بيان الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي إثر رحيل آية الله مصباح اليزدي خلال درس خارج الفقه: تأكيد سماحته على الحيلولة دون هدر الطاقات والاستعدادات في الحوزة
يان الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي إثر رحيل آية الله مصباح اليزدي خلال درس خارج الفقه: تأكيد سماحته على الحيلولة دون هدر الطاقات والاستعدادات في الحوزة
رحيل المتفكرين ثلمة علمية للحوزة؛ والإنصاف الأخلاقي يقتضي تقدير الجهود العلمية والفلسفية الشامخة لفقيد الأمة.
أود الإشارة ببضع كلمات إلى رحيل المغفور له آية الله مصباح اليزدي، من باب التذكير والوفاء، وسننهي الدرس اليوم مبكراً تزامناً مع مراسم تشييع جثمانه الطاهر. وبلا شك، فإن رحيل أي عالم من العلماء -مهما كانت مرتبته وسليقته وتوجهه الفكري- يمثل ثلمة وخسارة فادحة للحوزة العلمية لا يعوضها شيء. فكلما غاب متفكر وباحث بذل جهداً وسعى زاحفاً في الحوزات العلمية، لحقت خسارة أكيدة بالساحة العلمية؛ إذ يحدث رحيل علماء الدين وقفة وفترة مؤلمة للتحصيل العلمي.
وأما ما يتعلق بالمرحوم آية الله مصباح اليزدي على وجه الخصوص:
لعل أول الكتب التي طالعتها قبل انتصار الثورة الإسلامية حول المعارف الدينية والمذهبية المخصصة لسن الشباب والناشئة، كانت من إصدارات مؤسسة “في طريق الحق” (در راه حق). وكنت حينها في الصف الأول أو الثاني من المرحلة المتوسطة، حيث واظبت منذ ذلك الوقت على قراءة الكتيبات والمجلات التي كانت تعدها المؤسسة لجيل الشباب واليافعين، وكانت بحق بالغة الأثر والنفع.
إن الالتفات والاهتمام بحاجة الجيل الجديد للمعارف الدينية الأصيلة يمثل بحد ذاته ميزة هامة جداً امتاز بها المغفور له؛ إذ لم يكن هذا التوجه والولوج إلى مثل هذه الساحات مألوفاً أو محط اهتمام الكثيرين في ذلك العصر. غير أن آية الله مصباح اليزدي -برفقة عدد من الأعاظم الآخرين كآية الله الخرازي وآية الله الأستادي وآخرين- بادروا لافتتاح هذا الدرب المبارك. وأذكر جيداً كيف كنا نقتني الكتب التي تحمل شعار مؤسسة “في طريق الحق” ونطالعها بشغف، وكانت بحق كتباً قيمة للغاية، أثمرت إثماراً فاعلاً في ارتقاء وعينا الديني في تلك الحقبة التاريخية. وبناءً على هذا، فقد لمست شخصياً بركات هذا الجهد والخدمة منذ صغري، وهو أمر يستحق التقدير والإجلال؛ فالإنصاف يقتضي ألا يخرج الناقدون عن جادة الإنصاف في تقييمهم ونقدهم لجهود الآخرين.
لقاء توجيهي وآراء في تنظيم الحوزة العلمية
وفي مطلع سنوات طلبي للعلم بعد الثورة -ربما بعد عامين أو ثلاثة من دخولي الحوزة- أذكر أنني ذهبت برفقة أحد الأصدقاء لمقابلته والاسترشاد بآرائه. فذهبنا نحن الطالبان الجديدان بعد أخذ موعد منه، وخصنا بجزء وافر وثمين من وقته؛ إذ جالسنا وتحدث معنا لما يقرب من الساعة مستمعاً وموجهاً لخططنا الدراسية.
لقد كان اهتمامه البالغ بجدوى طلاب الحوزة وضرورة توجيههم ليكونوا نافعين لأنفسهم ولمجتمعهم أمراً يكتسب قيمة كبرى في نظرنا؛ وكنت أسمع منه مكرراً تأكيده على ضرورة دراسة الطلاب بهدف واضح وبرنامج محدد يضمن الاستثمار الأمثل لطاقاتهم؛ إذ كان يرى بأسف أن عدداً من الطلاب يلجون الحوزة ويقضون سنوات طوال باذلين طاقات هائلة من دون تحديد هدف واضح أو ترسيم مسار حقيقي لحركتهم المستقبلية.
ولذلك، كان يؤكد تأكيداً شديداً على ضرورة وجود الغاية والهدف في الحوزة، والاستفادة المثلى والأكثر فاعلية من طاقات الطلاب واستعداداتهم؛ منبهاً إلى أن الكثير من الطاقات تهدر في الحوزة أحياناً بغير طائل، مما يفرض وضع البرامج والخطط الكفيلة بالحيلولة دون هذا الهدر والضياع.
وأذكر تماماً في ذلك اللقاء أننا طرحنا عليه بعض الأسئلة والاستفسارات، بل وحتى بعض الانتقادات الموجهة لمؤسسته التعليمية ومنهجه الدراسي ونسبته للحوزة العامة، فاستمع إلينا المغفور له بكل رحابة صدر، وبشاشة وجه، وسعة أفق، وأجاب عن تساؤلاتنا؛ وكان لافتاً وجميلاً جداً بالنسبة لي أن يتعامل معنا -نحن الطالبين المبتدئين- بمنتهى الخلق الرفيع، والصميمية، والحرص الأبوي المخلص موجهاً ومرشداً. وبناءً على هذا، فإن جهود هذا الرجل طوال سنوات تواجده في الحوزة والخدمات التي قدمها لهي حقيقة واضحة لا يمكن لأحد إنكارها؛ إذ قدم خطوات بالغة الأهمية ومؤثرة جداً في الساحتين العلمية والتبليغية سواء قبل انتصار الثورة أم بعدها.
التميز الفلسفي والروح النقدية في التدريس
وحين وصلت في دراستي إلى كتاب “نهاية الحكمة”، حضرت عند عدة أساتذة ولم أرتضِ منهج أي منهم؛ فما كان مني إلا أن استعنت بالتسجيلات الصوتية لدروسه ومحاضراته؛ ولم يكن حينها يدرس كتاب النهاية حضورياً؛ ويعود هذا التاريخ لقرابة خمسة وثلاثين عاماً مضت.
والإنصاف يقتضي القول بأنه كان يتميز ببيان غاية في السلاسة والعمق والنضج عند تبيين المسائل الفلسفية، مضافاً إلى روحه النقدية البارزة تجاه النظريات الفلسفية. وحسب تجربتي، فقد كانت تدور في ذهني أسئلة وإشكالات فلسفية متعددة قبيل دراسة المادة -وهو أمر طبيعي يواجه كل طالب عند ولوجه المباحث الفلسفية للمرة الأولى حيث لا تتضح المفاهيم والقضايا في الذهن بسهولة- غير أن سماحته كان يعرض هذه المطالب بعذوبة ولطافة متناهية، وكنت أجد إجابات شافية عن ذات الإشكالات والابهامات التي كانت تدور في خلدي حين يبادر لنقد كتاب “النهاية”. ولا أزال أحتفظ بمدونات تلك الإشكالات والتساؤلات التي كانت تدور في ذهني آنذاك.
لقد تلمذ آية الله مصباح اليزدي لسنوات طوال على يد الفيلسوف الكبير العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (قدس سره)، وكان متميزاً جداً ومبرزاً في فهم المباحث الفلسفية العميقة؛ إذ كان يناقشها ويحللها بنقد علمي رصين، وقد أفدت شخصياً وفائدة كبيرة من هذا الجانب؛ لا سيما من تعليقاته على كتاب “نهاية الحكمة” وسائر مباحثه وتصنيفاته الأخرى في حقل الأنثروبولوجيا والمباحث الكلامية المتنوعة.
لزوم التحلي بالإنصاف والأخلاق العلمية
وعلى أية حال، رأيت من واجبي وتكليفي الإشارة إلى هذه الأمور وفاءً للحقوق التي له في ذمتنا؛ وهي حقوق بدأت ملامحها منذ عهد صباي بمطالعة نشريات مؤسسته والاستفادة منها، مروراً بسنوات طلبي الأولى للعلم والاستفادة من نصائحه وتوجيهاته القيمة، وصولاً إلى دراسة وبحث مباحثه الفلسفية والكلامية والنهل منها طوال العقود اللاحقة. وعليه، أجد لزاماً عليّ الإشادة بهذه الجهود والخدمات الجليلة التي قدمها للحوزة وللعالم الإسلامي والفكر الديني المعاصر طوال عمره المبارك.
ويتحتم علينا جميعاً أن ندرك ونعي مبدأً هاماً؛ وهو أننا لو اختلفنا مع شخص في بعض الجوانب والآراء، فلا يسوغ لنا ذلك نفي شخصيته بالكامل وبخس جهوده ومآثره؛ إذ جرت عادة البعض للأسف على انتهاج هذا السلوك وإقصاء مآثر الآخرين، وهو مسلك يتنافى بالكامل مع معايير الأخلاق وجادة الإنصاف.
نسأل الباري عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يحشره مع أوليائه الصالحين، وأن يجعل ما ادخره من علم وعطاء نوراً ورفعة له في عالم البرزخ والقيامة. كما أتقدم بخالص التعازي والمواساة لطلابه، ومحبيه، وللحوزة العلمية، وللمراجع العظام للتقليد، ولسماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم، سائلين المولى القدير أن يبقى باب الجهد والتحصيل العلمي والخدمات المعرفية مفتوحاً ومزدهراً على الدوام.