بمناسبة ذكرى ميلاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) / من أبحاث آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في درس الخارج
فضائل علي (ع) في مصادر أهل السنة: قراءة في الأبعاد الروحية والكمالات الإنسانية ليعسوب الدين
علي (عليه السلام) هو شمس الهدى؛ فمن وضع نفسه في ضياء نوره ودفء وجوده، تحول مسار حياته يقيناً.
استناداً إلى طائفة من روايات أهل السنة، يُعد علي (عليه السلام) عصارة كمالات الأنبياء وخلاصة فضائلهم.
إن الفضائل والمآثر المروية في حق الإمام علي (ع) في مجاميع أهل السنة لم تُروَ بمثلها لأي أحد من أصحاب الرسول الأكرم.
إن البشرية المعاصرة اليوم أحوج ما تكون إلى هذا الأنموذج والقدوة الإنسانية الشامخة لإنقاذها من التيه المعنوي.
في واقع الأمر، إن الحديث عن كنه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبيان مناقبه وفضائله الشامخة يتجاوز وسعي ومثلي بكثير؛ ومصداق ذلك ما أنشده الشاعر الفارسي في بيت بليغ:
لو أنّ مياه البحر غدت حبراً لكتاب فضائلك.. لما كفت لعد صفحاته ببلّ طرف الإصبع
إن علياً (عليه السلام) بحر زاخر من الفضائل، ومحيط لامتناهٍ من المناقب والمآثر؛ وفهم وإدراك تلك الشخصية الملكوتية يتجاوز حدود عقولنا القاصرة ونحن عاجزون تماماً عن بيان حقيقتها. غير أنني سأشير في هذه العجالة إشارة موجزة إلى غيض من فيض فضائل أمير المؤمنين (ع) ومناقبه الواردة في مصادر ومراجع مدرسة أهل السنة؛ وهو أمر بالغ الأهمية يثبت أن من يملك هذه السمات والخصائص والكمال لا يمثل قدوة للشيعة فحسب، بل هو الأسوة لعموم المسلمين، بل لكل إنسان حر مهما كانت عقيدته ومذهبه في هذا العالم.
لقد أفردت بعض المؤلفات والمصنفات فصولاً لجمع وتدوين ما ورد من مناقب الإمام وفضائله في الصحاح والكتب المعتبرة لدى أهل السنة، وسأكتفي بذكر موردين منها لتوضيح جلالة قدر أمير المؤمنين (ع) ومكانته السامية لدى علماء وعامة المسلمين كافة.
منزلة أمير المؤمنين في مصنفات الحديث ومسانيد أهل السنة
المورد الأول: رواية نقلها الخطيب الخوارزمي الحنفي (المتوفى عام 568 هـ) في كتابه الشهير “المناقب”، وهو مصنف قيم خُصص لجمع الأحاديث والروايات الواردة في مناقب الإمام علي وفضائله، حيث دون فيه ما يقارب 416 حديثاً مسنداً مع ذكر طريقه ومصادره، ومعظمها مروي عن لسان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مصادر أهل السنة.
رُوي عن رسول الله (ص) أنه قال:
«إنَّ اللَّه تعَالَى جَعَلَ لِأَخِی عَلِیٍّ فَضَائِلَ لَا تُحْصِی كَثْرَةً، فَمَنْ ذَكَرَ فَضِیلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ كَتَبَ فَضِیلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ مُقِرّاً بِهَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ».
ثم يضيف (ص):
«وَمَنْ كَتَبَ فَضِیلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِیَ لِتِلْكَ الْكِتَابَةِ رَسْمٌ .. وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى فَضِیلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ كَفَرَ اللَّهُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِی اكْتَسَبَهَا بِالاسْتِمَاعِ .. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى كِتَابَةٍ فِی فَضَائِلِهِ كَفَرَ اللَّهُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِی اكْتَسَبَهَا بِالنَّظَرِ».
وقد أورد هذه الرواية أيضاً الحموئي الجويني (المتوفى عام 730 هـ) في كتابه “فرائد السمطين”، وهو من علماء ومحدثي أهل السنة المشهورين.
كيف يمكن أن يترتب على مجرد ذكر فضائل شخص، أو كتابتها، أو الاستماع إليها، أو النظر في تدوينها مثل هذه الآثار والبركات العظمى؟ إن القراءة السطحية والبدائية والظاهرية لهذا الحديث قد توحي بأن مجرد السمع، أو الرؤية، أو الكتابة، أو النطق، كفيل بمحو خطايا العبد بل وحتى خطاياه المستقبلية؛ فيتوهم متوهم أن بإمكانه قراءة ورقة من فضائل الإمام ثم ينطلق ليمارس ذات النمط والسلوك السلبي في حياته؛ يقترف المعاصي قبلها وبعدها بظن المغفرة.
إن هذا التفسير السطحي ليس هو المراد يقيناً؛ بل إن قيد «مقراً بها» الوارد في الرواية يعني الإقرار والاعتقاد الحقيقي الذي يتجلى في محاولات محاكاة هذه الفضائل وتطبيقها العملي في سلوك الإنسان ونفسه؛ فمن يسعى بصدق لتطبيق فضيلة واحدة من فضائل أمير المؤمنين (ع) في ذاته، أو يهيئ الأرضية المناسبة لاحتضان تلك المكارم في نفسه، فإن ذنوبه تُمحى وتغفر بطبيعة الحال؛ لأن هذا السعي يمثل “توبة عملية” ورجوعاً حقيقياً إلى حظيرة الطاعة، ومن يسير في هذا النهج فلن ينزلق نحو المعاصي والرذائل مجدداً. إن علياً (عليه السلام) هو شمس الهدى والضياء التكويني؛ ومن يضع نفسه في ضياء نوره وحرارة كماله، يتغير مسار حياته ومنهجه بالكامل نحو الرشاد والكمال.
تجسيد الكمالات النبوية الشامخة في شخصية علي (ع)
وفي رواية شريفة أخرى، ينقل المحدث البيهقي الشافعي عن النبي الأكرم (ص) أنه قال:
«مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، وَإِلَى نُوحٍ فِي تَقْوَاهُ، وَإِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ، وَإِلَى مُوسَى فِي عِبَادَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)».
ومفاد هذا الحديث الشريف أن علي بن أبي طالب هو عصارة الأنبياء وخلاصة فضائلهم وكمالاتهم الكبرى؛ فالعلم الآدمي، والتقوى النووية، والحلم الإبراهيمي، والعبادة الموسوية، قد تجلت وتجسدت بأجمعها في شخصيته الملكوتية. وحين يرتبط الإنسان قلباً وقالباً بشخصية تمثل جوهر الأنبياء وعصارة كمالاتهم الروحية، فإن هذا الارتباط الوثيق سيترك أثراً حتمياً ومباركاً في حياته ومسيرته؛ فالارتباط والمحبة الحقيقية لا تنحصر في اللقلقة اللسانية والادعاءات الجوفاء، بل إن الحب الصادق يثمر اتباعاً، ومحاكاة، وتأثيراً في السلوك والسريرة.
وتأملوا معي في سر هذا الحجم الهائل من الفضائل والمآثر المروية في حق أمير المؤمنين علي (ع) على لسان رسول الله (ص)؛ إذ لا تجدون في مصادر المسلمين كافة لشخص من أصحاب النبي مثل هذه الفضائل والتأكيدات النبوية الشريفة. وصحيح أن المصادر والمجاميع الحديثية لأهل السنة قد أوردت بعض الفضائل لبعض الصحابة في مواضع معينة، ولكن تلك المآثر والخصائص الفريدة التي عُدت للإمام علي لم تُروَ بمثلها وبمثل هذا السياق الشامخ لأي أحد من الصحابة على الإطلاق؛ وهذا موضع إجماع واتفاق بين علماء الأمة من المذاهب كافة، ولا ينكره منصف.
إن شخصية بهذه العظمة والمكانة في عالم الإسلام يجب أن تكون النموذج الأسمى والقدوة والأسوة لجميع المسلمين بلا استثناء. فعلي بن أبي طالب ليس حكراً على الشيعة بمفردهم، بل هو ملك للبشرية والإنسانية جمعاء، ويمثل الأنموذج الإنساني الأرقى الصالح لكل عصر وزمان.
حاجة البشرية المعاصرة لنهج أمير المؤمنين (ع)
واليوم، تقف البشرية المعاصرة وهي أحوج ما تكون إلى هذا المعين والنموذج الإنساني لإنقاذها من الضياع والتيه المعنوي والأخلاقي. لقد حافظ أمير المؤمنين (ع) على عظمته الروحية والملكوتية الشامخة في كل الأحوال؛ سواء إبان تربعه على مسند الخلافة وبسط سلطانه وحكومته، أم خلال تلك السنوات الطوال التي واجه فيها المظلومية والحرمان من حقه المشروع؛ فكان رمزاً للسمو الروحي والكرامة الإنسانية السامقة؛ لم تتلوث يداه الشريفتان بظلم أو جور وهو في أوج قدرته وهيمنته، ولم يرتضِ لنفسه ذلة أو وهناً وهو فاقد للقدرة الظاهرية.
إن عظمة صلابته واقتداره، واعتماده التام على الذات الإلهية وتفويض أمره للخالق جل وعلا، وعشقه للعدل وإقامته، وغيرته على الدين وصيانته، وحرصه الشديد على مصالح الأمة وشؤونها؛ كانت هي المعالم والركائز الأبرز التي رسمت سيرة حياته الشريفة. لم يعش علي (ع) لنفسه، ولم يسع خلف هوى أو مصلحة ذاتية، بل كان يقتحم غمار الصعاب والشدائد بكل وجوده دفاعاً عن سيادة الإسلام وإقامة صروح العدالة الإلهية، مضحياً بكافة طاقاته ورأسماله في هذا السبيل الشريف.
إن هذه الشخصية الملكوتية -التي تمثل الروح الإلهية المتجسدة على البسيطة- يجب أن تكون هي “العروة الوثقى” والوسيلة المثلى لاتصال الإنسان بعالم الملكوت ومسار استكماله المعنوي والروحي؛ والسير في درب الحق والتقرب إلى الباري جل وعلا يقتضي الاهتداء بآثار هذا الأنموذج الشامخ. إن علياً (ع) إمام الشيعة والمسلمين كافة، وشخصيته الملكوتية تتسع لعموم الإنسانية، ويتعين على البشرية التماس معالم الرشاد والكمال من سيرته ومنهجه لنيل السعادة الحقيقية والكمال الإنساني المنشود.