائِهِ الَّذِينَ عِنْدَهُ مَا تَقُولُونَ فِيمَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ قَالُوا نِكَاحُهُ بَاطِلٌ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا سَأَلَنِي أَقْبَلْتُ عَلَى الَّذِينَ أَجَابُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ أَ لَيْسَ فِيمَا تَرْوُونَ أَنْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يَسْتَعْدِيهِ عَلَى أَبِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنْتَ وَ مَالُكَ لِأَبِيكَ قَالُوا بَلَى فَقُلْتُ لَهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَ هُوَ وَ مَالُهُ لِأَبِيهِ وَ لَا يَجُوزُ نِكاَحُهُ قَالَ فَأَخَذَ بِقَوْلِهِمْ وَ تَرَكَ قَوْلِي». وظاهر هذه الجملة أن هذا النكاح ليس باطلاً؛ فبينما ذهب الجلساء إلى بطلانه، أفاد الامام (ع) بعدم البطلان. ولكن نفي البطلان هنا كأنه يشير في واقع الأمر إلى أدب من الآداب الشرعية؛ أي إنها توصية أخلاقية وليست إلزاماً مولوياً. وكأن الحديث يريد بيان أن الاحترام والأدب حيال الأب يقتضي أخذ رأيه ونظره. وما ذهب إليه بعضهم هنا من بطلان العقد لكون الأب قد باشره دون علم البنت أو علم أبيها، فليس سديداً أيضاً. وفي الحقيقة، تريد هذه الروايات بيان لزوم الأدب والاحترام تجاه الأب والجد؛ غير أن هذا الأدب والاحتفاء ليس مقصوراً عليهما بالذات؛ بل إن احترام الكبار مطلقاً كالأم أو الأخ الأكبر أو العم ثابت كذلك. ولعل هذه الروايات تريد إثبات مرتبة تفوق مجرد الاحترام العام في حق الأب والجد، وهي استحباب الإذن. وبحثنا متمحض في استحباب الاستئذان بعنوانه؛ إذ لا نقول باستحباب استئذان الأم أو العم أو الأخ مع حضور الأب؛ نعم، كل احترام للكبير مستحب في نفسه. وسنشير لاحقاً إلى ما أفاده المحقق الخوئي (قدس سره) في هذا المقام؛ إذ تارة نريد معرفة ما إذا كان الاستئذان وطلب الإجازة مستحباً بعنوانه الخاص، وتارة نقول باستحبابه من باب احترام الكبير، لا لكونه مستحباً في حد ذاته؛ فيكون مستحباً لکونه مصداقاً من مصاديق الاحترام.
وعلى أية حال، فإن هذه الرواية بإطلاقها تستوعب الثيب والبكر معاً؛ نظراً لكون البحث يدور مدار الجارية والبنت؛ فهو يشمل الثيب والبكر الرشيدة حال إرادة الزواج. وثمة روايات أخرى تجري على هذا النسق، ويمكننا الاستناد إليها للقول بثبوت استحباب استئذان الثيب من أبيها في أمر النكاح.
فالنتيجة المتحصلة هي أنه بموجب بعض الروايات (وهي الروايات المطلقة) يثبت استحباب استئذان الأب أو الجد؛ وبموجب روايات أخرى (وهي الروايات الخاصة) يثبت استحباب استئذان البكر الرشيدة أيضاً في أمر زواجها.
إشكال
وقد أورد المحقق الخوئي (قدس سره) إشكالاً على الاستدلال بالروايات المطلقة؛ حيث أفاد بأن هذه الروايات تمتلك إطلاقاً بحسب الظاهر؛ لدلالتها على اعتبار استئذان الجارية أعم من كونها بكراً أو ثيباً. وهو يرتضي دلالة بعض الروايات المطلقة على استحباب الاستئذان بدواً، لکنه يرى وجوب حمل هذه الروايات المطلقة على البكر؛ بمعنى عدم شمولها للثيب. ولماذا ذلك؟ جمعاً بين الأخبار؛ فلما كانت تلك الروايات واردة في البكر ومحطها استئذان البكر، تعين حمل هذه الروايات المطلقة على فرض البكر أيضاً تلافياً للتعارض وضماناً للجمع بين الأخبار. ولذا، فهو يرى أنه نظراً لاضطرارنا إلى حمل الروايات المطلقة على البكر وتقييدها بها صوناً للجمع بين الأخبار، فإن هذه الروايات المطلقة تسقط عن الصلاحية للدلالة على استحباب استئذان الثيب.
وقد أثار إشكالاً آخر يروم من ورائه استنتاج نتيجة كلية؛ وهي انتفاء ورود أي رواية تدل على استحباب استئذان الثيب من أبيها بعنوانه الخاص.
فالمحقق الخوئي يوجه إشكالاً للروايات المطلقة أولاً، ثم يضيف إشكالاً آخر هنا، بغية تقرير عدم وجود رواية تدل على استحباب استئذان الثيب بعنوانه الخاص. نعم، لو قال قائل باستحبابه من باب احترام الكبير، وباعتبار أن استئذان الأب والجد في أمر النكاح يعد من أظهر مصاديق احترام الأب والجد، لكان مستحباً بهذا العنوان؛ وحينئذٍ لا يعود الحكم مختصاً بالأب والجد، بل يثبت استحباب الاستئذان احتراماً للأم والعم وأمثالهما أيضاً، وتنتفي الخصوصية عن الأب والجد. ويرى المحقق الخوئي (قدس سره) أن البكر الرشيدة خارجة عن محل البحث هنا بالكلية؛ لكونه يرى لزوم انضمام رضا الأب أو الجد ورضا البنت معاً في البكر الرشيدة. فهو قد رد القول بالاستقلال؛ ولذا يرى أنه بناءً على مبنى انضمام الرضاين، تنتفي مسألة استحباب الاستئذان بالكامل؛ إذ لا يتصور الاستحباب إلا إذا قيل باستقلال البنت في أمر النكاح، وإلا فلا مورد لهذا البحث بل يكون رضا الأب واجباً شرطياً كرضاها. وعليه، تخرج البكر الرشيدة عن موضوع البحث عنده. وفي خصوص الثيب، يدعي أيضاً عدم إمكان إثبات شيء تحت عنوان استحباب الاستئذان، لافتفارنا إلى رواية أو دليل خاص يدل على استحباب الاستئذان. وسنبسط الكلام في توضيح مراده لاحقاً؛ والعمدة حالياً هو هذا الإشكال الذي وجهه للروايات المطلقة، وقرر بموجبه وجوب حملها على البكر وعدم شمولها للثيب.
الجواب
ويبدو أن ما أفاده المحقق الخوئي (قدس سره) هاهنا محل إشكال؛ لكون الإطلاق جلياً وشاملاً للثيب دون ملاحظة تلك الروايات. كما أن طريق الجمع بين الأخبار ليس منحصراً في المسلك الذي سلكه من حمل المطلق على البكر؛ بل إن السبيل هو ما أشرنا إليه سابقاً من إمكان دعوى دلالة هذه الروايات على استحباب الاستئذان في مقام الجمع بين الأخبار. نعم، لو انحصرت القناة الصناعية للجمع في ما أفاده لكان الحق معه؛ بيد أن ثمة خيارات أخرى للجمع بين الأخبار غير الحمل على البكر. وعليه، فإن إشكاله على الروايات المطلقة غير وارد؛ وسنتعرض لمناقشة إشكاله الثاني في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى.