الدرس الرابع والثلاثون، المسألة السابعة، معنى السفيه
الدرس الرابع والثلاثون
المسألة السابعة – معنى السفيه – كون القيد “مبذر” احترازياً – دراسة اعتبار العدالة في معنى الرشد – أدلة عدم اعتبار العدالة – الدليل الأول والثاني والثالث – قيد في عبارة التحرير
24 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق
ذكرنا أنه قبل التطرق للفرعين في المسألة السابعة، لا بد من إجراء دراسة موجزة حول معنى السفيه. وقد خلص بحثنا إلى أن “السفيه” ليس حقيقة شرعية، بل يجب حمله على معناه اللغوي والعرفي؛ ولذا فهو لا يختص بالأمور المالية. فكل خفة في العقل وعدم قدرة على تشخيص المصالح والمفاسد، في أي شأن من الشؤون وفي أي مرتبة كانت، يُعد سفهاً. ومما يشهد على ذلك ويؤيده أن المرحوم السيد في المسألة السابعة والمسألة الثامنة من العروة قد تناول السفيه في الأمور المالية والسفيه في أمر الزواج وبيّن حكمهما؛ فمجرد التفريق بين السفيه في الأمور المالية وفي أمر الزواج وتحديد الزوجة والمهر، يدل على أنه لا ينبغي أن يختص السفيه بالأمور المالية. وإن كان هذا يخالف رأي المشهور.
كون القيد “مبذر” احترازياً
النتيجة التي نخلص إليها من هذا المطلب هي أن قيد “مبذر” المذكور في متن التحرير والعروة، هو قيد احترازي وليس توضيحياً؛ خلافاً للمرحوم السيد الخوئي الذي اعتبر هذا القيد توضيحياً. فإذا كنتم تتذكرون، فقد نقلنا تعليقة المرحوم السيد الخوئي عند بيان عبارة العروة؛ حيث قال: «الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْقَيْدِ مَنْ لَا يَعْلَمُ صَلَاحَهُ وَفَسَادَهُ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الْقَيْدُ تَوْضِيحِيّاً لَا احْتِرَازِيّاً حَيْثُ إِنَّ ذَلِكَ مَعْنَى السَّفِيهِ فِي الْمَالِيَّاتِ وَإِلَّا فَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ وَجْهٌ لِلتَّقْيِيدِ»؛ فالظاهر أن السيد قد أراد بهذا القيد من لا يعلم صلاحه من فساده؛ ولذلك فإن قيد “مبذر” هو قيد توضيحي وليس للاحتراز عن غير المبذر. لأن معنى السفيه في الماليات هو هذا، وإلا فلا يبدو أي وجه لهذا التقييد.
وبالنظر إلى المطالب التي عرضناها، يظهر وجه للتقييد خلافاً للمحقق الخوئي؛ لأنه بحسب المعنى الذي اخترناه، فإن السفيه أعم من خفيف العقل في الماليات وغير الماليات؛ أي أن السفاهة تارة تكون في الأمور المالية وتارة في غير الأمور المالية. والمرحوم السيد عندما أورد قيد “مبذر” هنا، فهو يريد بالذات بيان الاختصاص في الماليات هنا، والشاهد على ذلك أنه في المسألة الثامنة، ذكر تعبيراً آخر يقع تماماً في النقطة المقابلة للسفيه في الماليات. وعبارته هي: «إِذَا كَانَ الشَّخْصُ بَالِغاً رَشِيداً فِي الْمَالِيَّاتِ لَكِنْ لَا رُشْدَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمْرِ التَّزْوِيجِ وَخُصُوصِيَّاتِهِ مِنْ تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْإِمْهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ كَوْنُهُ كَالسَّفِيهِ فِي الْمَالِيَّاتِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ …»؛ فهو رشيد في الماليات وسفيه في غير الماليات؛ وبناءً على ذلك، لا يمكن أن يكون قيد “مبذر” قيداً توضيحياً للسفيه، لأن السفيه على نوعين. فإيراد “مبذر” يعني من يسرف في الأمور المالية وينفق بلا مبرر، فيدفع مبلغاً كبيراً لشيء ذي قيمة منخفضة، ويبيع ما يجب أن يبيعه بسعر مرتفع بسعر منخفض؛ فهذا يُعد مبذراً. فالمبذر في الواقع يشير إلى نوع من السفيه وهو السفيه في الماليات؛ إذن فهذا القيد، قيد احترازي عن السفيه في غير الماليات ولذا يوجد وجه لتقييده.
دراسة اعتبار العدالة في معنى الرشد
في الواقع، وفي مقام دراسة معنى السفيه، يجب علينا دراسة قيدين لنرى هل لهما دخل في معنى السفيه أم لا. أحدهما: هل يختص السفيه بمن لا يعلم صلاحه وفساده في الماليات أم أعم؟ وفيما يخص قيد الأمور المالية، كانت النتيجة أن هذا القيد لا دخل له في معنى السفيه.
القول الأول
القيد الآخر هو قيد العدالة؛ فقد ذهب البعض إلى أن السفيه هو من يكون عادلاً في دينه، أي يعلم صلاحه وفساده في دينه، وليس في الأمور المالية فقط. ومن هؤلاء المرحوم الشيخ الطوسي الذي قال في تفسير الرشد: «أَنْ يَكُونَ مُصْلِحاً لِمَالِهِ عَدْلًا فِي دِينِهِ فَإِذَا كَانَ مُصْلِحاً لِمَالِهِ غَيْرَ عَدْلٍ فِي دِينِهِ أَوْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ». فقد اعتبر قيداً آخر أيضاً في معنى السفيه وهو عدم العدالة؛ أي أن السفيه هو من لا يستطيع تشخيص الصلاح والفساد في الأمور المالية وفي دينه أيضاً. ولهذا السبب فإن الرشيد يعني من يستطيع تشخيص الصلاح والفساد في ماله ودينه.
القول الثاني
وقد خالف بعض الفقهاء رأي الشيخ الطوسي، ومنهم المرحوم العلامة؛ حيث يقول في “التذكرة”: «قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الرُّشْدُ الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ خَاصَّةً سَوَاءٌ كَانَ صَالِحاً فِي دِينِهِ أَوْ لَا»؛ فالرشد هو الصلاح في المال بالخصوص؛ سواء كان صالحاً في دينه أم لا. ومن باب المصادفة، فإن هذا الاختلاف موجود أيضاً بين أهل السنة؛ فالشافعي يعتبر العدالة دخيلة في الرشد؛ أما مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل فلا يدخلون العدالة في الرشد.
أدلة عدم اعتبار العدالة في معنى الرشد
هل للعدالة دخل أيضاً في معنى الرشد؟ بنظرنا لا دخل للعدالة في الرشد. ويمكننا إقامة عدة أدلة على هذا المطلب. وقد ذكر المرحوم العلامة نفسه عدة أدلة على عدم اعتبار العدالة في معنى الرشد.
الدليل الأول
كما أن الفسق ليس مانعاً من التصرف في البقاء، فهو غير معتبر حدوثاً أيضاً. فلو افترضنا أن شخصاً يمتلك القدرة على تشخيص الصلاح والفساد من الناحية المالية، ولكنه يُعد فاسقاً من الناحية الدينية ولا يلتزم بالحلال والحرام؛ فهل قال أحد إن هذا الشخص يُحجر عليه؟ لم يقل أحد بمثل هذا الكلام؛ في حين أنه لو لم يستطع شخص تشخيص الصلاح والفساد المالي، يُحجر عليه. إذن، ففي بقاء الرشد وبقاء حق التصرف في الأموال، لا دخل لمسألة الفسق أو العدالة. بمعنى أنه لو أصبح إنسان مؤمن فاسقاً، فلا يُحجر عليه من التصرف في أمواله؛ فلا يُقال له: بما أنك لا تصلي وتشرب الخمر والعياذ بالله وترتكب المحرمات، فليس لك حق التصرف في أموالك؛ لأن سقوط العدالة لا دخل له في إطلاق عنوان السفيه. وإذا لم تكن ثمة مشكلة في البقاء ولم يكن الفسق مانعاً من التصرف في الأموال، فحدوثاً كذلك أيضاً؛ فنحن وبنفس الدليل الذي نرى فيه أن الفسق لا يوجب الحجر، لعدم تحقق السفاهة، فلا نرى الفسق مانعاً للسفاهة في بداية الأمر أيضاً. ولذا فالعدالة غير متحققة في الرشد.
السؤال: …
الأستاذ: هذا ليس حكماً شرعياً؛ بل هو عنوان وقع موضوعاً لحكم ما، ونحن نرى هذا؛ فنقول إن هذا العنوان قد وقع موضوعاً للحكم في مورد بدون هذا القيد؛ وفي مورد آخر وقع موضوعاً لهذا الحكم مع هذا القيد. وهذا لا معنى له…. يقول العلامة «قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ»، فيتبين أن البعض يعتبر مسألة العدالة دخيلة في الرشد؛ وهو أيضاً قد قال بهذا في تفسير الرشد «أَنْ يَكُونَ مُصْلِحاً لِمَالِهِ عَدْلًا فِي دِينِهِ»؛ ثم يقول «فَإِذَا كَانَ مُصْلِحاً لِمَالِهِ غَيْرَ عَدْلٍ فِي دِينِهِ أَوْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ»، فهو لا يريد القول بشكل عام إنه ربما يكون شخص سفيهاً في أمر الدين أيضاً؛ فهذا موجود ولكنه يبين هذا من أجل دفع الأموال. …
الدليل الثاني
الغرض من اعتبار الرشد هو حفظ المال؛ فإذا قيل إنه يجب أن يكون الشخص رشيداً في الأمور المالية حتى تُدفع إليه أمواله، فهذا يعني أنه يجب أن يمتلك القدرة على حفظ ماله. فمسألة العدالة ليس لها أي دور في حفظ الأموال؛ ففي النهاية الشخص غير العادل والفاسق قادر على القيام بالكثير من الأمور ويرتكب المحرمات؛ ومن جملة الأفعال التي قد يقوم بها الفاسق، هو الخيانة في أموال الآخرين. فالإنسان الذي لا يلتزم بالشرع ولا يراعي الحلال والحرام، ربما تمتد يده إلى أموال الآخرين ويخون فيها؛ ولهذا السبب يُعد فاسقاً. ولكن لا يوجد أي شخص، حتى لو كان أفسق الفساق، يخون في أمواله الخاصة؛ فقد يخون في أموال الآخرين، ولكنه لا يخون في ماله؛ إلا السفيه فإنه لا يعقل أيضاً. فالإنسان العاقل لا يتلف ماله. ولذا فالعدالة غير معتبرة في الرشد لأنه لا تأثير لها إطلاقاً في حفظ الأموال.
لم أرَ دليلاً منه؛ ولعله قال هذا استناداً إلى بعض ما قاله أهل اللغة. ولعل مقصوده هو أن من لا يستطيع تشخيص الصلاح والفساد هو سفيه؛ والصلاح والفساد له معنى عام أيضاً. في الأمور الدنيوية والأخروية؛ فمن لا يمتلك القدرة على تشخيص الصلاح والفساد، لا في الأمور المالية التي هي أبرز تجليات الأمور الدنيوية، ولا فيما يتعلق بآخرته ودينه؛ ولذا فربما أراد الاستفادة من إطلاقه هكذا.
الدليل الثالث
إذا أردنا اعتبار العدالة دخيلة في الرشد والقول بأن الرشيد هو من يستطيع تشخيص صلاحه وفساده المالي والديني، فيجب أن يكون هذا مبنياً على دليل؛ وواقعاً لا يوجد أي دليل على هذا الأمر. ولعل هذا الإطلاق للصلاح والفساد والذي يشمل الأمور المادية والمعنوية، هو ما أدى إلى مثل هذا الاستفادة، ولكن الواقع هو أننا لا نمتلك أي دليل.
الدليل الوحيد الذي نمتلكه هو بعض الروايات والتي لا يُستفاد منها مثل هذا المعنى أيضاً. فوفقاً لبعض الروايات، فإن مرتكب بعض الأفعال المخالفة والمحرمة هو سفيه؛ فمثلاً لدينا رواية تقول إن شارب الخمر سفيه أو من يرتكب الذنب الفلاني، فارتكابه لهذا الفعل علامة على سفاهته. ولعل الاعتماد كان على هذه الطائفة من الأدلة …
لكن السفاهة التي تُنسب لمرتكب الكبيرة، هي سفاهة أخلاقية وليست حقوقية؛ وعادة ما يُنفى الكمال في دائرة الأخلاق وليس الحقيقة. فمثلاً لدينا هذا التعبير في الرواية بأن من يفعل كذا فلا إيمان له؛ ومن يرتكب الكبيرة الفلانية فهو كافر؛ ولدينا هذا التعبير في حق تارك الصلاة وتارك الواجبات، ومرتكب بعض المحرمات، بأنهم كفار؛ في حين أن الكفر الذي يُنسب في اصطلاح هذه الروايات لتارك الواجبات ومرتكب المحرمات، ليس هو الكفر الاصطلاحي في مقابل الإسلام؛ بل هذا الكفر في مقابل الإيمان أو الكفر في بعض المراتب. لأن الحديث ليس عمن ينكر الصلاة وهو يقر بها؛ بل الحديث عن تارك الصلاة؛ أي لا يؤديها عملياً. وطبيعي أن هذا الشخص سفيه من الناحية الأخلاقية؛ لأنه لو تعمق في حقيقة الصلاة وأن الصلاة هي ما يحتاجه العبد وليس الله، وأنها أساس رقيه وتكامله، ولكنه مع ذلك يترك الصلاة، فإن هذا الشخص سفيه. وهذه هي المراتب العالية للرشد والمرتبة الأعلى للسفاهة؛ أي أن السفاهة قد تشمل بنظر العارف الكثيرين؛ كأولئك المنشغلين مثلاً بالأمور الدنيوية من الصباح إلى المساء والغافلين عن الله وأمثالهم. فمن المؤكد أن هذا لا يمكن أن يكون ناظراً إلى هذه السفاهة والرشد المنظورين في الحقوق والفقه.
وبناءً عليه، ونظراً لعدم وجود أي دليل لدينا على اعتبار العدالة في معنى الرشد، فإن العدالة إذن غير معتبرة.
تثبت هذه الأدلة الثلاثة أن العدالة غير معتبرة في معنى الرشد، وليس الأمر بحيث يوجب الفسق السفاهة؛ تلك السفاهة التي تُعد موضوعاً لبعض الأحكام كالحجر على الشخص ومنعه من التصرف.
فتحصل مما ذكرنا كله أن هذا القيد الثاني الذي ذُكر في بعض الكلمات، لا دخل له في معنى الرشد، والفسق لا يوجب السفاهة وترتب أحكامها. فإذن، أولاً السفاهة لا تنحصر في الماليات، وثانياً لا ترتبط بمسألة الفسق والعدالة إطلاقاً.
قيد في عبارة التحرير
لدى الإمام (رضي الله عنه) توضيح في تتمة متن التحرير غير موجود في العروة، وبالطبع هذا يدل على الدقة التي توخاها الإمام (رضي الله عنه) هنا؛ حيث يقول: «السَّفِيهُ الْمُبَذِّرُ الْمُتَّصِلُ سَفَهُهُ بِزَمَانِ صِغَرِهِ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِلتَّبْذِيرِ». وللإمام نفسه حاشية في ذيل عبارة السيد، توضح هذا المطلب. فحيثما كُتب «لَا يَصِحُّ نِكَاحُ السَّفِيهِ»، كتب (رضي الله عنه) «إِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِلتَّبْذِيرِ»؛ فقد قيّد هذا بمن حُجر عليه بسبب التبذير. «نَعَمِ السَّفِيهُ الْمُتَّصِلُ سَفَهُهُ بِزَمَانِ الصِّغَرِ مَحْجُورٌ مُطْلَقاً». فلدينا صنفان من السفهاء؛ فمن كان سفيهاً منذ صغره، واستمرت سفاهته عندما يبلغ أيضاً، فلا يصح نكاحه إلا بإذن الولي. وقد لا يكون شخص سفيهاً منذ صغره، وعندما يبلغ يكون رشيداً؛ بل قد تستمر هذه الحالة من الرشد فيه لعامين أو ثلاثة، ولكنه يُبتلى بالسفاهة لاحقاً؛ أي أنه أسرف وبذر وبدد أمواله لدرجة أنه حُجر عليه من التصرف. ويقول في حقه أيضاً إنه يجب أن يستأذن الولي للنكاح؛ وأن الولي هو من يحدد له الزوجة والمهر. وإن شاء الله يجب علينا دراسة هذين الفرعين وتقييم أدلتهما.