The news is by your side.

الدرس الثاني والأربعون، المقام الأول

الدرس الثاني والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الروايات المعارضة – الطائفة الأولى – الرواية الأولى والثانية والثالثة – دراسة الطائفة الأولى

19 ذو القعدة 1446 هـ

كان مدار بحثنا حول أدلة الكرامة الذاتية للإنسان؛ وبيّنّا أن جملة من طوائف الروايات قد استُشهد بها لإثبات الكرامة الذاتية للإنسان في الجملة، بصرف النظر عن سعة هذا التكريم وقلموره الوجودي والوظائف والحقوق المتفرعة عنه بالصناعة، وهو مبحث سنعرض لمعالجته لاحقاً. وقد فرغنا من بيان عشر طوائف روائية في الأبحاث السالفة. وتعد الطائفة الأخيرة -المتمثلة في نصوص المعاشرة والرفق الواردة في كتاب العشرة من وسائل الشيعة والكافي الشريف- باباً واسعاً غنياً بالروايات الشريفة التي يمكننا بفرزها مستقلاً زيادة عدد هذه الطوائف؛ بيد أن هذا المقدار كافٍ ووافٍ لإثبات مدعانا بالصناعة، وقد أوضحنا وجه الاستدلال الإجمالي بها عيناً.

الروايات المعارضة

تبرز في قبال هذه الطوائف الشريفة، طائفة أخرى من الأخبار والروايات التي تنهض معارضة للمدعى، وإن كانت الروايات المعارضة تنقسم بذاتها لطوائف متعددة بالصناعة. وكذا تصدينا سابقاً لمعالجة الآيات المعارضة ودفع الإشكالات الواردة بشأنها بالتحليل والتأويل المنهجي (وإن لم نتعرض لتفصيل كل آية بمفردها بل اقتصرنا على بيان كلي جامع يُلتمس منه الجواب للجزئيات)؛ نسعى هاهنا لتأويل ودفع تعارض هذه الروايات المعارضة قاطبة بموجب تجميعها في طوائف تمنع التشتت وكثرة الأعداد، ولا سيما مع وفور المطالب وضيق الوقت المتاح بالذات.

الطائفة الأولى

تنطوي الطائفة الأولى من الأخبار المعارضة على دلالة تقضي بنفي أصل الكرامة والشرف عن الكفار والمشركين والمخالفين وبعض فئات البشر؛ حيث استعمل في صياغتها لفظ صريح بنفي الكرامة: «لَا كَرَامَةَ».

الرواية الأولى

ما رُوي عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (ع): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَكُونُ فِي السَّفَرِ وَ هُوَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ، قَالَ: لَا يُغَسِّلُهُ مُسْلِمٌ، وَ لَا كَرَامَةَ، وَ لَا يَدْفِنُهُ وَ لَا يَقُومُ عَلَى قَبْرِهِ وَ إِنْ كَانَ أَبَاهُ». فالسؤال متوجه لحال مسيحي نصراني كان رفيقاً للمسلمين في سفرهم فمات؛ فأمر الإمام (ع) بألا يباشر المسلم غسله ولا دفنه ولا يقف على قبره، وعقب بقوله: «وَ لَا كَرَامَةَ»، وإن كان ذلك النصراني والداً للعبد عيناً. وهذا النص صريح بظاهره في نفي الكرامة عن الكافر بالصناعة.

الرواية الثانية

ما رُوي عن ابن مسكان عن إسماعيل الجعفي قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع): رَجُلٌ يُحِبُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ لَا يَتَبَرَّأُ مِنْ عَدُوِّهِ وَ يَقُولُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّنْ خَالَفَهُ؟ فَقَالَ: هَذَا مِخْلَطٌ وَ هُوَ عَدُوٌّ فَلَا تُصَلِّ خَلْفَهُ، وَ لَا كَرَامَةَ إِلَّا أَنْ تَتَّقِيَهُ». فالسائل يستفهم الإمام الباقر (ع) عن حال رجل يحمل مودة لأمير المؤمنين (ع) ولكنه يعزف عن التبرؤ من أعدائه ويفضل مودة الوصي على غيره؛ فوصفه الإمام (ع) بكونه مخلطاً معادياً، ونهى عن الصلاة خلفه إلا تقية، وعقب بقوله: «وَ لَا كَرَامَةَ».

الرواية الثالثة

وتكشف هذه الطائفة من الأخبار عن انتفاء الكرامة عن الكفار والمخالفين وبعض فئات الأمة؛ بل صرّح في حق العامة بقوله: «وَ اللَّهِ وَ لَا كَرَامَةَ لَهُمْ».

وهذه الأخبار تنهض معارضة بالكامل لما قررناه وأسلفناه سابقاً؛ حيث بذلنا الجهد لإثبات الكرامة الذاتية وتعميمها لعامة البشر بمقتضى التكوين والخلق التأسيسي؛ وأقمنا شواهد ومباني لتشييد المطلب. وحصول النفي الصريح للكرامة بلفظ «لَا كَرَامَةَ» في طيات هذه الأخبار يعاضد مذهب الخصوم ويقع مورداً للتعارض مع نصوص الإثبات؛ فبأي سبيل فقهي وصناعي ندفع هذا التعارض عيناً؟

دراسة الطائفة الأولى

يتعين علينا أولاً تحقيق وتعيين كنه المنفي في لسان هذه الروايات؛ فهل المتجه بالنفي هو أصل وصف الكرامة بالكلية، أم رتبة ومرتبة معينة من مراتب الكرامة بالصناعة؟ يظهر من تأمل تنوع وتعدد الفئات والأصناف الموجه إليها نفي الكرامة في هذه الأخبار أن قوله: «لَا كَرَامَةَ» لا يستهدف نفي جوهر الكرامة وأصلها التكويني بحال. فالأصناف الموجه إليها النفي تشمل: المخالفين، والعامة، والمحب الخالي من البراءة، ومثاله رجل شيعي يوالي الوصي دون التبرؤ من خصومه؛ والنصراني المسيحي المقرون بقوله (ع): «لَا كَرَامَةَ لَهُ». وكذا ما ورد في حق تارك الزكاة ومانعها صراحة: «مَنْ مَنَعَ قِيرَاطاً مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَ لَا بِمُسْلِمٍ وَ لَا كَرَامَةَ، يَا عَلِيُّ تَارِكُ الزَّكَاةِ يَسْأَلُ اللَّهَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا…». فمن الواضح انتفاء خروج المانع للزكاة عن مذهب التشيع والإيمان أصلاً، وإن صدر منه العصيان المالي بالامتناع. وكذا ما جاء في حق من خلا صنيعه من الخير ديناً ودنيا: «فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ (ص) لِعَلِيٍّ (ع) قَالَ: يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ تَنْتَفِعْ بِدِينِهِ وَ لَا دُنْيَاهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي مُجَالَسَتِهِ وَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَكَ فَلَا تُوجِبْ لَهُ وَ لَا كَرَامَةَ». فالرسول الأعظم (ص) ينهى في وصيته لعلي (ع) عن مجالسة ومخالطة من خلا كسبه وسلوكه من المنفعة والخير في عاجل أمره وآجله، ويعقب بقوله: «وَ لَا كَرَامَةَ».

وكذا ما رُوي عن محمد بن مسلم قال: «سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا كَرَامَةَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ أَنَا جَالِسٌ عَنْ رَجُلٍ نَالَ مِنْ خَالَتِهِ فِي شَبَابِهِ ثُمَّ ارْتَدَعَ يَتَزَوَّجُ ابْنَتَهَا؟ قَالَ: لَا؛ قُلْتُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَفْضَى إِلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ! فَقَالَ: لَا يُصَدَّقُ وَ لَا كَرَامَةَ». فالسؤال عطف على مسألة النكاح في فرض الجناية بملامسة الخالة؛ فمنع (ع) زواجه من ابنتها تالياً، ولما وجه السائل صنيعه بعدم حصول الوقوع العيني والاكتفاء بما دونه، أجاب الإمام بالقول: لا يُصدق ولا كرامة؛ وهو نفي معطوف على شخص الجاني صراحة بالصناعة.

وكذا ما رُوي في طلاق السكران وغيبوبة عقله بالمسكر: «سَأَلْتُهُ عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ وَ لَا كَرَامَةَ»؛ فالطلاق لغو باطل، وعقبه بـ «لَا كَرَامَةَ».

ونظير هذا التعبير مستقر ومأثور في فقه اللعان والفرقة الحاصلة بموجبه بالتمام.

وكذا ما رُوي في ذم طائفة من الفقهاء المعرضين عن الهدى: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ وَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا كُلَّهُمْ، فَإِنَّ مَنْ رَكِبَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَ الْفَوَاحِشِ مَرَاكِبَ عُلَمَاءِ الْعَامَّةِ فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ عَنَّا شَيْئاً وَ لَا كَرَامَةَ».

وكذا ما رُوي في شأن قذف الزوجة ورميها بالسوء: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ؟ قَالَ: يُجْلَدُ؛ قُلْتُ: أَ رَأَيْتَ إِنْ عَفَتْ عَنْهُ؟ قَالَ: لَا وَ لَا كَرَامَةَ».

ويتحصل من استقراء هذه الروايات والأخبار الشريفة السالفة، خضوع ثمانية أو تسعة طوائف وفئات من الناس لنفي الكرامة بلسان المعصومين (ع) بالنظر لصنيعهم وأفعالهم؛ كما تلاحظون في المورد الأخير القاضي بانتفاء أثر عفو الزوجة وإسقاطها الحد عن الزوج القاذف بقوله (ع): «لَا وَ لَا كَرَامَةَ»؛ فهو نفي متوجه لخصوص القاذف شخصاً وسلوكاً. والملحوظ في بعض هذه المقامات خروج تعبير «لَا كَرَامَةَ» عن حيز وموضوع بحثنا العلمي بالكلية؛ لكونه ناظراً لعدم مشروعية العمل وإلغاء أثره عيناً؛ فكأنه يقرر انتفاء قيمة الصنيع وفائدته بالصناعة. وتارة أخرى يتوجه النفي لخصوص شخص المكلف، غير أنه نفي مقيد برتبة ومرتبة معينة من مراتب الكرامة والزلفى، لا أصل ووصف الكرامة التكوينية الذاتية بالذات. فالشيعي الممتنع عن إيتاء الزكاة، أو الشيعي العازف عن إفادة المؤمنين بمجالسته، أو الواقع في حيز اللعان أو السكر، يستحيل القول بسلب كرامته الذاتية ونفي كينونته بالكامل؛ لكونه باقياً تحت ربقة التشريف التكويني العام؛ وإن رتبت عليه عقوبات وحرمان من مراتب الكرامة الخاصة بالصناعة. فالحقيقة التي أثبتناها بطوائف الأدلة العشرة تباين عيناً المضمون المنفي هاهنا موضوعاً وسياقاً. والخبر الوحيد الصالح لإحداث المعارضة مع مدعانا هو الوارد في شأن النصراني المسيحي المقترن بـ «لَا كَرَامَةَ»، وكذا ما جاء في العامة عيناً. وصار من الواضح لكم انتفاء صلة عمدة هذه الأخبار ببحثنا وخروج لفظ «لَا كَرَامَةَ» فيها عن حيز التنازع المعرفي بالتمام. فالكرامة المبحوث عنها مستقرة في وادٍ، والمنفية هاهنا جارية في وادٍ آخر، لكونها متباينة موضوعاً ومرتبة بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: ينهض مساق قوله: «لَا كَرَامَةَ» بقرينة جملة: «فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَ لَا بِمُسْلِمٍ» شاهداً على امتناع إرادة نفي الكرامة التكوينية الذاتية بالذات؛ بل المراد نفي مراتب وشؤون الإيمان والكرامة المعنوية الخاصة ليس إلا.

وكذا الشأن يسير في توجيه رواية المسيحي المتوفى في السفر مع المسلمين؛ حيث يقرر المعصوم (ع): «لَا يُغَسِّلُهُ مُسْلِمٌ، وَ لَا كَرَامَةَ، وَ لَا يَدْفِنُهُ وَ لَا يَقُومُ عَلَى قَبْرِهِ»؛ فالكلام صريح في حظر مباشرة غسله ودفنه والقيام على قبره من قِبل المسلم؛ والنهي لا يقتضي تركه جيفة وإهمال جسده، بل حظر مباشرة هذه الآداب والسنن الشريفة الخاصة بأموات المسلمين في حقه؛ وهو تفريق عقلائي تشريعي يهدف لفرز معالم الملة والشريعة خارجاً؛ وقد قررنا سابقاً انتفاء منافاة اختصاص المسلمين ببعض المزايا والامتيازات التشريعية مع القول بثبوت الكرامة الذاتية لعامة العباد تكويناً وجبلة بالصناعة. وكذا امتناع مجافاة الحقوق وإعمال القصاص والحدود مع الكفرة والجناة لا يصادم بحال كرامتهم الذاتية.

وعليه، فإن المنفي في حق النصراني هو التكريم والتشريف الخاص المأثور لأموات المسلمين؛ وهو امتناع لا يصادم ركائز كرامته الذاتية بالتمام… فليس للمساواة المطلقة سبيل في مذهبنا؛ وهاهنا مبحثان مستقلان: الأول: حيازة عامة البشر لضمانات وحقوق فطرية مشتركة؛ والثاني: تميز المؤمنين والمسلمين بفيوضات وحقوق تشريعية فريدة مناسبة لرتب إيمانهم؛ ومثاله التوضيحي عيناً: رعاية المدير والجمعية لكافة شؤون المدرسة والطلاب قاطبة وتأمين متطلباتهم على السواء، مع تخصيص المجدين والمخلصين بجوائز وشؤون تفاضلية رفيعة بالتمام.

السؤال: …

الأستاذ: إن نفي التكريم هاهنا ناظر لجسد المتوفى نصرانياً وبدنه عيناً؛ ولو كان معلولاً لخصائصه العقلية وقواه التكوينية كالإرادة والاختيار، لاستوى الميت المسلم معه في انتفائها بالذات… فمعايير الملاك التكويني لا تتباين فيها الأبدان، وهي متحدة بالصناعة.

وأما الرواية المأثورة في حق العامة فمؤداها: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: مَا يَضُرُّ مَنْ كَانَ عَلَى وَلَايَتِنَا وَ مَحَبَّتِنَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَا يَسْتَظِلُّ بِهِ إِلَّا الشَّجَرُ وَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ وَرَقِهَا، أَخَذَ النَّاسُ يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ لَزِمْتُمُونَا؛ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ لَا يُسَوِّيَنَا اللَّهُ وَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْعَامَّةَ- فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ وَ لَا كَرَامَةَ لَهُمْ». وصحيح استعمال لفظ «لَا وَ اللَّهِ وَ لَا كَرَامَةَ لَهُمْ»، غير أن سياق المطلب والمقابلة مع مرتبة الموالين الشيعة حجة كاشفة وقرينة بالغة على إرادة نفي المماثلة والرتبة المعنوية العظمى، لا نفي أصل الكرامة والحرمة الذاتية بالمرة بالصناعة. فالعبد السائل بادر بالقول: نرجو ألا يسوينا الله بهم؛ فأجابه الإمام (ع) بنفي الاستواء والكرامة المعنوية الخاصة لهم عيناً؛ فالكلام ناظر لجهة المقارنة والمعنوية، ونأى تماماً عن حيز الكرامة الذاتية التكوينية الثابتة للبشر قاطبة بما هم بشر. ومن ثم، يمتنع صيرورة هذه الروايات معارضة حقيقية لمدعانا؛ لكونها معنية بنفي مراتب الكرامة المعنوية والتشريعية الخاصة، وخارجة عن موضوع الكرامة الذاتية التكوينية بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: تشتمل طوائف أدلتنا المثبتة للكرامة على روايات ضعيفة السند عيناً، وكذا تشتمل طائفة النفي المعارضة على روايات ضعيفة الأسانيد؛ بيد أننا نفترض التنزل عن البحث السندي بالتمام ونجري المحاكمة في مساحة الدلالة والتأويل المنهجي عيناً بالصناعة.