الدرس الخامس والثلاثون، المسألة السابعة، الفرع الأول
الدرس الخامس والثلاثون
المسألة السابعة – الفرع الأول – أدلة عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي – الدليل الأول ودراسته – الإشكال الأول، الثاني، الثالث، الرابع والخامس – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الأولى
25 جمادى الآخرة 1447 هـ
الفرع الأول
ذكرنا أن المسألة السابعة تشتمل على فرعين؛ الفرع الأول يدور حول نكاح السفيه المبذر. فبعد أن شرحنا معنى السفيه وتبيّن أن قيد الأمور المالية وقيد العدالة ليسا مطروحين في السفاهة والرشد، يقول الإمام (رضي الله عنه): «لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ إِلَّا بِإِذْنِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوِ الْحَاكِمِ مَعَ فَقْدِهِمَا، وَتَعْيِينُ الْمَهْرِ وَالْمَرْأَةِ إِلَى الْوَلِيِّ»؛ فنكاح مثل هذا الشخص لا يصح إلا بإذن الأب أو الجد، وفي حال عدم وجودهما، الحاكم … بل لا يصح إلا بإذنهم. ولا يقتصر الأمر على إجازة الولي لأصل النكاح، بل إن اختيار الزوجة وتحديد المهر يقع على عاتقه أيضاً. وهذا هو المشهور بين الفقهاء؛ فقد صرّح به الكثير من الفقهاء. ومنهم المرحوم المحقق في “الشرائع”، والعلامة في “القواعد” و”التذكرة”، والمحقق الكركي في “جامع المقاصد”، والشهيد الثاني في “المسالك”، والكثير من كبار الأعلام؛ كما تبنى صاحب الجواهر هذا الحكم تبعاً للمرحوم المحقق.
أدلة عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي
العمدة هو معرفة الدليل على هذه المسألة؛ فعندما تتوقف صحة النكاح على إذن الأب أو الجد، فهذا يعني ثبوت الولاية. وإذا كان رأي الأب أو الجد هو المعيار في هذا الأمر، فهذا يعني أن لهما ولاية على الشخص السفيه. سواء كانت هذه السفاهة متصلة بزمان البلوغ أو طرأت لاحقاً؛ فعلى أي حال، هذه الولاية ثابتة. فما هو الدليل على لزوم إذن الولي وعلى أن اختيار المهر والزوجة يجب أن يكون من قِبل الولي؟ لقد أُقيمت عدة أدلة على هذا المدعى.
الدليل الأول
الدليل الأول الذي أشارت إليه كلمات الكثير من الأعلام، يتألف من صغرى وكبرى؛ ويقولون إن الزواج عقد مرتبط بالأمور المالية، وأي تصرف مرتبط بالأمور المالية ممنوع على السفيه. والنتيجة أن النكاح ممنوع أيضاً.
وفيما يخص الصغرى وكون النكاح من الأمور المالية، فذلك لوجود المهر والنفقة فيه، ولذا فإن من يتزوج، يثبت في ذمته المهر ويجب عليه الإنفاق على زوجته. ففي النهاية، جانب هام من النكاح هو الأمور المالية.
والكبرى هي أن السفيه محجور عن التصرف بالإجماع؛ ولا يخالف أحد في هذا الأمر؛ فالسفيه لا يستطيع التصرف في أمواله. والنتيجة أنه ممنوع من النكاح ولا يصح له ذلك.
السؤال: …
الأستاذ: ذلك أمر آخر؛ نحن نبحث في أصل التوقف على الإذن؛ فهل يمكنه الإقدام على الزواج من تلقاء نفسه وبدون إذن أم لا؟ يقولون لا.
ولذا واستناداً إلى هذا الدليل الذي يُعد قياساً من الشكل الأول، يقولون: «لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ». وطبيعي أنه عندما يتوقف النكاح على إذنه، فإن تحديد المهر واختيار الزوجة يقع على عاتقه أيضاً.
دراسة الدليل الأول
هذا الدليل محل إشكال، كما أشكل عليه البعض. وترد عليه عدة إشكالات:
الإشكال الأول
الإشكال الأول هو أن هذا الدليل (على فرض تمامية دلالته) يثبت في النهاية أن صحة النكاح وتحديد المهر يقع على عاتق هذا الشخص. لأن الفرض هو أن سفاهته محصورة في الأمور المالية ولا سفاهة له في غير الأمور المالية. ولذا لا يحق له التدخل في تلك الأمور التي ترتبط بالمال بشكل ما؛ فمثلاً لا يمكنه تحديد المهر؛ ولكن لِمَ لا يستطيع اختيار زوجته؟ فقد قيل إن أصل النكاح يتوقف على إذن الولي. نحن نرى هنا ثلاثة مطالب في متن التحرير؛ أحدها: صحة النكاح وعدم صحته وتوقفه على الإذن؛ والآخر: تحديد المهر؛ والثالث: اختيار الزوجة. فإذا كانت جميع أركان هذا الدليل تامة، فإنه يثبت حكمين من هذه الأحكام الثلاثة، ولكنه لا يثبت مسألة اختيار الزوجة من قِبل الولي. إلا أن يُربط ذلك بالأمر المالي بشكل ما؛ كأن تكون الزوجة ممن يسرف ويبذر، فتسبب له مشكلة من هذه الجهة. وهذا الإشكال ليس في غاية الأهمية.
الإشكال الثاني
الإشكال الثاني هو أنه على فرض قبول دلالة هذا الدليل، فإنه يختص بالولد وليس بالبنت؛ لأن الكلام يدور حول السفيه، سواء كان ولداً أم بنتاً. فإذا أرادت البنت السفيهة أيضاً الزواج من رجل، فيجب أن يأذن لها والدها أو جدها. وهذا الاستدلال ينفع في الصورة والفرض الذي يريد فيه الولد الزواج؛ لأن استلزام المهر والنفقة يطرح فقط بالنسبة للولد. فالبنت لا تدفع مهراً ولا نفقة؛ والفرض أيضاً هو أن المقصود من السفيه هنا هو السفيه المالي.
السؤال: …
الأستاذ: غاية ما هنالك أنه يقول إن نكاحه صحيح ويوكل المهر للولي … هذا غير مسألة الصغر؛ فالبنت بالغة، غاية الأمر أنها بالغة سفيهة. وسواء كانت سفاهتها من سن الصغر أم ظهرت بعد البلوغ؛ فهي في النهاية بالغة؛ وبحسب القاعدة لا ولاية للأب أو الجد عليها. وهم هنا في الحقيقة يريدون القول بأنه إذا كانت سفيهة، فإن ولاية الأب تثبت.
الإشكال الثالث
الإشكال الثالث هو: لنفترض أن هذا الولد السفيه الذي يريد الزواج، يتعهد بشيء كلي في الذمة وليس بمال معين موجود بالفعل. بمعنى أنه تارة تكون الأرض أو المحل أو المال المعين، عيناً خارجية وموجودة بالفعل، فمثلاً يقول: جعلت هذا المحل مهراً لك. فهو ممنوع من التصرف المالي ومحجور، ولا يحق له فعل ذلك؛ لأنه في الحقيقة يُحدث دَيناً على نفسه. ولكن لو حدد مهراً كلياً في الذمة، فهذا محل اختلاف وليس إجماعياً.
هذا الإشكال يتوجه للمقدمة الثانية من القياس؛ لأنهم قالوا في المقدمة الثانية: «فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ»، فالسفيه ممنوع بالإجماع من التصرف في أمواله. والمقصود من الأموال التي ثبت المنع من التصرف فيها ودخلت في معقد الإجماع، هي العين الموجودة بالفعل؛ كالأرض أو النقد أو أي شيء لا يحق له التصرف فيه. أما في الكلي في الذمة فثمة اختلاف، وليس إجماعياً؛ وبمجرد أن ينخرم الإجماع، لا يمكن ذكره ككبرى للاستدلال. لأنه قال: «فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ»؛ نعم، منع السفيه من التصرف في الأموال التي ليست عيناً موجودة بالفعل بل هي بشكل كلي في الذمة، مورد اختلاف.
الإشكال الرابع
الإشكال الرابع هو أنه ربما يقول قائل: أنا سأدفع مهرك. فعندما نأتي بدليل على أن النكاح من الأمور المالية لأنه يستلزم مهراً ونفقة وهو ممنوع من التصرف في أمواله، ولكن لو قال له شخص: تزوج أنت ومهرك ونفقتك عليّ؛ فهل يمكننا هنا أيضاً أن نقول بشكل مطلق: لا يصح نكاحه؟ لا؛ لأن وجه عدم صحة النكاح هو المنع من التصرف في أمواله. فلو تحقق هذا من مال شخص آخر، فهل هناك مشكلة؟ وهذا الإشكال يتوجه للكبرى أيضاً؛ لأنه قال في الكبرى: «السَّفِيهُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ إِجْمَاعاً»، إذن لا يمكننا الركون إلى هذا الدليل والحكم بعدم صحة النكاح على الإطلاق.
الإشكال الخامس
الإشكال الخامس يعود إلى الصغرى. فمن هذه الإشكالات الخمسة، يتوجه إشكالان لكبرى الاستدلال وثلاثة إشكالات للصغرى. في الصغرى كان الادعاء هو أن «النِّكَاحَ عَقْدٌ مُرْتَبِطٌ بِالْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ»، فالنكاح عقد يرتبط بالأمور المالية؛ لأنه يستلزم المهر والنفقة. والإشكال متوجه إلى النفقة، حيث إن وجوب النفقة ليس تصرفاً مالياً بل هو حكم شرعي. فالشخص الذي يتزوج، يعطي جزءاً من ماله كالمهر للزوجة. وهذا يُعد تصرفاً مالياً؛ أما وجوب النفقة فلا يُعد تصرفاً مالياً؛ وجوب النفقة حكم شرعي وهذا ليس مصداقاً للتصرف المالي.
دراسة الإشكال الخامس
هذا الإشكال قد طرحه المرحوم السيد الخوئي، ولكن يمكننا الرد عليه والقول بأن وجوب النفقة حكم شرعي، ولكن عندما يتم عقد النكاح ويثبت به وجوب النفقة، فإن هذا يستلزم تصرفاً مالياً؛ ففي النهاية لوجوب النفقة لازم؛ والنفقة تعني التصرف المالي وأن يدفع لزوجته بانتظام من ماله الخاص.
وعلى أي حال، فعلى الرغم من أن الكثير من الأعلام قد استندوا إلى هذا الدليل، إلا أنه يبدو غير وافٍ بالمقصود لإثبات المدعى.
الدليل الثاني: الروايات
الدليل الثاني هو الروايات العامة. والمقصود بالروايات العامة هي تلك التي تمنع السفيه بشكل عام من أي تصرف وعمل يريد القيام به. فمثلاً بهذا التعبير: «لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ». صحيح أن هذه الروايات قد سلبت من السفيه بشكل عام أي تصرف، وأخذت منه حق التصرف، وقالت إن تصرفاته غير نافذة مطلقاً حتى ترتفع سفاهته. ومن جملة التصرفات العقد؛ فلا يمكنه إبرام عقد؛ والعقد أيضاً عمل؛ والإيجاب والقبول تصرف أيضاً. ولذا فهو يشمل النكاح أيضاً. إذن تارة يثبت هذا الحكم من إطلاق هذه الأدلة، أي إطلاق الروايات الدالة على عدم نفوذ تصرفات السفيه. … عدم نفوذ التصرفات مطلقاً، لا في الأمور المالية فقط.
الطائفة الأولى
الرواية عن عبد الله بن سنان؛ طبعاً وفقاً لنقل “الخصال” الذي ذكر عبد الله بن سنان؛ ولكن في نقل “وسائل الشيعة” حُذف اسم عبد الله بن سنان ونُقلت الرواية مباشرة عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ؛ ومتن الحديث متطابق في كليهما. فربما سهى الناسخ عن كتابة اسم عبد الله بن سنان؛ لأنه إلى هنا صحيح؛ فقط في المسافة بين بياع اللؤلؤ والإمام (ع)، يوجد عبد الله بن سنان وفقاً لنقل الصدوق. الرواية هي: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلَهُ أَبِي وَأَنَا حَاضِرٌ عَنِ الْيَتِيمِ مَتَى يَجُوزُ أَمْرُهُ قَالَ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»، كنت ووالدي عند الإمام الصادق (ع)؛ فسأل والدي الإمام (ع) عن اليتيم متى يجوز أمره؟ أي متى يمكنه إنجاز أعماله بنفسه وتكون أعماله نافذة. فقال (ع): عندما يبلغ أشده. «قَالَ وَمَا أَشُدُّهُ قَالَ الِاحْتِلَامُ»، فسأل والدي: وما معنى بلوغ الأشد؟ فقال (ع): يعني الاحتلام. «قَالَ قُلْتُ قَدْ يَكُونُ الْغُلَامُ ابْنَ ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَحْتَلِمُ»، فقال والدي: أحياناً يكون الصبي في الثامنة عشرة من عمره أو أقل أو أكثر ولا يحتلم؛ فما هو التكليف هنا؟ «قَالَ (ع): إِذَا بَلَغَ وَكُتِبَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ جَازَ أَمْرُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً»، فقال: عندما يبلغ ويُكتب عليه الشيء (التكليف)، جاز أمره؛ إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً. لقد بحثنا معنى وأجزاء هذه الرواية في بحث البلوغ ولا سيما بلوغ الأولاد، ولن نخوض فيها الآن؛ والعمدة هو ذيل الرواية الذي يقول إن اليتيم إذا بلغ، بشرط ألا يكون سفيهاً وضعيفاً، جاز أمره. وهذا يعني أنه لو كان سفيهاً، فإن ولاية الأب والجد تستمر عليه. فإذا ثبتت ولايته، فلا يجوز النكاح بدون إذنه.
وهذه الرواية مطلقة؛ تقول إذا بلغ، فإن لم يكن سفيهاً جاز أمره. و”جاز أمره” تشمل جميع أنواع التصرفات ومن جملة التصرفات عقد النكاح؛ ففي النهاية هو أمر وعمل. وهذا يدل على أن السفيه لا يحق له النكاح.
بحث الدرس القادم
فضلاً عن هذه الرواية، لدينا طائفتان أخريان من الروايات استُند إليهما أيضاً، ويجب أن نرى ما إذا كانتا تدلان على توقف صحة النكاح على إذن الولي أم لا. لقد لاحظتم الطائفة الأولى؛ ويجب أن ندرس تينك الطائفتين أيضاً.