الدرس السابع والثلاثون، مسألة 7، الفرع الأول، أدلة عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي، الدليل الثاني
الدرس السابع والثلاثون
مسألة 7 – الفرع الأول – أدلة عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الثانية ودراستها – الرواية الثانية ودراستها – حصيلة الفرع الأول – الفروض الثلاثة في الفرع الأول – ملاحظتان في عبارة التحرير
1 رجب 1447 هـ
الرواية الثانية من الطائفة الثالثة
ذكرنا أنه قد استُدل بطوائف من الروايات على عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي؛ وذكرنا ثلاث طوائف. وقد نُقلت رواية واحدة من الطائفة الثالثة.
ونُقلت رواية أخرى عن زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام): «عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) قَالَ: إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَالِكَةً أَمْرَهَا تَبِيعُ وَ تَشْتَرِي وَ تُعْتِقُ وَ تَشْهَدُ وَ تُعْطِي مِنْ مَالِهَا مَا شَاءَتْ فَإِنَّ أَمْرَهَا جَائِزٌ تَزَوَّجُ إِنْ شَاءَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِأَمْرِ وَلِيِّهَا».
وبناءً على هذه الرواية، يقول الإمام الباقر (عليه السلام): إذا كانت المرأة مالكة لأمرها ولها الخيار في نفسها، أي تبيع وتشتري، وتشهد، وتعتق، وتعطي من مالها ما شاءت، فإن أفعالها مشروعة ونافذة. والمقصود من «مالكة أمرها» أي أن تكون قد بلغت؛ فيقول: إذا بلغت المرأة، فلن تكون تحت ولاية أحد بعد ذلك، وكل عمل تقوم به، فإن أمرها فيه جائز ونافذ. ثم يقول: يمكنها إن شاءت أن تتزوج بدون إجازة الولي. أما إذا لم تكن مالكة لأمرها ولم يكن أمرها جائزاً، فلا يجوز زواجها إلا بأمر وإذن ورضا الولي.
وتقريب الاستدلال بالرواية، رغم عدم إشارتها إلى السفه وقوله: «وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِأَمْرِ وَلِيِّهَا»، هو أنها إن لم تكن كذلك، أي لم تكن مالكة لأمرها ولم تتمكن من القيام بهذه الأفعال؛ كالبيع والشراء، والشهادة، والعتق، والبذل والعطاء من مالها. فإن زواجها أيضاً لن يكون صحيحاً إلا بإذن الولي. فهذه الأمور التي ذُكرت كشواهد على ملكية الأمر، أي البيع والشراء، والعتق، والإعطاء من المال، تحكي عن الرشد المالي. وكأن الرواية تقول: إذا بلغت المرأة الرشد المالي، أمكنها الزواج؛ وإن لم تبلغ الرشد المالي، فلا يمكنها الزواج.
السؤال: …
الأستاذ: «وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ» أي إن لم تكن مالكة أمرها. مركز ثقل الاستدلال هو أن هذه الأمور التي ذُكرت في الرواية كعلامات على ملكية الأمر، كلها من علامات الرشد المالي؛ أي وكأن الإمام (عليه السلام) قد أناط نفاذ أمر المرأة ونفاذ زواجها بالرشد المالي. فإذا انعدم الرشد المالي، لا يمكنها الزواج استقلالاً ولا يمكنها ذلك إلا بإذن الولي. هذا هو تقريب الاستدلال بهذه الرواية.
دراسة الرواية الثانية
فيما يخص هذه الرواية، طُرح إشكال سندي بسبب وجود موسى بن بكر في سندها.
أما الإشكال الدلالي الذي يمكن طرحه إزاء هذه الرواية، فهو أن ملكية الأمر كناية عن البلوغ؛ فهذه الأمور التي ذكرها الإمام (عليه السلام)، يريد في الحقيقة أن يقول من خلالها: إذا بلغت المرأة وقامت بهذه الأفعال، فهي نافذة. صحيح أن هذه الأفعال تُعد غالباً من الأمور المالية، ولكن مسألة أداء الشهادة ليست أمراً مالياً؛ بل هي تصرف وأمر. وكأن الإمام (عليه السلام) يريد أن يبين أن أفعال المرأة المختلفة تكون نافذة وجائزة عندما تبلغ. ولذا، فهي تشير إلى البلوغ وليس الرشد المالي. وبناءً على ذلك، ثمة تأمل في دلالة هذه الرواية على عدم صحة نكاح السفيه في الأمور المالية؛ وإن كان بإمكاننا القول إنها تشعر بهذا المطلب.
حصيلة الفرع الأول
فالمتحصل مما ذكرنا أنه يوجد في الآيات والروايات أدلة كافية على عدم صحة نكاح السفيه بدون إجازة الولي. ويمكننا أن نستفيد هذا المعنى من بعض الآيات ومن بعض الروايات أيضاً، وهو أن الشخص إذا كان يعاني من السفاهة في الأمور المالية وفي أمر اختيار الزوجة، أو بعبارة أخرى كانت له سفاهة مطلقة، فإن زواجه بدون إذن الولي ورضاه لا يكون صحيحاً. وكما ذكرنا في الدرس السابق، خلافاً لما اشتهر، إذا كان الشخص سفيهاً في الأمور المالية ولكنه لم يكن سفيهاً في أمر اختيار الزوجة، فإن هذه الأدلة لا يمكنها إثبات عدم صحة هذا النكاح واقعاً. وكما أشرنا سابقاً أيضاً، فقد أشار المرحوم السيد (اليزدي) في المسألة الثامنة من العروة بدقة إلى فرع يؤيد هذا المعنى عينه. فالمسألة الثامنة من العروة تنص على: «إذا كان الشخص بالغاً رشيداً في الماليات لكن لا رشد له بالنسبة إلى أمر التزويج وخصوصياته من تعيين الزوجة وكيفية الإمهار ونحو ذلك فالظاهر كونه كالسفيه في الماليات»، فإذا كان الشخص رشيداً في الأمور المالية ولكنه لم يكن ذا رشد في أمر النكاح ولم يستطع تشخيص صلاحه وفساده في أمر النكاح، أي لم يبلغ الرشد لا في تعيين الزوجة ولا في كيفية تحديد المهر وأمثال ذلك مما يتعلق بأمر الزواج، ولا يمكنه تشخيص صلاحه وفساده، فالظاهر أن هذا الشخص كالسفيه في الماليات؛ «في الحاجة إلى إذن الولي»، أي في افتقاره إلى إذن الولي؛ «وإن لم أر من تعرض له»، يقول في النهاية إنني لم أرَ من تعرض لهذه المسألة. والحال أن صاحب الجواهر قد تعرض لهذه المسألة اتفاقاً؛ فصاحب الجواهر يقول في صدد رواية الفضلاء التي قرأناها في الدرس السابق: «والجمع بين السفيهة والمولى عليها لعدم اندراج الأولى في الثانية إذا فرض عدم رشدها في خصوص النكاح وما يشبهه، لا سفهاً مالياً، فإن السفيهة في المال خاصة لا دليل على اعتبار إذن الولي في التزويج الذي هو تصرف غير مالي». فهو يشير إلى الجمع بين هاتين (الكلمتين) ثم يقول: إن من كان سفيهاً في الأمور المالية ولم يكن سفيهاً في أمر الزواج، لا يوجد دليل على اعتبار إذن الولي في تزويجه؛ لأن التزويج تصرف غير مالي. إن مسألة وحدة وتعدد المطلوب هي اختلاف مبنائي وسنضعها جانباً. ولكن أصل كون النكاح تصرفاً غير مالي هو أمر واضح؛ فإذا لم يكن الشخص رشيداً في الأمور المالية، ولكنه كان ذا رشد في أمر النكاح، فبأي دليل نقول إن نكاحه باطل؟
والمرحوم السيد الذي قال «وإن لم أر من تعرض له»، قد لاحظتم أن صاحب الجواهر قد تعرض لهذه المسألة. علاوة على ذلك، فإن نفس قوله بأنه إذا كان الشخص رشيداً في الأمور المالية ولكنه لم يكن رشيداً في أمر النكاح فإن زواجه غير صحيح، نحن نقبل به أيضاً وتأتيه الأدلة؛ أي أن نكاحه يفتقر إلى إذن الولي. أما الفرض الثالث، وهو ألا يكون رشيداً في الأمور المالية ولكنه رشيد في أمر الزواج، فلا يحتاج إلى الإذن بعد ذلك.
الفروض الثلاثة في الفرع الأول
ومع هذه الإيضاحات التي بيّناها، تتشكل هنا ثلاثة فروض بالمجمل:
-
الفرض الأول هو السفيه المطلق؛ أي من لا يمتلك الرشد لا في الأمور المالية ولا في أمر الزواج. ففي هذه الحالة، القدر المتيقن بناءً على هذه الأدلة أن نكاحه بدون إذن الولي غير صحيح؛ فهو محتاج إلى إذن الولي. وبالطبع، فإن إمكانية تصوير ذلك بنحو فضولي، أي أن يبرم النكاح ثم يجيزه الأب أو الجد، هو بحث آخر يمثل فرعنا الثاني. فقولنا إن السفيه المطلق يحتاج إلى إذن الولي، يعني أنه إذا أقدم على هذا العمل بدون إذن، فإن هذا العقد غير صحيح. أما إذا فعل ذلك بدون إذن، فهنا يجب أن نرى ما إذا كان بإمكاننا تصويره بنحو فضولي أم لا؛ وعلى أي حال، فإن عدم الصحة الفعلية أمر مسلّم.
-
الفرض الثاني هو أن يكون له رشد مالي ولكنه سفيه في أمر الزواج وليس له رشد؛ وهذا مشمول للأدلة. أي أنه كالسفيه المطلق؛ ولا تشمل الأدلة هذه الصورة.
-
الفرض الثالث هو ألا يكون الشخص ذا رشد في الأمور المالية ولكنه ذو رشد في أمر الزواج؛ وهذا فرض يمكن تحققه، كما يُستفاد ذلك من عبارة صاحب الجواهر أيضاً. فالشخص الذي لا يفقه شيئاً من الأمور المالية، ولكنه يفهم الأمور الأخرى جيداً. هل يكون مشمولاً لأدلة عدم صحة نكاح السفيه بغير إذن ولي أم لا؟ في رأينا ليس كذلك؛ فالأدلة لا تستوعب هذا الفرض واقعاً. فوفقاً للمبنى المعروف، بمجرد ألا يكون للشخص رشد مالي، فإن نكاحه بدون إذن الولي غير صحيح؛ لأن السفاهة في نظرهم تعني عدم الرشد المالي، والتزويج يدور مدار الرشد المالي. ونحن نُشكل على هذا المطلب؛ فصحة التزويج تدور مدار الرشد في أمر التزويج. وإذا كان لديه رشد مالي أيضاً، فالتكليف واضح؛ فهو لا يحتاج إلى إذن الولي أصلاً؛ وبالطبع نقول هذا بغض النظر عن البحث الذي طرحناه في نكاح الباكر الرشيدة. وعلى الأقل يمكننا أن نبحث هكذا في مورد الرجل. فإذا كان الرشد بالنسبة إلى أمر النكاح وأمر التزويج، سواء كان هناك رشد في الأمور المالية أم لا، فإن هذا النكاح صحيح. وغاية الأمر أنه إذا قلنا إنه لا يمتلك حق الإقدام المالي في تحديد المهر، فالمهر فاسد؛ وإذا كان المهر باطلاً، فلا يلزم أن يكون أصل النكاح باطلاً بالضرورة؛ وغاية ما في الأمر أنه بعد بطلان المهر، يُرجع إلى مهر المثل. هذا تمام الكلام في الفرع الأول من المسألة السابعة.
ملاحظتان في عبارة التحرير
ثمة فرض آخر ذكره المرحوم السيد (اليزدي) وربما لم تكن هناك حاجة لذكره مستقلاً؛ وعبارة التحرير تشمل هذا الفرض تقريباً أيضاً. عبارة التحرير هي: «السفيه المبذر المتصل سفهه بزمان صغره أو حجر عليه للتبذير لا يصح نكاحه إلا بإذن أبيه أو جده أو الحاكم مع فقدهما»؛ إما الأب أو الجد، وإذا لم يكونا موجودين فيجب إذن الحاكم. فإذا قلنا إن قيد «المبذر» في كلام الإمام (رحمه الله) هو قيد توضيحي وإنه يرى السفيه مختصاً بالأمور المالية؛ أي وفقاً لمبنى المشهور. فما هو الحكم إذا كان الشخص سفيهاً في أمر غير مالي؟ لم يُذكر حكمه في هذه المسألة. أي أنه في الأمر غير المالي، قد يكون سفيهاً وقد لا يكون سفيهاً. والآن، إذا كان شخص ما سفيهاً من الناحية المالية ولكنه ليس سفيهاً من الناحية غير المالية، فلن يكون مشمولاً لعبارة الإمام هذه. إذن، تارة نقول إن قيد المبذر توضيحي، وإن رأي الإمام كالمشهور في معنى السفاهة هو أنهم يعتبرون السفيه بمعنى من لا يمتلك الرشد المالي؛ فشامليته للفرض الذي لا يكون فيه الشخص سفيهاً في الأمور غير المالية، قد نقول إن إطلاق العبارة يعتبره باطلاً أيضاً؛ وإن أمكننا القول إن هذه العبارة لا تشمله وهو أمر مستبعد بالطبع.
وإذا قلنا إن قيد مبذر احترازي، بمعنى أنه يقتصر على السفيه في الأمور المالية فقط، ففي هذه الحالة أيضاً لم يتعرض للسفيه في غير الأمور المالية. وعلى كل حال، فإن المسألة السابعة تعاني من نقص من هذه الجهة؛ وهو أن حكم صورة السفيه في الأمور المالية لا يشمل غير السفيه في أمر النكاح؛ وعلى كل حال فيها إشكال. وهنا يختلف رأينا عن رأي الإمام (رحمه الله).
إذن، لدينا تعليقتان وملاحظتان تقريباً حول هذه العبارة من التحرير:
-
إحداهما تتعلق بنفس معنى السفيه؛ حيث نرى أن السفيه لا يختص بالأمور المالية.
-
والثانية هي أن من يكون سفيهاً في الأمور المالية ولكنه لا يكون سفيهاً في أمر النكاح، لا يحتاج نكاحه إلى إذن الولي؛ أي أن نكاحه صحيح حتى بدون إذن الولي. في حين أننا إذا قلنا إنه كالباقين يرى أن الملاك في هذه المسألة هو الرشد في الأمور المالية وقد أناط التزويج به، فنتيجته ألا يكون النكاح صحيحاً في غير هذا الفرض، والحال أن الأدلة تشمل هذا الفرض أيضاً.
بحث الجلسة القادمة
بالنسبة لهذه المسألة، أي اشتراط صحة النكاح بإذن الولي، قد ذُكر شرطان؛ وقد أثبتنا حتى الآن أصل الصحة وتوقفها على إذن الولي؛ ولكنهم ذكروا لها شرطين؛ ذكر الإمام شرطاً، وذكر المحقق صاحب الشرائع شرطاً. ويجب علينا أن ندرس هذين الشرطين لنرى ما إذا كانا صحيحين أم لا.