The news is by your side.

الدرس الثاني والأربعون، مسألة 8، دراسة الصور الخمس

الدرس الثاني والأربعون

مسألة 8 – دراسة الصور الخمس – مروري على المباحث السابقة – الحق في الصورة الثالثة – دراسة ثبوت الخيار للمولى عليه – دليل عدم الخيار ودراسته

20 رجب 1447 هـ

مروري على المباحث السابقة

نظراً لمضي قرابة أسبوعين على جلستنا الأخيرة في مبحث النكاح، فإنه من الضروري بمكان استذكار ما سلف من البحث ومراجعته؛ لنستأنف به تتبع المطلب ونمضي في مدارسته إن شاء الله تعالى.

وقد عرضنا في المسألة الثامنة لوجود خمس صور قابلة للدراسة والبحث؛ وهذه الصور الخمس ناشئة في واقعها عن ثلاث جهات؛ بمعنى أن تداخل هذه الجهات الثلاث هو الذي أوجب لنا تصوير تلك الصور في المسألة وإخضاعها للدراسة. وأصل المسألة يدور في فلك تزويج الولي للمولى عليه بمن به عيب؛ حيث كان محط البحث أنه لو وقع مثل هذا التزويج، فهل يثبت للولي والمولى عليه خيار الفسخ لفسخ هذا الزواج وحله أم لا؟ والجهات المؤثرة في المسألة هي:

  1. الجهة الأولى: هل كان الولي عالماً بالعيب أم لا؟

  2. الجهة الثانية: هل انطوى هذا التزويج على مصلحة، أم كان على خلاف المصلحة؟ وقد نبهنا سابقاً على أن قولنا “على خلاف المصلحة” لا يعني مجرد انتفاء المصلحة، بل المنظور به هو المفسدة.

  3. الجهة الثالثة: هل العيب المشهود من العيوب المجوزة للفسخ أم لا؛ إذ أسلفنا أن بعض العيوب يوجب ثبوت الخيار للزوجين، في حين أن بعضها الآخر ليس كذلك.

وبالالتفات إلى هذه الجهات الثلاث، قلنا إن المسألة تنقسم إلى خمس صور: أما الصورة الأولى: فهي المورد الذي يكون الولي فيه آگاهی وعالماً بعيب الطرف الآخر، مع انتفاء أية مصلحة في هذا التزويج؛ سواء كان ذلك العيب موجباً للخيار أو غير موجب له. وبالطبع، فإن هذه الصورة تنحل في واقعها إلى صورتين؛ لأن فرض علم الولي بالعيب مع كون التزويج على خلاف المصلحة وعارياً عنها بالكامل، يتصور تارة بأن يكون العيب من العيوب المجوزة للفسخ، وأخرى بأن يكون من العيوب التي لا توجب الخيار؛ ككونه شارب الخمر أو سيئ الخلق مثلاً؛ وهي عيوب لا يثبت بها خيار الفسخ. وقد حققنا القول في هذه الصورة وبيّنا أن هذا العقد باطل وغير نافذ؛ “لم يصح ولم ينفذ”؛ لأن أصل ولاية الولي -حتى في الموارد العارية عن العيب تماماً- مشروط برعاية المصلحة؛ فإذا انتفت المصلحة، لم يكن العقد صحيحاً ولا نافذاً حتى مع خلوه من العيب. وقد فرغنا من دراسة هذه الصورة واستقصاء دليلها فيما سلف.

وأما الصورة الثانية: فهي المورد الذي يكون الولي فيه عالماً بعيب ذلك الشخص، غير أن مصلحة ملزمة وأقوى قد استدعت إيقاع هذا التزويج. والفرض هنا أن العيوب ليست من العيوب المجوزة للفسخ. فالصورة الثانية إذن تجمع علم الولي بالعيب، ووجود المصلحة، وكون العيب غير مجوز للفسخ. وفي هذه الصورة أفادوا بأنه «لم يكن خيار الفسخ لا له و لا للمولى عليه»؛ أي لا يثبت خيار الفسخ للولي ولا للمولى عليه. وقد بيّنا دليل ذلك؛ ومقتضاه أن العقد صحيح بحسب القاعدة ولا نص لدينا على الخلاف؛ لثبوت ولاية الولي وقيام المصلحة وانتفاء أي محذور في البين؛ وعليه فالمقتضي موجود والمانع مفقود. وقد استوفينا دراسة هذه الصورة أيضاً فيما سلف، وكلا الصورتين مذكور في متن التحرير كما أشرنا.

وأما الصورة الثالثة: فهي المورد الذي يكون الولي فيه عالماً بالعيب والمصلحة الملزمة قائمة أيضاً، لكن العيب المشهود هو من العيوب الموجبة للفسخ؛ وعبارة التحرير في ذلك هي: «و إن كان منها» أي من العيوب المجوزة للفسخ؛ فعلمه بالعيب مفروض، ووجود المصلحة مفروض أيضاً، غاية الأمر أن العيب من العيوب المجوزة للفسخ. وقد أفاد (ره): «و إن كان منها فالظاهر ثبوت الخيار للمولى عليه بعد بلوغه»؛ فالظاهر هو ثبوت الخيار للمولى عليه بعد البلوغ.

وذكرنا أن المرحوم السيد أفاد في العروة بقوله: «ففي ثبوت الخيار للمولى عليه وجهان»؛ حيث ذكر وجهين للمسألة. وبينما أفاد الإمام بالظهور في ثبوت الخيار للمولى عليه، قال المرحوم السيد بوجود وجهين «أوجههما الأول»؛ أي إنه مال أيضاً إلى القول بثبوت الخيار. ثم أردف المرحوم السيد قائلاً: «بل ربما يحتمل ثبوت الخيار للولي أيضاً»؛ حيث أورد هذا الاحتمال في طيات كلامه، وأشار إجمالاً إلى دليله في متن العروة.

والحاصل أن الصورة الثالثة تتجاذبها ثلاثة أقوال في المسألة؛ والصورة الثالثة -كما عرفت- هي فرض علم الولي بالعيب مع قيام المصلحة الملزمة وكون العيب موجباً للفسخ. وهذه الأقوال الثلاثة هي: القول الأول: ثبوت الخيار للمولى عليه دون الولي؛ وهو عينه ما أفاده الإمام في متن التحرير بقوله «فالظاهر منها»؛ أي إن الظاهر هو ثبوت الخيار للمولى عليه، ولم يشر إلى الولي أصلاً ولم يرتضِ ثبوت الخيار له. وهو القول الذي ذهب إليه المرحوم السيد أيضاً. القول الثاني: عدم ثبوت الخيار للولي ولا للمولى عليه. القول الثالث: وهو ما أورده المرحوم السيد على نحو الاحتمال ملوّحاً بدليله، ومفاده ثبوت الخيار لهما؛ أي يثبت للولي وللمولى عليه معاً. هذا مجمل ما سلف من البحث. وقد انتهينا إلى هذا الموضع وتوقّفنا عند الأقوال الثلاثة في الصورة الثالثة؛ ويتعين علينا الآن تبيين وجه الحق في المسألة.

السؤال:

الأستاذ: تارة تكون المصلحة ملزمة وأخرى راجحة؛ أي ذات رجحان وليست بواجبة. ففي وقت ما تكون المصلحة مما لا يمكن الإغضاء عنه بوجه، وفي وقت آخر تكون المصلحة ذات رجحان؛ بمعنى أن الأولى والأفضل هو فعل هذا الشيء، ولكن لو ترك، لم تترتب عليه أية مفسدة.

الحق في الصورة الثالثة

يتعين علينا البحث في مقامين ليتضح وجه الحق وينكشف أي من هذه الأقوال الثلاثة هو المقبول؛ فنحن نفرد بالبحث في مقام مسألة الخيار للمولى عليه لنرى هل يثبت له خيار أم لا، ثم نعقد المقام الثاني للبحث في شأن الولي وهل يثبت له الخيار أم لا؛ فنبحث كل واحد منهما بصفة مستقلة، ليتضح عاقبة المطاف أي الأقوال هو المطابق للحق.

مقام أول: دراسة ثبوت الخيار للمولى عليه

فيما يخص المولى عليه -كالبنت أو الولد الذي زُوِّج بمن به عيب، وكان عيبه من العيوب المجوزة للفسخ، وكان وليه مطلعاً على هذا العيب- فهل يثبت للمولى عليه الخيار بعد البلوغ في مثل هذا المورد أم لا؟

دليل عدم الخيار

ثمة احتمال يقضي بعدم ثبوت الخيار للمولى عليه. وما هو الدليل على نفي الخيار عن المولى عليه؟ يقولون: إن الولي بالنسبة إلى المولى عليه بمنزلة الوكيل بالنسبة إلى الموكل ويُعد نائباً عنه؛ ففعله هو فعل المولى عليه، كما أن فعل الوكيل يُعد فعلاً للموكل؛ فكأنه نازل منزلة نفسه. فلو كان المولى عليه بنفسه عالماً بالعيب وأقدم على الزواج، فهل كان الخيار يثبت له؟ كَلَّا بالوجدان؛ لأنه مع علمه واطلاعه بالعيب قد رضي بالزواج لأي دليل كان. فهل كان يثبت له الخيار حينئذ؟ كَلَّا. والآن إذ باشر الولي هذا الأمر نيابة عنه وزوجه من الغير وهو عالم بالعيب، فلا يثبت الخيار للمولى عليه بعد؛ لأن فعل الولي كفعل المولى عليه؛ فهو ممثله ونائبه، ومن ثم فلا خيار يثبت له.

دراسة

فهل هذا الدليل مقبول صناعة؟ يبدو أنه غير مقبول؛ والخدشة الواردة عليه هي أن مقتضى الولاية والوكالة هو تنزيل فعل الولي منزلة فعل المولى عليه، أو فعل الوكيل منزلة فعل الموكل. والفعل هو ما يصدر عنه؛ والفعل الصادر من الولي هنا هو التزويج. أما القول بأن علم الولي يُعد علماً للمولى عليه، فهذا ما لا دليل عليه أصلاً؛ إذ ليس من مقتضى الولاية أن يكون علم الولي بالعيب عيناً لعلم المولى عليه لتستنتجوا أنه كما لو كان عالماً بنفسه لم يثبت له الخيار فكذلك الآن. فليس من مقتضيات الولاية قط جعل علم الولي علماً للمولى عليه؛ كما هو الشأن تماماً في باب الوكالة؛ فعلم الوكيل لا يُعد علماً للموكل. وبناءً عليه، فإن قولكم بأنه لما كان الولي عالماً بالعيب فلا خيار للمولى عليه الآن، هو كلام واهٍ؛ نعم، الوكيل أو الولي كان عالماً، ولكن المولى عليه لم يكن عالماً؛ وقطعاً لو كان هو الجاهل بالحال ووقع مثل هذا الأمر، لكان مجازاً في الفسخ وثبت له الخيار. وعلى أية حال، فإن هذا هو الدليل المصور لعدم الخيار، وقد ظهر ما فيه من الإشكال.

السؤال:

الأستاذ: هو كان عالماً، ولكن هل يكفي علمه بمفرده؟ … الطرف الآخر به عيب يثبت بموجبه حق الفسخ لهذا الشخص بحسب ترخيص الشارع. … نحن مواجهون بطائفتين من الأدلة؛ طائفة منها هي عين ما تفضلتم به؛ ومقتضى أدلة الولاية هو الحكم بصحة هذا العقد؛ فهذا الشخص وليّه أولاً، والمصلحة قد اقتضت ذلك ثانياً، وكانت المصلحة ملزمة؛ فلو كنا نحن وهذا الدليل بمفرده، لقلنا بصحة العقد. ولكن ليس هذا تمام القصة؛ ففي المقابل، لدينا أدلة تقرر أنه إذا كانت هذه العيوب في الطرف الآخر، فللزوج أو الزوجة حل العقد وفصمه؛ ففي قبال ذلك، لدينا أدلة الخيار أيضاً. وأنا لم أعرض لأدلة الخيار بعد؛ لأن ثبوت الخيار هنا يستند إلى دليلين أو ثلاثة سنعرض لبيانها لاحقاً؛ وإنما أذكر هذا تعقيباً على سؤالكم فحسب. فكما تفضلتم، تلك الأدلة تقتضي صحة العقد، ومن هذه الناحية لدينا هذه الأدلة التي تقتضي خيار الفسخ. ويتعين علينا النظر هل هذه الأدلة منصرفة عن ذلك الفرض أم لا؛ أي هل تنصرف أدلة الخيار إلى المورد الذي يكون فيه الولي والوكيل جاهلين؟ ومن الاتفاق، فإن مقالة القائلين بعدم الخيار ترتكز على هذا العین؛ حيث يقولون بأنه لما كان الولي عالماً بالعيب وعلمه بمنزلة علم المولى عليه، فلا تشمل أدلة الخيار هذا الفرض، ومن ثم فلا خيار له. والسؤال يرجع إليكم: بأي دليل تقولون بأن علم الولي بمنزلة علم المولى عليه؟ يتعين عليكم صرف أدلة الخيار عن ما نحن فيه؛ فهل يملك هذا الفرض القوة على صرف تلك الأدلة إلى فرض آخر وإبعادها عن هذا الفرض؟ إن تمام كلامهم يدور حول معرفة الولي وعلمه الذي هو بمنزلة علم المولى عليه. والإشكال هو أن فعل الولي بمنزلة فعل المولى عليه، ولكن كيف ينسحب ذلك على علمه؟ … غاية ما يثبته كلامكم هذا هو صحة العقد فحسب. … هذا له إطلاق وذاك له إطلاق أيضاً؛ وإطلاق أدلة الخيار يقضي بأنه أينما كان العيب من هذه الطائفة من العيوب، ثبت لك خيار الفسخ. … والمورد العاري عن العيب لا كلام فيه أصلاً … لأننا قلنا هناك بالتعدد في المطلوب فأنكرنا وجوده … لقد ذكرنا دليل عدم الخيار وبيّنا الخدشة الواردة عليه؛ ولم نعرض لأدلة الخيار بعد؛ فدعونا نبين هذه الأدلة، فإذا لم تتضح المسألة بعدها، فلكم أن تشكلوا.