خطورة الشائعات في الفضاء المجازي: الكذب ومفاسد رواية ونشر الأكاذيب
الكذب مفتاح كل شر وبوابة جهنم، ونشر الإشاعات الأكاذيب يسهم في تقويض ركائز الأخلاق في المجتمع والأسرة.
رُوي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:«إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ».
تدل هذه الرواية الشريفة وعشرات الروايات المماثلة الأخرى على الدور المحوري والخطير الذي يؤديه الكذب في سوق الإنسان نحو عاقبة وخيمة وشؤم في الدنيا والآخرة على حد سواء. وإن حجم النهي الوارد في الشريعة عن الكذب، والآثار السلبية البالغة التي يتركها على الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان، قلما نجد لها نظيراً في بقية الذنوب والآثام. ويؤكد النبي (ص) أن الكذب «يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ»؛ أي إن الكذب يمثل بوابة الذنوب والخطايا كافة، ولا يقتصر خطره على كونه ذنباً أحادياً يورد الإنسان جهنم بمفرده، بل إنه يجر الإنسان نحو ارتكاب الكثير من المعاصي والآثام الأخرى، وبديهي أن من تراكمت ذنوبه وآثامه فسيكون مأواه ومصيره نار جهنم. ولهذا السبب وُصف الكذب والافتراء في الأحاديث الشريفة بأنه “مفتاح كل شر”.
تداعيات الكذب على التنشئة الأسرية للأطفال
ولست هنا في مقام تبيين وتشريح هذه الآثار والآليات؛ لكني أود التأكيد على أن الكذب هو معول يهدم بنيان المجتمع ويفكك ركائزه. ففي المحيط الأسري، يسهم الكذب في تقويض أركان العائلة وتزلزل ثقتها؛ وتنعكس أولى آثار الكذب بوضوح على الأطفال؛ نظراً لأن اللبنات والركائز الأساسية لأخلاق الإنسان وقيمه تتشكل وتتبلور في مرحلة الطفولة، سواء في بيئة الأسرة، أم المدرسة، أم الأصدقاء.
ولهذا تلاحظون أن الأطفال في مطلع طفولتهم لا يجيدون الكذب أبداً، وسرعان ما ينكشف أمرهم وتظهر حقيقتهم؛ وذلك لأن فطرتهم وسجيتهم النقية لم تتلوث بملابسات الدنيا ومصالحها الضيقة، فهم ينطقون بالصدق وال راستية بناءً على الفطرة السليمة التي فطرهم الله عليها؛ والقول الشائع: “خذ الصدق من أفواه الأطفال” يشير إلى هذه الحقيقة التكوينية بالضبط. غير أن هؤلاء الأطفال حين يشاهدون الآباء والأمهات يتحدثون بخلاف الواقع -ولو في الأمور الهامشية والبسيطة، أو بدافع المزاح والضحك- ينطبع في أذهانهم جواز مثل هذا السلوك وإمكانية الإتيان به، وهذا الأمر يترك أثراً بالغاً وسلبياً في بيئة المدرسة وتفاعلهم مع الأصدقاء لاحقاً. وعليه، يجب علينا بذل قصارى الجهود لترسيخ الصدق وال راستية بدلاً من الكذب، لكون الصدق هو مفتاح الفلاح والنجاة الحقيقية للإنسان في الدارين.
الرذيلة المزدوجة: الكذب ورواية الكذب عبر وسائل التواصل
ومما يؤسف له حقاً، أن واقعنا اليوم شهد الجمع بين رذيلتين؛ الكذب ورواية الكذب ونقله؛ وهما قضيتان ومسألتان متمايزتان. فتارة يبادر المرء لاختلاق الكذبة بنفسه، وتارة يبادر لنقل كذبة اختلقها غيره؛ ورواية الكذب ونقله بحد ذاته هو شر الروايات وأقبحها في ميزان رسول الله (ص).
فقد رُوي:
«عَنِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): شَرُّ الرِّوَايَةِ رِوَايَةُ الْكَذِبِ».
ومعنى ذلك أن لدينا نوعين من النقل والرواية: نقل حسن وصالح، ونقل قبيح وسيء؛ وشر الروايات السيئة وأقبحها على الإطلاق هي رواية الكذب ونقله. فعلى سبيل المثال، تشتمل “النميمة” على نقل ورواية الأحاديث، حيث ينقل المرء حديث شخص إلى آخر بقصد الإفساد وإثارة الفتنة والخلاف والنزاع بين الناس، وهي معضلة كبرى في المجتمعات البشرية؛ ولكن رواية الكذب ونقله أشد وأقبح؛ لأنها قد تشتمل على نقل “البهتان والافتراء والتهمة”، وهو عين الكذب وروايته.
واليوم، تضاعفت وتعددت أدوات ووسائل نقل الكذب وروايته؛ فصحيح أنه كان يقتصر في السابق على النقل اللساني والشفهي، إلا أنه يتجلى اليوم في هذا الفضاء المجازي وشبكات التواصل الاجتماعي عبر عمليات “إعادة الإرسال” والمشاركة الفورية؛ إذ بمجرد أن يصل موضوع أو منشور إلى يد الشخص، يبادر فوراً لإعادة إرساله ومشاركته للآخرين دون تثبت أو تمحيص. وإن هذا السلوك هو مصداق حقيقي وتام لـ “رواية الكذب ونقله”، ويجب علينا تجنب إعادة إرسال ومشاركة كل منشور أو خبر يصل إلينا فوراً في هذه الشبكات الافتراضية، سواء بدافع المزاح والتسلية أم بصورة جدية؛ لأن ذلك يسهم في إشاعة الأكاذيب وبث الشائعات، ويضر بالبنية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع من جهات شتى.
آمل أن ندرك الأهمية والمنزلة الرفيعة للصدق والاستقامة وال راستية في مجتمعنا، وأن نجتنب مفتاح الشر وبوابة الورود إلى نيران جهنم.