The news is by your side.

الرسالة الفاطمية وقيم الثورة الإسلامية: مقاربات في بناء الهوية والمسؤولية الجماعية

النواقص، والصعوبات، وحالات الاستياء القائمة لا تقلل من أهمية الثورة الإسلامية وقيمتها، بل تضاعف من مسؤولية علاجها وإزالة أسباب الامتعاض والاستياء.

الوضع المعيشي والظروف الحياتية للمواطنين باتت صعبة للغاية، ويتعين التفكير في تدابير وحلول عاجلة وجادة لمعالجتها.

أبناء الشعب الإيراني كافة يمثلون عائلة واحدة، ويجب عليهم مواصلة الطريق بالوحدة، والتضامن، والصبر، والمقاومة، والشعور بالمسؤولية، بمحورية قائد الثورة الإسلامية والأمل بالمستقبل الواعد.

التعامل والتعاطي الودي القائم على الاحترام المتبادل، وسعة الأفق، والتحمل، وتجنب النظرات الحاقدة والمغرضة؛ يمثل الشرط الأساسي لبقاء وتماسك هذه العائلة الكبرى.

نحيي في هذه الأيام مناسبات متعددة؛ فغداً العشرين من جمادى الثانية يصادف ذكرى الولادة الميمونة للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ويوم المرأة، كما يصادف ذكرى ولادة الإمام الخمینی (قدس سره) وذكرى انتصار الثورة الإسلامية المباركة، وقبل يومين كانت ذكرى عودة الإمام الخميني المظفرة إلى أرض الوطن ومن ثم سقوط النظام الشاهنشاهي البائد. وتجتمع هذه المناسبات في ترابط وتجانس وثيق.

والحديث يطول حول الشخصية الملكوتية للصديقة الطاهرة (ع)، وقد تطرقنا لمآثرها في مناسبات شتى؛ فحين تبلغ امرأة -بإرادة واصطفاء إلهي- ذروة الكمالات الإنسانية الممكنة، فإن هذا ليس بالأمر العادي المحض؛ وكون الباري جل وعلا قد جعلها ابنة لنبيه الكريم وسيدة لنساء العالمين من الأولين والآخرين لتكون قدوة وأسوة للبشرية، فإن ذكرى ولادتها تمثل المناسبة الأسمى لتسميتها بيوم المرأة.


البعد الإنساني ليوم المرأة الفاطمي ورؤية الإسلام للمرأة

وقد تخصص الدول الأخرى يوماً للمرأة استناداً إلى مناسبات معينة، أو يكون هناك يوم عالمي أو رمزي يهدف لتركيز الأنظار نحو شؤون المرأة وإحقاق حقوقها والتوعية بمكانتها. ولكن تسمية ذكرى ولادة الصديقة الطاهرة (ع) يوماً للمرأة يحمل رسالة بالغة الأهمية؛ ومفادها أن قمة تطلعات المرأة والغاية القصوى التي يمكنها رسمها لنفسها تتمثل في هذه الشخصية الشامخة.

وأود الإشارة هنا إلى أنه لو تم تصفح أبعاد هذه التسمية بدقة ومعرفة صاحبة هذا اليوم على وجهها الصحيح، لتبين لنا أن هذا الطرح يمنح المرأة قيمتها وهويتها الحقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لأن تخصيص هذا اليوم يثبت أن الأنوثة والذكورة (الجنس) لا تضع أي قيود أو سقف أمام نمو المرأة وتعاليها ونيلها الكمالات الإنسانية الشامخة.

إن جهود العديد من الدول والمنظمات المدعية للدفاع عن حقوق المرأة تنحصر غالباً في محاولات تحريرها من بعض القيود الناشئة عن جنسها؛ ونهاية مآربهم تنصب على تأمين بعض الحقوق من الدرجة الثانية (وإن كانت هامة في حد ذاتها في سياق رفع الظلم والتمييز عن كاهلها في بعض المجتمعات). ولكن حينما نتجاوز هذه الحقوق الفرعية لنرسم للمرأة مكاناً سامياً ونترقب منها بلوغ قمة الكمالات الإنسانية، فإن ذلك يعني تبيين حقيقة مفادها: “أيتها المرأة، لستِ مقيدة بأي سقف أو قيد يمنع ازدهار إنسانيتك وبلوغك ذروة الكمال البشري؛ ولا فرق بينكِ وبين الرجل في هذا الميدان على الإطلاق”.

وهذا هو المحور والجوهر الأساس في هذه القضية؛ فالمرأة قادرة على أن تكون عالمة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وحاضرة فاعلة في المجتمع، وعفيفة طاهرة، وأماً مربية، وملجأً للدردمندين والمستضعفين والمحتاجين، وحساسة وفاعلة تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية، وتملك وعياً ثقافياً تجاه مجتمعها وصيانة هويته، مع الحفاظ الكامل على كافة الشؤون والمقومات المرتبطة بخصائصها وكرامتها كأُنثى.

إن تسمية ذكرى ولادة هذا النموذج الإنساني الفريد يثبت أن قمم الإنسانية لا تحدها حدود الجنس وعوارضه؛ وهو الطرح الأكثر عدالة ورقياً وكمالاً تجاه مكانة المرأة، وإذا عُرض هذا الفكر برصانة وعمق، فلن يقوى أي مذهب فكري معاصر على الوقوف بوجهه أو مجاراته.


نهج الإمام الخميني وتجرده في خدمة الإسلام والعباد

وتتزامن هذه الأيام أيضاً مع ذكرى ولادة الإمام الخميني وعودته إلى إيران وانتصار الثورة الإسلامية لاحقاً. وقد عبر الإمام الراحل في مواقف وخطابات شتى عن عمق ولائه وتعلقه بهذه الشخصية فاطمة الزهراء (ع)، وله كلمات ومضامين سامية وبليغة جداً في وصف مقامها الشامخ. لقد كان للإمام الراحل -وهو من ذريتها الطاهرة- تعلق وثيق بها، ويقيناً كانت الصديقة الطاهرة (ع) القدوة والأسوة للإمام في مسيرته وتكامله الذاتي وبنائه الروحي والأخلاقي لبلوغ هذه الكمالات الإنسانية.

لقد كان محور حركة الإمام وتطلعاته متمثلاً في الدين، والشعب، وعزة الإسلام والمسلمين، ودحر أعداء الأمة؛ وفي هذا السبيل أفنى الإمام عمره المبارك مخلصاً. وحقاً، يمكننا القول إنه لم ينهض ويبادر لإشعال الثورة حباً في زعامة أو رئاسة أو سلطة على العباد؛ بل كان يوجه خطابه منذ البداية للعلماء والأعاظم قائلاً: “تفضلوا بالقيام وأنا سأسير خلفكم”، متطلعاً لأن يسلم الراية للآخرين.

وفي حواراته الموثقة والمنشورة مع المرجع الديني المغفور له السيد محسن الحكيم إبان تواجده في النجف الأشرف، يخاطبه الإمام قائلاً: “تفضلوا بالنهوض والقيام بوجه الظلم والانتهاكات التي يتعرض لها الإسلام”، وحين يجيبه السيد الحكيم قائلاً: “لا نملك من يناصرنا ويسير معنا”، يعقب الإمام الراحل بالقول: “تفضلوا بالحركة وسأكون أول من يسير خلفكم ويناصركم”. ونظير هذا الموقف تكرر مع المغفور له آية الله البروجردي؛ مما يثبت أن الهدف الأساس للإمام كان رفع راية الإسلام وإعزازه، لا أن يرفع هذه راية بنفسه؛ إذ كانت عزة الإسلام والمسلمين وحل مشاكل المواطنين هي الغاية والمنتهى لديه طوال حياته الشريفة، فتشكلت الثورة الإسلامية بتلاحم الشعب ووحدته خلفه.


قراءة في منجزات الثورة وتحديات البناء المعيشي والتماسك الوطني

ونحيي اليوم الذكرى الثانية والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وقد مررنا طوال العقود الأربعة الماضية بتقلبات ومنعطفات كثيرة؛ وصحيح أن مجتمعنا وشعبنا واجهوا صعوبات وعقبات جمة ولا يزالون يعانون منها، ولكن في المقابل تحققت نجاحات وإنجازات كبرى ومصيرية؛ فكانت هناك نقاط قوة بارزة إلى جانب نقاط ضعف معينة.

وإذا أردنا تقييماً كلياً بنظرة شاملة وعامة، بغض النظر عن التفاصيل القابلة للنقد والتحليل والتمحيص، فإن الثورة الإسلامية قد وفرت رصيداً عظيماً للشعب الإيراني؛ رصيد الاعتزاز بالذات، والثقة بالنفس، والكرامة، والاستقلال والسيادة؛ وهي مكتسبات تجلت ثمراتها بوضوح في شتى الميادين، لا سيما في التقدم العلمي، والعسكري، والدفاعي، وتهيئة الأرضية لازدهار الاستعدادات والكفاءات بالرغم من وجود بعض العوائق.

وبعد مرور كل هذه السنوات، بالرغم من تراكم المشاكل وضيق معيشة المواطنين ومعاناتهم من التمييز وغياب التنسيق المطلوب في بعض الشؤون عن مساره الصحيح (وهي أمور واقعية لا أريد تبريرها أو الدفاع عنها في كل الأحوال)، إلا أن العائلة الواحدة التي بدأت حركتها نحو هدف واضح ورؤية مشرقة، يتحتم عليها مواصلة الطريق يداً واحدة بانسجام ووفاق وتحت قيادة موحدة، متجنبةً الخلافات والمجادلات وتدخل الأحقاد الشخصية للوصول إلى الغاية المنشودة. إن أبناء الشعب الإيراني كافة يمثلون عائلة واحدة، ويجب على الجميع المشاركة الفاعلة والواقعية لا الصورية في هذه الحركة، وتدار هذه الحركة استناداً إلى أصول الثورة والدستور بمحورية ولاية الفقيه. ويتعين على الجميع -بعيداً عن الأغراض والمآرب الشخصية وبتعاون وتكاتف مخلص- التفكير فقط في المستقبل المشرق والمشرف لإيران بوصفها عضواً بارزاً في الأمة الإسلامية، وتركيز طاقاتهم في هذا السبيل؛ وهنا تبرز الحاجة الماسة للاتحاد، والتكاتف، ومعرفة العدو، والبصيرة، واليقظة.


معالجة نقاط الضعف وسماحة الأفق وتأصيل التكليف الفردي

وإذا اخترنا هذا الهدف ونريد صيانة العزة الإسلامية والوطنية، فعلينا التكاتف، وبذل الجهود، والعمل الدؤوب لتقليل نقاط الضعف وعلاجها. والواقع أن بعض الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الراهنة للمواطنين غير قابلة للتبرير أو الدفاع عنها؛ فالمشاكل ثقيلة لدرجة تجعل الإنسان عاجزاً عن تقديم إجابة شافية عنها أحياناً. ومع ذلك، يجب ألا نفقد الأمل، بل نتخذ من تجارب الماضي منطلقاً لصياغة مسار المستقبل، وأن نتحلى بسعة الصدر وسماحة الأفق ونتحمل بعضنا البعض بقلوب يملؤها الود والمحبة، متجنبين النظرات الحاقدة والمغرضة التي تعد من أبرز عوائق حركتنا وتقدمنا.

إن حجم الأعمال والمشاكل كبير لدرجة أنه لو شمر الجميع عن سواعدهم وتواجدوا في ميدان العمل، لظل الوقت والطاقات شحيحة ومحدودة. وبطبيعة الحال، يجب الوعي والحذر الشديد من حالات استغلال النفوذ، والفساد، والتمييز، وتبديد الثروات؛ لأن هذه الرذائل تنفّر الشعب وتزيده ألماً، وتحول آماله إلى يأس وخيبة. ومن هنا، يملك كل فرد شأناً ومكانة تفرض عليه أداء مسؤوليته وتكليفه في هذه البرهة التاريخية.

ولقد كررت هذا المطلب مراراً: لو افترضنا -لا قدر الله- أن سبعين بالمئة أو حتى تسعة وتسعين بالمئة من الناس قد ساروا في طريق الخطأ والسهو، فإن ما سأُحاسَب وأُسأَل عنه بين يدي الله تعالى هو: لماذا سرتَ أنت في طريق الخطأ والسهو؟ إذا أهمل الآخرون الصلاة، فلماذا أهملتها أنت؟ وإذا استغل الآخرون نفوذهم ومارسوا الفساد، فلماذا مارسته أنت؟ وإذا كذب الآخرون، فلماذا كذبتَ أنت؟ إن كل إنسان رهن عمله وسيحاسب على دافعه وسلوكه الفردي. وصحيح أننا نتألم ونقلق من تصرفات ومواقف الآخرين السلبية، ولكن لا ينبغي لهذا القلق أبداً أن يخرجنا عن مسارنا الصحيح وسكتنا التي يجب أن نسير عليها.

وإذا ما قمنا بجميع مسؤولياتنا وتكاليفنا في هذه الحقبة، فسنكون مرفوعي الرأس ويحق لنا القول إننا بذلنا وسعنا وطاقتنا. وفي العصور التي كان فيها الإسلام والمسلمون والتشيع في حصار شديد ومخاطر حقيقية، ولم يرفع أحد من العلماء راية القيام والنهضة بوجه الظلم، فإن المصلح أو العالم الذي انتفض وقام بوجه الجور والفساد في عصره قد أدى تكليفه وواجبه الشرعي بالكامل وإن لم تثمر نهضته نتائج فورية؛ بينما يُسأل ويُحاسب الذين تقاعسوا عن أداء تكليفهم وواجبهم. بناءً على هذا، يتحتم على كل منا العمل بمسؤوليته الشرعية والوطنية، وأن يبذل قصارى جهده وفقاً لتشخيصه لكي يؤدي الدور والرسالة المطلوبة منه في هذا العصر بنجاح وتوفيق.