الدرس الحادي والأربعون، المقام الأول
الدرس الحادي والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الثامنة والتاسعة والعاشرة
13 ذو القعدة 1446 هـ
الطائفة الثامنة من الروايات الدالة بوجه من الوجوه على الكرامة الذاتية للإنسان، وحقيقة حيازته بما هو إنسان للحدود الدنيا من الاحترام والشرف والكرامة التي تتفرع عنها بالتبع حقوق معينة له بالصناعة، تتبلور في الأخبار الناهية صراحة عن مطلق التعذيب، والتخويف، والفتك (القتل الغافل المباغت). ففي باب الإقرار، تظافرت النصوص على أن إقرار العبد الواقع تحت وطأة الضغط والإكراه والتعذيب أو الحبس والتهديد والتخويف، باطل ممتنع عن ترتب أثر الحد والقصاص عليه. وصحيح أن بعض الاستثناءات قد سُجلت في كلمات الفقهاء لتجويز التعذيب في فروض معينة؛ غير أن هذه الاستثناءات ممتنعة عن نفي هذا الشأن والتكريم والكرامة المتقررة للإنسان بالذات؛ فلها توجيه ومبنى مقرر في موضعه.
الطائفة الثامنة
تشتمل هذه الطائفة الثامنة من الأخبار على الروايات المانعة مطلقاً من ارتكاب شتى صنوف التعذيب والإكراه الجسدي والنفسي للعبد، وتنهى عن تخويفه أو الفتك به غيلة؛ ونبين نماذج منها بالصناعة:
الرواية الأولى
ما رُوي عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه أن علياً (ع) قال: «مَنْ أَقَرَّ عِنْدَ تَجْرِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَخْوِيفٍ أَوْ تَهْدِيدٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ». فالحق سبحانه يبطل أثر الإقرار الحاصل تحت وطأة ظروف قسرية كالتجريد والحبس والتخويف والتهديد، ويمنع ترتب الحد الشرعي بموجبه بالتمام. وهذا يكشف عيناً عن وجوب السلوك الإنساني والرفق في معاملة المتهمين والجناة؛ لكون الإقرار من مسالك إثبات الجناية عيناً.
السؤال: …
الأستاذ: إن نفي العقاب والحد الشرعي عمن تم انتزاع إقراره بالتعذيب والإكراه يفوق رتبة النهي التكليفي المحض بموجب ما قررتموه… فبطلان إقرار المتهم الواقع تحت التعذيب والضغط والإكراه، ليس له توجيه سوى رعاية الحرمة وحفظ الحد الأدنى من التكريم والرفق بالعبد بما هو إنسان بالصناعة. وحقيقة حيازة الإنسان لحرية الإقرار ومباشرته بمحض إرادته واختياره تكشف عيناً عن موقع متميز تفرّد به. وبطبيعة الحال، لو قامت البينة والقرائن والشهود لتمكين القاضي من إصدار الحكم، فمطلب مستقل خارج عن المبحث؛ غير أن امتناع ممارسة التعذيب مع العبد في الأحوال الطبيعية لاستنطاقه وانتزاع إقراره، حجة على شأن ومقام خاص وُهب للإنسان بالذات.
الرواية الثانية
الرواية التالية ترتبط بحظر “الفتك” بالعبد؛ ونقصد بالفتك عيناً القتل غيلة وغدراً على حين غرة وهو الاغتيال معاصراً؛ فحتى من ثبت استحقاقه للقتل شرعاً فقد حُظر قتله فتكاً بالصناعة. وتجلى هذا المبدأ بوضوح في موقف مسلم بن عقيل في دار هاني بن عروة وامتناعه عن اغتيال عبيد الله بن زياد رعاية للأثر المأثور والنهي النبوي: «وَ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَنِ الْفَتْك»؛ فالإسلام يمنع هذا الصنيع ويستقبحه. وصحيح أن النهي هاهنا لو حملناه على التنزيه والكراهة دون الحرمة التحريمية، فإنه ينهض حجة كافية لإثبات دعوانا؛ لكونه يكشف عن استقباح معاملة العبد -بما هو إنسان- بكيفيات معينة مباغتة، وهو استقباح مؤسس بالتبع على ما حازه العبد من مزايا وشرف وجودي بالذات.
ما رُوي عن أبي الصباح الكناني قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِنَّ لَنَا جَاراً مِنْ هَمْدَانَ يُقَالُ لَهُ الْجَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَ هُوَ يَجْلِسُ إِلَيْنَا فَنَذْكُرُ عَلِيّاً أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ فَضْلَهُ فَيَقَعُ فِيهِ»؛ فالسائل لم يصف جاره بكونه ناصبياً صريحاً… بل يذكر خوضه بالقول بالباطل ووقوعه في ذم أمير المؤمنين (ع). «أَ فَتَأْذَنُ لِي فِيهِ؟» (أي في قتله؟)؛ «قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا الصَّبَّاحِ، أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا؟ فَقُلْتُ: إِي وَ اللَّهِ لَئِنْ أَذِنْتَ لِي فِيهِ لَأَرْصُدَنَّهُ، فَإِذَا صَارَ فِيهَا اقْتَحَمْتُ عَلَيْهِ بِسَيْفِي فَخَبَطْتُهُ حَتَّى أَقْتُلَهُ؛ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا الصَّبَّاحِ، هَذَا الْفَتْكُ، وَ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَنِ الْفَتْكِ؛ يَا أَبَا الصَّبَّاحِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ قَيَّدَ الْفَتْكِ». فالإمام الصادق (ع) ينهى أبا الصباح عن القتل غيلة الموصوف بالفتك رعاية للحدود والأوامر النبوية الشريفة.
والسؤال المطروح: ما مبرر نهي المعصوم (ع) عن الفتك بالعبد خارجاً؟ ولِمَ حُظر القتل غيلة وغدراً؟ لا ريب في كونه كاشفاً عن رتبة من الحرمة والشأن الموهوب للإنسان تمنع معاملته بالاغتيال والفتك عيناً. وسنبين لاحقاً في مبحث العقوبات لزوم رعاية حقوق الجناة والمجرمين حتى حال إجراء القصاص والحدود عليهم؛ وهي شؤون تؤول في مجموعها لثبوت الكرامة الذاتية للإنسان بما هو إنسان بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: لسنا هاهنا بصدد تفصيل الحدود والقيود والمحددات التكليفية والشرعية الحاكمة؛ لذا قررنا ثبوته في الجملة. ومع وجود هذه القيود الحاكمة، يمتنع عروض الخدشة في وجه استدلالنا بالخبر الشريف عيناً؛ والرواية مأثورة في الكافي بسند معتبر بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: الإشكال المثبت لضعف أسانيد طائفة من الأخبار والروايات سنعرض لمعالجته ودعمه لاحقاً لإثبات اندفاعه بالتمام بالصناعة.
الطائفة التاسعة
الطائفة التاسعة تنطوي على الأخبار والروايات المقررة لحيازة العبد لواحد من الأمور الثلاثة السالفة في بحث مباني الكرامة الذاتية بالذات. ويسوغ لنا إفراز أخبار كل مورد من هذه الأمور بالصناعة؛ فلدينا روايات عديدة دالة على وجود جوهر العقل في جبلة العبد؛ وأخرى ناطقة بوجود الإرادة والاختيار التكويني في نفسه؛ وثالثة تقرر ثبوت الحرية والأصل التكويني لحريته بالتمام. وتظاهر الروايات وتواترها في إثبات هذه الأمور وافر جداً، ولا نرى حاجة لسردها وتفصيلها هاهنا. وقد تناولنا بالتبيين عمدة هذه الامتيازات والمزايا في الطائفة الأولى عند حديثنا عن مباني الكرامة الذاتية: كالعقل، والإرادة، والاختيار، وحق الانتخاب، والنزوع الوجداني والمشاعر الأخلاقية المودعة في طينة الإنسان. وأشرنا إجمالاً لطائفة من هذه الأخبار عند عرض الشواهد المقررة لكل مورد هناك. غير أننا هاهنا نجمع شتات هذه الروايات في طائفة روائية واحدة بالتمام، رغماً عن استيعابها لأعداد وافرة من النصوص المأثورة.
فالأخبار المقررة لحيازة الإنسان لهبة خاصة ونعمة اختصاصية، والتزامها بكون هذه الموهبة مفرزة له عن سائر الكائنات، يثبت بالوجدان والتحليل علو كعبه وحيازته لموقع ومقام ممتاز في الخليقة؛ ونعرض لنقل رواية نموذجية لكل مورد بالترتيب:
المجموعة الأولى
ما رُوي عن أمير المؤمنين (ع) ونقله ثقة الإسلام الكليني في الكافي الشريف صراحة بقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ آدَمَ لَمْ يَلِدْ عَبْداً وَ لَا أَمَةً وَ إِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ». فالبشر قاطبة ولدوا أحراراً بمقتضى الخلق والتكوين.
ونظير هذا البيان مستقر ومأثور في نهج البلاغة الشريف ضمن وصايا أمير المؤمنين (ع) ورسائله لولديه وأقربائه بالتمام.
المجموعة الثانية
الروايات الدالة على حيازة الإنسان لجوهر العقل التكويني؛ كالأثر الشهير المروي عن أمير المؤمنين (ع) المفسر لحقيقة الخلق والتفاضل بين الكائنات: أن الله خلق الملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في الإنسان كلي الأمرين عيناً. فوهب العقل للإنسان ميزة تفوق وشرف بالصناعة.
وكذا ما ورد في نهج البلاغة الحكمة 413: «كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ».
المجموعة الثالثة
الروايات الدالة على حيازة الإنسان للإرادة والاختيار التكويني وحق الانتخاب الفعلي؛ وتنهض دلالتها لإثبات هذه الميزة وصيرورة العبد بموجبها مستحقاً للرعاية والآثار الفقهية الحاكمة.
ونظير ذلك قوله (ص): «النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ»؛ فالأصل تقرير الاستواء والتكافؤ لعموم الناس قاطبة بلفظ «النَّاسِ» المجرّد من خصوص الإيمان والملة بالصناعة. والظاهر أن هذا التكافؤ ليس كلياً من كافة الجهات الوجودية بل هو استواء وتماثل في الجملة؛ ومفاده الاشتراك في جملة من المزايا والحقوق والضمانات التكوينية الأساسية. فيستوي العباد في أصل الصنع والخلق ونيل النعم المتاحة وحرمة دماءهم لولا الجناية والعدوان بالتمام عيناً.
إذن، فالعقل والإرادة والاختيار والعواطف الوجدانية كرامات ذاتية تستوجب بالضرورة ثبوت حقوق ومزايا للعبد؛ فلو حاز العبد هذه القوابل التكوينية بمقتضى الجبلة وهبة الخالق تبارك وتعالى، لزم من ذلك كونه كرامة ذاتية ثابتة للبشر قاطبة، وامتنع نفيها وسلبها؛ فالعمدة تدور مدار الاستعداد الفعلي والوعاء الموهوب للبشر دون تفاوت.
الطائفة السادسة
الطائفة السادسة تشتمل على الروايات المعنية بكيفية التعامل والمعاشرة مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ حيث تضمنت هذه الأخبار وصايا وتوجيهات شرعية تلزم برعاية شؤونهم وتلبية ضروراتهم الإنسانية، وحظرت إهمال حقوقهم الطبيعية بالكامل؛ فبأي مسار نخرج هذه التوصيات الشريفة؟ فحين يأمر المعصوم برعاية شيخ كبير نصراني عاجز، فهل يؤول صنيعه لشيء سوى حيازة هذا العبد لقيمة وحرمة تستوجب رعاية ضروراته تكليفاً عاماً للمجتمع والدولة بالتبع؟ ويستحيل حمل هذه الأخبار والوصايا قاطبة على غرض حماية الذميين فحسب بذريعة المعاهدة؛ لكون الأدلة خالية تماماً من الإشارة لهذا التعلق الصوري؛ بل تجد جل التوصيات والبيانات الشريفة معطوفة بدقة على الجهة الإنسانية والضرورات التكوينية للبشر بالصناعة.
الرواية الأولى
ما رُوي عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به أمير المؤمنين (ع) قال: «مَرَّ شَيْخٌ مَكْفُوفٌ كَبِيرٌ يَسْأَلُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَصْرَانِيٌّ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): اسْتَعْمَلْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا كَبِرَ وَ عَجَزَ مَنَعْتُمُوهُ! أَنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ». فالإمام علي (ع) يمر بشيخ كبير مكفوف يطلب المعونة ويسأل الناس، فاستفهم مستنكراً: «مَا هَذَا؟»؛ فأجابه الحضور بالقول: إنه نصراني مسيحي؛ ولحن جوابهم يشي بكون تكدي النصراني أمراً عادياً لا قبح فيه؛ لكونه غير مسلم فلا حرج في ذله وإهماله عيناً. فأنكر عليهم الوصي (ع) بقوله: «اسْتَعْمَلْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا كَبِرَ وَ عَجَزَ مَنَعْتُمُوهُ!»؛ ثم أصدر أمره الشريف: «أَنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ».
وهذا النص صريح في امتناع رضا الإمام (ع) بإذلال العبد وإهانته وسقوط حرمته التكوينية خارجاً وإن كان كافراً جاحداً؛ ومقتضاه ثبوت الكرامة الذاتية وحيازة العبد للحدود الدنيا من الحقوق والضمانات المعاشية التي يتعين توفيرها. فلا مجال للقول بإهماله وترك شأنه.
الإشكال
وقد يثار إشكال وخدشة تتوجه لعموم هذه الأخبار والوصايا السالفة؛ ومفادها أن هذا الاهتمام والتأكيد من أمير المؤمنين (ع) نشأ عيناً من التزامات الدولة الحاكمة برعاية المعاهدين والذميين المبرمين لعقد الذمة مع المسلمين؛ فصيانة شأنهم واجب تعاقدي تفرع عن العقد، ولا صلة له بمسألة الكرامة الذاتية للإنسان بما هو إنسان أصلاً.
الجواب
وقد تصدينا لدفع نظير هذا الإيراد عند كلامنا عن الرواية القاضية بظلم المعاهدة وسلب خلخالها؛ وبيّنّا انتفاء دلالة الأخبار على تعليق الأمر بوصف الذمة أو رعاية المواثيق الصورية للدولة؛ فالإنكار والغضب الصادر من أمير المؤمنين (ع) معطوف بدقة على قبح الفعل وشناعته الإنسانية بالذات. وتجعل طائفة من الحقوقيين هذه الرواية الشريفة مستنداً لتأسيس قانون “الضمان الاجتماعي” والتزام الدولة برعاية العاجزين والمسنين من الرعايا؛ ولسنا معنيين بهذا البعد الحقوقي فعلاً… بل الشاهد يكمن في استنكار الإمام (ع) واعتراضه البالغ على مشهد إذلال الشيخ النصراني وسلوكه التكدي؛ وهو استنكار إنساني يعم شؤون المكلف في سائر أحواله حكماً وحكومة؛ وتجد سيرته الشريفة حافلة بالإنكار على مظاهر الجور حتى قبل تصديه لبسط اليد والخلافة الظاهرية؛ فكان يعترض عيناً على صنيع الخلفاء ويطالبهم بالرفق؛ ومتى خلا من بسط اليد سارع للإنفاق من ماله الخاص وما أحياه من بساتين بالمدينة رعاية للفقراء والمعوزين بالتمام. فالأمر بالإنفاق من بيت المال: «أَنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ» حكم ولائي سلطاني يختص بحال بسط اليد؛ بيد أن إنكار الذل واستقباح الجوع للشيخ النصراني حكم إنساني أخلاقي راسخ ومستمر بالصناعة.
وعليه, تتكفل روايات الطائفة السادسة ببيان وجوب رعاية المعاهدين وأهل الذمة وصيانة حرمتهم التكوينية؛ ورغم خروجهم عن ربقة الإيمان والإسلام، إلا أن كرامتهم الإنسانية في حدود الاحتياجات الأساسية وحفظ الرمق والمنع من الإذلال مصونة بالتمام.
الرواية الثانية
ما رُوي عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عن آبائه (ع): أن أمير المؤمنين (ع) صاحب رجلاً ذمياً في طريقه؛ فاستفهمه الذمي بالقول: أين تريد يا عبد الله؟ فقال (ع): «أُرِيدُ الْكُوفَةَ». فلما انشعبت الطريق بالذمي وعدل عن جادة كوفة ليسلك سبيله، عدل معه أمير المؤمنين (ع) وصاحبه تالياً؛ فاستغرب الذمي وسأله بالقول: ألم تقرر رغبتك في ورود الكوفة؟ فقال (ع): بلى؛ قال الذمي: فلِمَ تركت السبيل الواضح وسلكت معي هاهنا؟ فأجابه الإمام علي (ع) بالقول: «أَرَدْتُ أَنْ أُشَيِّعَكَ هُنَيْئَةً لِأَقْضِيَ حَقَّ الصُّحْبَةِ، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ الصُّحْبَةِ أَنْ يُشَيِّعَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ إِذَا فَرَقَهُ، وَكَذَلِكَ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا (ص)»؛ فقال له الذمي مستنكراً: أهكذا قال نبيكم؟ قال (ع): نعم. فصاحبه الذمي تالياً وأسلم لبركة هذا الصنيع العظيم.
والشاهد يبرز يقيناً في تصريح أمير المؤمنين (ع) بوجود “حق للصحبة” مستوجب للرعاية والتمام بالتشييع والرفق؛ مستنداً لأمر الرسول الأعظم (ص)؛ فلولا هذا النص الصريح الدال على مصاحبة الذمي وجريان حق المشايعة والرفق معه بالذات، لقال البعض باختصاص حق الصحبة بالمؤمنين والمسلمين قاطبة؛ بيد أن السيرة العملية والبيان النبوي أبطل هذا التقييد بالصناعة؛ وصيّر الآداب والرفق الإنساني عاماً مستوعباً لجميع البشر. فالتأليف والوقار وحسن الخلق يمثل جوهر الدعوة المحمدية وبسط الهدى؛ وبها تميل القلوب وتزول حجب الكفر والجحود اختياراً ورغبة. ويمتنع القول بجواز جفاء الكافر أو التعدي عليه لكونه كافراً؛ بل القاعدة والأصل تقضي برعاية كرامته وحرمته الذاتية في حدود المعاملة والرفق بالتمام.
السؤال: …
الأستاذ: نعم، فالذمي لم يحط علماً بهوية أمير المؤمنين (ع) في مطلع الطريق؛ فلما وردا الكوفة تيقن حقيقته وصاحبه تالياً عيناً.
الطائفة السابعة
الطائفة السابعة تنطوي على طائفة من الأخبار والروايات التي بموجبها يقرر الشارع الاعتراف ببعض سلوكيات ونظم سائر الملل والنحل والشرائع المخالفة؛ وعمدتها قاعدة: “لكل قوم نكاح”؛ المستفيضة بالأخبار والدلائل في أبواب النكاح والطلاق؛ ومفادها أن أنكحة سائر الملل والنحل وإن خلت من شروط الصحة والمضمون الشرعي المقر عندنا، إلا أنها مقبولة ومرعية ما دامت مطابقة لقوانينهم وشرائعهم الحاكمة؛ ويرتب الشارع عليها آثار الزوجية والولد والنسب بالتمام؛ ويحظر قذفهم ورميهم بالفاحشة بموجبها. بل وبلغ الاعتراف والرفق غايته في شأن “المجوس” الذين يستجيزون نكاح المحارم في ملهم؛ فبموجب قاعدة “لكل قوم نكاح” قُبل نسبهم وحظر رميهم بالفاحشة بالصناعة؛ وهو تكريم ورفق عظيم.
الرواية الأولى
ما رُوي عن ابن أبي عمير عن أبي الحسن الحذاء قال: «كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْجُلَسَاءِ: مَا فَعَلَ غَرِيمُكَ؟ فَقَالَ: ذَاكَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) نَظَراً شَدِيداً؛ قَالَ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُ مَجُوسِيٌّ أُمُّهُ أُخْتُهُ! فَقَالَ (ع): أَ وَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ نِكَاحاً؟». فبمجرد تلفظ الرجل بوصف «ابْنُ الْفَاعِلَةِ» في حق المجوسي المولد من نكاح المحارم، واجه الإمام الصادق (ع) بنظرة إنكار وغضب شديدين؛ فلما وجّه صنيعه بكونه مجوسياً ناتجاً عن نكاح الأم والأخت المقر عندهم والمردود عندنا؛ أجابه الإمام بالقول: «أَ وَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ نِكاحاً؟». وهذا الغضب والإنكار الشديد يكشف عيناً عن لزوم رعاية حرمة العبد وصيانة عرضه من السب والقذف؛ لكون قوانين ملته تقر هذا النكاح؛ فيحرم رميه بالزنا بالصناعة.
الرواية الثانية
ما رُوي عن عبد الله بن الصلت قال: «كَتَبَ خَلِيلُ بْنُ هَاشِمٍ إِلَى ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ -وَ هُوَ وَالِي نَيْسَابُورَ-: إِنَّ رَجُلًا مَجُوسِيّاً مَاتَ وَ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ، فَأَخَذَهُ قَاضِي نَيْسَابُورَ فَجَعَلَهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لَيْسَ عِنْدِي فِي هَذَا شَيْءٌ؛ فَسَأَلَ أَبَا الْحَسَنِ (ع)، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (ع): إِنَّ الْمَجُوسِيَّ لَمْ يُوصِ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِقْدَارُ ذَلِكَ الْمَالِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ فَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَاءِ الْمَجُوسِ». فالقاضي ناصب الجور قد صادر مال المجوسي الموصى به للفقراء وصيّره لفقراء المسلمين؛ فلما استفهموا الإمام الرضا (ع)، أنكر صنيع القاضي بالقول: إن الموصي لم يستهدف فقراء المسلمين بعهده؛ فبأي مسوغ تُسلب وصيته ويسوى بها خلاف مراده؟ ثم أمر (ع) بسحب مقدار ذلك المال من زكاة المسلمين وصداقاتهم وإعطائه لفقراء المجوس تنفيذاً لوصية العبد المجوسي ورعاية لحقه المالي بالصناعة. وهل يُتصور رعاية وصيانة لحق الكافر والمجوسي تفوق هذا التدبير الفقهي الشريف؟ ومقتضاه ثبوت الكرامة والرفق والحرمة الذاتية له عيناً بالتمام.
الطائفة العاشرة
طائفة دهم روایات را دیگر به تفصیل وارد نمیشويم، لکن اجمالاً بدان جهت اشاره میکنیم که ابوابی از كتاب العشرة في وسائل الشيعة أو الكافي الشريف غنية بالروايات التي تدل بالاستنباط والملازمة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ فبموجبها يسوغ لنا استبيان أصل المعاشرة ورعاية العباد وتكريمهم بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: ما تذكرونه يندرج تحت “كتاب المعروف” الصادر بذيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بيد أن مبحثنا معني عيناً بـ “كتاب العشرة” المقرر في المجلد الثاني عشر من وسائل الشيعة… وأطالبكم بضرورة مراجعة وفهرست هذين الكتابين عيناً للوقوف على الأبواب والشواهد الصالحة لإثبات مدعانا بالدقة العلمية…
وبالجملة، يثبت لنا بالدليل الثاني وهو الروايات بمختلف طوائفها وألسنها، دلالة كافية على إثبات أصل الكرامة والحرمة الذاتية للإنسان بما هو إنسان بالصناعة؛ وتترتب عليها بالتبع طائفة من الحقوق الأساسية له؛ وسنعرض لاحقاً لبيان تعارض طائفة أخرى من الروايات معها وتوجيه الجمع بينهما بالصناعة والتحقيق العلمي المعتمد.