الدرس الثالث، المسألة 4، المقام الأول
الدرس الثالث
المسألة 4 – المقام الأول: دراسة اشتراط عدم المفسدة – أدلة الاشتراط – الدليل الثاني: الروايات – دراسة الرواية الثانية – الرواية الثالثة ودراستها – الدليل الثالث: انصراف الإطلاقات
27 ربيع الأول 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
كان البحث في أدلة اشتراط عدم المفسدة في ثبوت ولاية الأب والجد على البنت في أمر النكاح؛ وقد عرضنا لذكر عدة أدلة في هذا المقام. الدليل الأول هو الإجماع الذي خضع للدراسة؛ والدليل الثاني هو الروايات. وقد نقلنا روايتين؛ الرواية الأولى: رواية أبي حمزة الثمالي؛ والرواية الثانية: رواية الفضل بن عبد الملك. ومفاد هذه الرواية أنه إذا زوّج الجد حفيدته في حال حياة الأب وكان الجد مَرضيّاً، فلو زوّج الأب شخصاً وزوّج الجد شخصاً آخر، وكانا سواءً في العدل والرضا، فهذا صحيح وجائز؛ وإن كان رضاها بقول الجد أولى. وتقريب الاستدلال بهذه الرواية ببيان المرحوم السيد الخوئي (قدس سره) هو أن تناسب الحكم والموضوع يقتضي أن يكون المراد من «كان الجد مرضياً» هو أن تكون الأمور المتعلقة بتلك البنت مرضية؛ وبعبارة أخرى، أن لا تكون فيها مفسدة. فلو اشتملت على مفسدة وكانت لضرر البنت، لم ينفذ هذا العقد، وهذا شرط في صحة العقد. وهذا هو تقريب الاستدلال بهذه الرواية الذي ذُكر في الجلسة الماضية أيضاً.
دراسة الرواية الثانية
طُرحت عدة إشكالات حول هذه الرواية.
الإشكال الأول
الإشكال الأول هو أن المراد من “المرضي” في هذه الرواية ليس كما ادعاه المستدل؛ حيث فسّر “المرضي” بأن يكون مرضياً في الأمور المتعلقة بالبنت. ومن الطبيعي أنه لو لزمت المفسدة، لم يصدق إطلاق “المرضي”. وقد ذهب البعض إلى أن “المرضي” بمعنى العادل؛ أي «كان الجد عادلاً». فإذا كان الجد عادلاً، كان مرضياً؛ ويشهد لذلك تعبير: «وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْعَدْلِ وَالرِّضَا»، أي إنهما متساويان في العدل والرضا. وهذا يدل على أن “المرضي” يحمل معنى العدالة. وفي الحقيقة، يرمي المستشكل إلى القول باشتراط العدالة هاهنا.
دراسة الإشكال الأول
وهذا الإشكال غير وارد؛ لأن استعمال تعبير “المرضي” في مورد العدالة غير متعارف؛ وتداوله في معنى العدالة ليس دارجاً. علاوة على ذلك، فإن تعبير «وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْعَدْلِ وَالرِّضَا» لعلّه بنفسه مؤيد لخلاف ما يدعيه المستشكل؛ فالأصل في العطف ألا يكون تفسيرياً. وكأن المستشكل قد اعتبر عطف الرضا على العدل هاهنا عطفاً تفسيرياً، والحال أنه يبدو أن “العدل” يشير إلى معنى، و”الرضا” يشير إلى معنى آخر. والقول باشتراط عدالة الولي في نفوذ عقد نكاح الولي للبنت هو محل بحث وخلاف؛ فقد اعتبر البعض عدالة الولي شرطاً، في حين لم يعتبرها آخرون كذلك. فمسألة إناطة صحة ونفوذ عقد الولي والجد والأب بعدالتهم ليست موضع قبول لدى الجميع. ونحن الآن لسنا بصدد الخوض في ما إذا كانت العدالة شرطاً أساساً أم لا؛ بل المسألة المهمة هي: هل يقع تصرف الولي معتبراً لو اشتمل على مفسدة أم لا؟ وترمي هذه الرواية إلى القول بأنه لو لزمت مفسدة في البين، فكأن عقده لا يقع جائزاً. وعليه، فقد نِيط نفوذ وجواز عقد الولي بخلوه من المفسدة. إذن، يبدو أن هذا الإشكال غير تام أيضاً.
ولا يسعنا تصوير معنى آخر لـ “المرضي”؛ فلو قلنا إن المراد هو أن يكون إقدام الجد مورد رضا البنت، وربطنا نفوذ نكاح البنت برضاها، لكان معنى ذلك انتفاء ولاية الجد. فلو أُريد اشتراط نفوذ العقد وجوازه برضا البنت، لدلّ ذلك على نفي الولاية. إذن، كون الإقدام “مرضياً” يعني خلوه من المفسدة وكونه مستحسناً؛ واستحسانه في نكاح البنت التي هي مولى عليها يتحقق بعدم استلزامه الضرر عليها؛ وإلا فلا يحمل معنى آخر.
الإشكال الثاني
الإشكال الآخر هو أن موضوع بحثنا يتمحور حول اشتراط “عدم المفسدة” في حق الولي أعم من الجد والأب؛ ونحن بصدد استبيان ما إذا كان تزويج الأب أو الجد لبنته أو حفيدته يقع نافذاً أم لا. وقد ورد في الرواية شرط لنفوذ عقد الجد وهو كونه مرضياً؛ حيث نصت على: «وكان الجد مرضياً». غير أن هذا القيد والشرط لم يُذكر في حق الأب؛ فتارة يقدم الجد على هذا الفعل، وتارة أخرى يقدم الأب؛ ورغم أن الرواية قد تعرضت لكليهما، أي الجد والأب معاً، إلا أن هذا القيد والشرط قد أُثبت للجد دون أن يُذكر للأب. وبعبارة أخرى، هذه الرواية أخص من المدعى؛ فالمدعى هو اشتراط “عدم المفسدة” في نكاح البنت الصادر عن الولي، سواء كان جداً أم أباً؛ في حين أن الرواية لم تثبت هذا الشرط إلا في مورد الجد فحسب.
دراسة الإشكال الثاني
يبدو أنه لا خصوصية للجد هاهنا؛ لكون السؤال منصباً على إقدام الجد. حيث يقول: «إِنَّ الْجَدَّ إِذَا زَوَّجَ ابْنَةَ ابْنِهِ وَكَانَ أَبُوهَا حَيّاً وَكَانَ الْجَدُّ مَرْضِيّاً جَازَ»؛ فالسؤال عن تزويج البنت من قبل الجد؛ ومن الطبيعي أن يكون الجواب ناظراً لإقدام الجد أيضاً. وفي التتمة، يقول السائل: «فَإِنْ هَوِيَ أَبُو الْجَارِيَةِ هَوًى وَهَوِيَ الْجَدُّ هَوًى وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْعَدْلِ وَالرِّضَا»؛ أي ما الحكم لو أقدم كلاهما على ذلك، والحال أنهما متساويان من حيث العدالة وكونهما مرضيَّين. فأجاب الإمام (عليه السلام): «أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَرْضَى بِقَوْلِ الْجَدِّ». أي إني أوثر أن ترضى بقول الجد وتصرفه. والمساواة في الرضا لو عادت إلى مساواة الأب والجد، فهذا يعني كأنه قد أُخذ كون عقد الأب مرضياً على نحو المفروغية. ولذا، طُرحت مسألة تساويهما من هذه الجهة؛ وهذا في رأينا لا يدل بأي وجه على اختصاص طرح شرط “المرضي” بالجد وحده. وبما أن السؤال كان عن الجد، فقد أجاب الإمام (عليه السلام) بأنه لو كان الأب في قيد الحياة، وزوّج الجد حفيدته لآخر، ولم يتضمن فعله مفسدة، جاز. والملاحظ أنه في التتمة يقول: ما الحكم لو فعلا ذلك معاً وكانا متساويين في العدل والرضا؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بأن الأَولى أن ترضى بعقد الجد؛ فثبت هاهنا اعتبار كون إقدام الأب مرضياً أمراً مفروغاً عنه. إذن، هذا الإشكال غير وارد أيضاً.
وبناءً عليه، وكما استظهره المرحوم السيد الخوئي، فإن هذه الرواية تدل على المدعى. ولعل دلالة هذه الرواية تفوق في جودتها دلالة الرواية السابقة.
الرواية الثالثة
«عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الْجَارِيَةُ يُرِيدُ أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ رَجُلٍ وَيُرِيدُ جَدُّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ: الْجَدُّ أَوْلَى بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مُضَارّاً إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَبُ زَوَّجَهَا قَبْلَهُ، وَيَجُوزُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُ الْأَبِ وَالْجَدِّ». يقول عبيد بن زرارة: قلت للإمام الصادق (عليه السلام) إن ثمة بنتاً يريد أبوها أن يزوجها من رجل؛ ويريد جدها أن يزوجها من رجل آخر. فقال الإمام (عليه السلام): الجد أولى بهذا الأمر، «مَا لَمْ يَكُنْ مُضَارّاً إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَبُ زَوَّجَهَا قَبْلَهُ». فقد وضع لأولوية تزويج الجد شرطين: أحدهما، أن لا يكون الأب قد سبق وزوجها لآخر قبل ذلك؛ والثاني، أن لا يوجب فعله هذا إيقاع الضرر على البنت. وهذا هو عين “عدم المفسدة”. وبالطبع، يضيف في التتمة: «وَيَجُوزُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُ الْأَبِ وَالْجَدِّ»، فلكليهما أن يزوجا هذه البنت من شخص آخر، غير أنه لو بادر الجد إلى ذلك أولاً ولم يتضمن مفسدة وضراً، وقع فعله صحيحاً وجائزاً.
تقريب الاستدلال: يرتكز تقريب الاستدلال بهذه الرواية ببيان المرحوم السيد الخوئي على أن التقييد بـ “عدم كونه مضاراً” يدل على أنه لو استلزم الإضرار، لم يقع العقد صحيحاً؛ أي كأنما تنتفي ولاية الجد من الأساس. وعليه، فإن ولاية الجد والأب مشروطة بعدم كونه مضاراً وخلوه من المفسدة على البنت. وقد أفاد المرحوم السيد الخوئي هذا التقريب للاستدلال بهذه الروايات الثلاث في كتاب النكاح.
دراسة الرواية الثالثة
وقد طُرحت إشكالات حول هذه الرواية أيضاً.
الإشكال الأول
الإشكال الأول هو أن هذه الرواية تدل على أنه لو قام الأب والجد كلاهما بتزويج البنت، ونظراً لوقوع التزاحم بين إقدام الجد وإقدام الأب، فقد حكم الإمام (عليه السلام) بأولوية الجد. وشرط “عدم كونه مضاراً” إنما ينظر حصراً إلى صورة تزاحم فعل الأب مع فعل الجد. ولذا، فهذا الشرط ليس مطلقاً؛ فـ “عدم المفسدة” بمقتضى هذه الرواية يُعتبر في مورد حصول التزاحم بين عقد الأب وعقد الجد؛ أما في حال انتفاء التزاحم، فهل يُعتبر هذا الشرط أيضاً أم لا؟ هذا ما لا يمكن استنباطه من هذه الرواية.
دراسة الإشكال الأول
لقد أوردت الرواية شرط عدم تقدم تزويج الأب وعقده؛ أي أن لا تكون البنت قد زُوّجت من قبل الأب لشخص آخر قبل تزويج الجد؛ وهذا أمر بالغ الوضوح والجلاء. مضافاً إلى ذلك، فهي في مقام بيان كيفية صحة عقد الجد ونفوذه؛ وكأن الإمام (عليه السلام) بصدد القول بوجود المقتضي للصحة، غير أن العقد يقع تاماً ما لم يطرأ مانع. وما الذي يشكل مانعاً؟ أمران: “كونه مضاراً” و”تزويج الأب إياها قبله”. فذكرهما يشير إلى الموانع، وإلا فالمقتضي كأنه متحقق في الأب والجد على حد سواء. فالسؤال منصب على عقد الجد؛ وفي التتمة يُذكر الأب أيضاً: «وَيَجُوزُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُ الْأَبِ وَالْجَدِّ». ولذا، فإن التفصيل بين عقد الجد وعقد الأب باشتراط خلو تزويج الجد من المفسدة، وتجويز تزويج الأب وإن اشتمل على مفسدة، هو أمر لا يمكن الالتزام به. وحتى حمل الرواية على فرض التزاحم لا وجه له البتة؛ فبأي دليل نحملها على فرض التزاحم؟ فالسائل يسأل: لو عقد الأب وعقد الجد أيضاً؛ فما العمل؟ فيجيب الإمام (عليه السلام) بأنه بالنظر إلى أن لكليهما حق العقد، فلو لم يسبق الأب بالعقد ولم يتضمن فعل الجد ضرراً، وقع عقد الجد صحيحاً. إذن، المقتضي موجود والمانع مفقود. وبناءً عليه، يبدو أن هذا الإشكال مندفع.
الإشكال الثاني
الإشكال الآخر المطروح حول هذه الرواية، هو ذات الإشكال الذي أُورد على رواية الفضل بن عبد الملك. ومفاده أن غاية ما يُستفاد من هذه الرواية هو اختصاص هذا الشرط بالجد؛ أي يُشترط ألا يكون التزويج مضاراً في مورد الجد، بينما لا دلالة لها في مورد الأب.
دراسة الإشكال الثاني
الجواب هو عين الجواب؛ أي إن الإجابة التي أوردناها على ذلك الإشكال، تجري هاهنا أيضاً بنفي دلالتها على ذلك.
هذا تمام الكلام في الدليل الثاني.
الدليل الثالث: انصراف الإطلاقات
الدليل الثالث، انصراف الإطلاقات عن فرض المفسدة. فالإطلاقات الدالة على جواز العقد من قِبل الجد أو الولي (والتي أوردنا ذكرها سابقاً)، منصرفة بأسرها إلى فرض “عدم المفسدة”. ففي هذه الروايات جرى البحث عن هذا الشرط بصراحة. وسواء قلنا بدلالتها أم لا؛ فإنها تشير بنحو ما إلى مسألة الضرر وانتفاء المفسدة. غير أن ثمة طائفة من الروايات وردت على نحو الإطلاق؛ وهي الروايات الدالة بنحو ما على ولاية الأب والجد في كافة الأمور، ومن جملتها أمر النكاح. وصحيح أن مسألة اشتراط “عدم المفسدة” لم تُذكر في بعض هذه الروايات، إلا أنها منصرفة عن فرض المفسدة؛ فصحيح أن هذه الروايات مطلقة، بيد أنه لا يسعنا الاستناد إلى إطلاقها للقول بجواز قيام الأب أو الجد بتزويج بنته أو حفيدته للغير كلياً؛ سواء استلزم ذلك ضرراً ومفسدة للبنت أم لم يستلزم. فالإطلاقات منصرفة عن هذا الفرض؛ ووجه الانصراف يتمثل في يقيننا بأن مسألة الضرر والمفسدة غير مقبولة في الشريعة مطلقاً؛ فإلحاق الضرر بالغير، أو دفعه نحو المفسدة، تنهض الأدلة قاطبة على عدم جوازه، سواء بنحو كلي أو بنحو أخص؛ ولذا، فرغم إطلاق هذه الروايات وخلوها من الإشارة إلى مسألة المفسدة، إلا أن ثمة قرائن قوية يقيناً توجب انصراف هذه الإطلاقات عن فرض المفسدة استناداً إليها.
إذن، فقد سردنا حتى الآن ثلاثة أدلة؛ الأول: الإجماع، وقلنا إنه لا يدل على الاشتراط. والثاني: الروايات، ومن بين عدة روايات، تدل رواية واحدة على الأقل على “عدم المفسدة”. والثالث: انصراف الإطلاقات إلى فرض عدم المفسدة، وهو أمر مقبول في رأينا أيضاً.
بحث الجلسة القادمة
بقي الدليل الرابع وهو “لا ضرر”؛ فقد استُدل بقاعدة لا ضرر أيضاً، وسنتعرض لها في الجلسة القادمة إن شاء الله.