الدرس الثالث والعشرون، المقام الأول
الدرس الثالث والعشرون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الثانية: 4. الأمانة الإلهية – تقريب ذاتية هذه الكرامة وشواهدها – مناقشة ذاتية هذه الكرامة – احتمالات في معنى الأمانة
19 رجب 1446 هـ
استعرضنا حتى الآن جملة من الأمور التي ذُكرت أو يمكن ذکرها بوصفها مبدأً للكرامة الذاتية للإنسان، حيث فرغنا من بيان عدة موارد تندرج ضمن الطائفة الأولى، وتطرقنا كذلك إلى مناقشة عدة أمور من الطائفة الثانية.
4. الأمانة الإلهية
والمورد الآخر المطروح كأحد مباني الكرامة الذاتية للإنسان هو الأمانة الإلهية. فبموجب النص القرآني، عرض الحق سبحانه وتعالى أمانته على الإنسان فقبلها وتحملها؛ وهذا ما صرّح به الذكر الحكيم ولا ريب فيه؛ كما في قوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبین أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» [الأحزاب: 72]). ودلالة الآية الشريفة واضحة جلية؛ حيث يقرر الباري جل وعلا عرضه للأمانة على السماوات والأرض والجبال، غير أنهن امتنعن عن قبولها وحملها وأظهرن الإشفاق والخوف منها، بيد أن الإنسان انبرى لحملها وقبولها، متصفاً في سياق این حمل بكونه ظلوماً جهولاً. وثمة بحث عريض هاهنا في وجه اتصاف الإنسان بالظلومية والجهولية عقيب تصديه لحمل الأمانة الإلهية الشريفة.
تقریب ذاتية هذه الكرامة
ويؤول مفاد الآية الشريفة بالنظر إلى حقيقة الأمانة إلى أن الله تبارك وتعالى قد استودع الإنسان شيئاً وأودعه لديه بوصفه أمانة؛ والأمانة والوديعة من اسمهما تفيدان ضرورة صيانة الشيء المستودع وحفظه والسعي في رعايته تمهيداً لرده ودفعه لصاحبه ومودعه عيناً. ولذا استُعمل لفظ الأمانة هاهنا، وإلا لقال الباري سبحانه: إنا وهبنا أو أعطينا؛ ولكن التعبير بالأمانة يقتضي الحفظ والرعاية من قِبل الأمين عيناً تمهيداً للرد عاقبة المطاف. وأياً كان المعنى المختار للأمانة (نظراً لاختلاف الأنظار في كنهها والذي سنبينه تفصيلاً)، فإن ذات تفرد الإنسان بحيازة هذه الأمانة وقبولها، وامتناع السماوات والأرض والجبال عن حملها، ينبئ عيناً عن حيازة الإنسان لطاقة وقابلية خاصة مفقودة في سائر كائنات النشأة الوجودية؛ كأن سائر الموجودات (ومنها الحيوانات) عاجزة عن النهوض بوطأة هذا الحمل بالتمام. ورغم أن ظاهر النص يقتصر على عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال دون التصريح بسائر المخلوقات، إلا أن هذا العرض يمكن حمله على شموله لأهل هذه العوالم وسكانها بالتبع. أو قد يراد بالسماوات والأرض والجبال ذواتها بوصفها أعظم مخلوقات النشأة المادية وأجله خطراً وقوة، أو يراد بها أهلها، أو الجمع بین التفسيرين معاً؛ ومقتضى ذلك انفراد الإنسان عيناً بقبول هذه الأمانة وحملها دون غیره.
وحينما يخص الباري جل وعلا الإنسان باستيداع هذه الأمانة دون سائر العوالم، ولا سيما مع ثبوت وجيبة ردها وحفظها، فإن ذلك يكشف عيناً عن منزلة فريدة وموقع ممتاز يحظى به الإنسان؛ لكونه تصدى للنهوض بهذه المسؤولية الشاقة والطاقة الطاحنة التي عجزت عنها سائر العوالم. ومنه يثبت جلاء التكريم والتبجيل والتشريف الإلهي للإنسان بالصناعة؛ إذ ائتمنه الباري على سره المكنون ووديعته الشريفة.
وينبغي الالتفات إلى نكتة هامة، وهي أن هذه الأمانة لا تتصف بالجنبة التشريعية بل هي حقيقة تكوينية؛ والشاهد على ذلك عرضها على السماوات والأرض والجبال، إذ يمتنع عقل وصناعة توجيه التشريعات والقوانين المكتوبة لذوات الجمادات والسماوات والأرض؛ لعدم أهليتها وقابليتها للخطاب التشريعي بالذات. وهذا يؤكد أن المعروض حقيقة تكوينية راسخة. ومتى ثبتت تكوينية الأمانة، تعين القول بثبوت هذا مقام للإنسان ذاتاً، وتفرده بهذا التكريم الرباني دون سائر المخلوقات؛ فلما كانت الأمانة حقيقة تكوينية جبلية، امتنع حملها على الكرامة الاكتسابية بالكلية، واستقر القول بكونها كرامة ذاتية للإنسان. لكون هذه الأهلية والخصيصة قائمة في كينونة الإنسان عيناً دون غيره من الموجودات. وهذا يدل على وجود أهلية حقيقية، وبروز، وعظمة، وشرف، وامتياز خاص حظي به الإنسان بالذات.
شواهد ذاتية هذه الكرامة
وبناءً على مفاد هذه الآية الشريفة:
أولاً: إن الباري جل وعلا قد ائتمن الإنسان على حقيقة أودعها إياه بوصفها أمانة، وهو صنيع مجمع على كونه تكريماً جليلاً وتجلّياً لكرامة ذاتية بموجب الشواهد والقرائن؛ لكونها حقيقة تكوينية أفيضت على ذات الإنسان بما هو إنسان في قبال الجبال والأرض والسماوات؛ فلا صلة لها بالتشريع الكسبي أصلاً. ومتى ثبتت تكوينية الأمانة، امتنع تأويلها على محمل الكرامة الاكتسابية بالصناعة.
ثانياً: إن استيداع هذه الحقيقة بوصفها أمانة ينطوي على وجيبة الرد والصيانة؛ والوديعة لا تودع إلا عند من اتصف بالأهلية والنزاهة والقدرة على الحفظ؛ مما يكشف عيناً عن حيازة الإنسان بما هو إنسان لأهلية الحفظ والرعاية عيناً. فالقدرة على التحمل والوعاء الوجودي الفسيح ثابت للإنسان بما هو إنسان في تقدير الباري سبحانه، وبموجبه أفيضت عليه هذه النعمة والوديعة الشريفة.
وعليه، فإن هذا صنيع يؤول لتكريم الإنسان وتشريفه بما هو إنسان، بمعزل عن إيمانه وعقيدته؛ لكون البشر قاطبة حائزين لهذه الأهلية والطاقة الوجودية الفسيحة؛ مما يقطع بكون هذه الكرامة ذاتية، لانتفاء مدخلية الإيمان والعقيدة واللون والعرق والمذهب في أصل ثبوتها واستحقاقها. وهذا مجمل تقريب الاستدلال بالآية على الكرامة الذاتية.
السؤال: …
الأستاذ: لو كانت هذه الأمانة حقيقة تشريعية محضة، لما استقام عرضها على السماوات والأرض والجبال عقلاً وصناعة بالذات.
السؤال: …
الأستاذ: حتى لو تنزلنا عن فرضية سكنى العوالم، فإن الأرض تستوعب الجبال عيناً… وحينما نقرر “أهل الأرض” فإن الأرض في قبال السماء تشتمل على الجبال طبعاً… ومن ثم يقع ذكر الجبال مستقلاً عقيب الأرض محلاً للسؤال والبحث… وأياً كان التفسير المختار للأمانة، وسواء دلت على التكريم أم انتفت دلالتها عليه، فإن تساؤلنا حول وجه عطف الجبال على الأرض يبقى قائماً بالصناعة. ولست بصدد الخوض في دقائق المباحث التفسيرية والنكات اللغوية لهذه الآية الشريفة… وإنما مدار بحثنا هاهنا ينحصر في كشف دلالة الآية الشريفة على الكرامة الذاتية ومحاكمتها؛ لبيان ما إذا كانت الأمانة الإلهية منشأً لكرامة ذاتية حقيقية للإنسان أم لا… فهذه الآية تنطوي على عشرات المباحث العلمية، ونحن بمعزل عنها فعلاً؛ إذ الغرض هاهنا ينصب على معالجة هذه الجهة المحددة بالذات.
بررسی ذاتی بودن این کرامت
ويتعين علينا الآن إخضاع هذا الاستدلال للمحاكمة والموازنة، لبيان مدى صحة استفادة الكرامة الذاتية من ظاهر النص الشريف أم لا. والآراء والنظريات في كشف كنه الأمانة حافلة بالخلاف؛ ولذا يمتنع علينا الجزم بدلالة الآية على الكرامة الذاتية قبل تحقيق معنى الأمانة عيناً. وسأعرض لعرض الآراء والوجوه المطروحة في تبيين حقيقة الأمانة إجمالاً، ليتسنى لنا تالياً معرفة صلاحيتها لإثبات الكرامة الذاتية أم لا.
احتمالات در معنای امانت
ذكر أمين الإسلام الطبرسي في “مجمع البيان” وجوهاً ومعاني شتى للأمانة، كما قرر العلامة الطباطبائي مذهباً خاصاً فيها، وكذا الإمام الخميني (قده). وتتلخص الاحتمالات والوجوه المطروحة هاهنا في موارد:
-
ذهب الزمخشري إلى أن الأمانة هي الطاعة بالاصطلاح؛ وهي المقابلة للمعصية، وتؤول لفعل الأوامر واجتنب النواهي الإلهية.
-
ما نقله الطبرسي من كون الأمانة عبارة عن الأوامر والنواجر الإلهية قاطبة؛ وهي مجموع الأفعال والتروك الموجهة للمكلف بحدود الشرع والوظيفة.
-
ما نقله الطبرسي أيضاً من كون الأمانة هي الأحكام والفرائض الشرعية؛ وهي تؤول بمعنى ما إلى ذات الأوامر والنواهي السالفة.
-
ما نقله الطبرسي عيناً من كون الأمانة هي الوفاء بالعهود والمواثيق.
-
صرّح العلامة الطباطبائي بأن الأمانة عيناً هي الولاية الإلهية؛ وحقيقة الولاية الإلهية أو قبولها تؤول لعلو كعب الإنسان وحيازته لمنزلة الخلافة الإلهية؛ لكون الولاية الإلهية الكلية تقتضي بسط سلطان النيابة عن الباري جل وعلا في أرضه بالتمام.
-
ذهب الإمام الخمینی (قده) إلى أن للأمانة في هذا المقام جنبتين؛ ظاهرية وباطنية؛ فالجنبة الباطنية تؤول لحقيقة الولاية الكلية المطلقة الإلهية؛ بينما تتمثل جنبتها الظاهرية في التكاليف الإلهية والوظائف الشرعية المنظورة. فقوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ» يؤول بالدقة لعرض الأمانة بشقيها؛ أي تحميل التكاليف وعرض حقيقة الولاية على السواء. وحصول الولاية الإلهية الكلية وتجسدها تكويناً يمكن تصوره من قِبل السماوات والأرض والجبال أيضاً، بل هو متحقق فعلاً؛ لكون هذه العوالم منقادة للولاية الإلهية وخاضعة لها. غير أن الولاية الكلية المنظورة هاهنا هي اتصاف ذات الإنسان وحيازته لهذه الولاية؛ تماماً كالحقيقة المحمدية الممثلة للوجود المنبسط عقيب الذات الأحدية والأقرب عيناً لساحة القدس المهيمن على سائر مراتب الخلق والواسطة لفيض الوجود. فهذا هو كنه الولاية الكلية الإلهية. وقد فصّل الإمام (قده) هذا المطلب في كتاب “آداب الصلاة” ومواضع أخرى من كلماته الشریفة.
-
وهنالك معنى آخر مستفاد من طيات كلمات الإمام الخميني (قده) أيضاً؛ يقرر فيه أن الأمانة المذكورة هي الفطرة الإلهية والتوحيد الكامن في جبلة البشر قاطبة.
السؤال: …
الأستاذ: لو كان التوحيد معلوماً ومقبولاً بالفعل عند الجميع، لتعين اتصاف البشر قاطبة بالتوحيد الفعلي ثبوتاً…
8.تذهب جملة من الأخبار إلى أن الأمانة هي ولاية أهل البيت (ع) وخصوص ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)
9. وقيل إن الأمانة هي العقل البشري.
وبعض هذه الوجوه والمعانی قابل للتداخل والاندماج بالتبع؛ وإذا أردنا إخضاعها للميزان العلمي أمكننا إرجاعها إلى أمرين أو ثلاثة لا تزيد بالصناعة.
10. وقيل إن الأمانة هي جوارح وأعضاء البدن البشري المستودعة لديه.
وإذا صنفنا هذه الوجوه صياغةً، أمكن حصرها في مقامات ثلاثة أو أربعة؛ أولها: الشريعة والأحكام الإلهية؛ وهي مجموع التكاليف والوظائف الشرعية المأثورة عيناً؛ بموجب ما استقر في كلمات الزمخشري والطبرسي. ومفاده عرض الشريعة والتكاليف على العوالم ونهوض الإنسان بحملها وقبولها. وثانيها: العقل البشري. وثالثها: الفطرة بموجب التوجيهات السالفة. ورابعها: الولاية الإلهية الكلية الشاملة لولاية النبي الأعظم (ص) وأئمة الهدى (ع) بالتبع؛ لكون ولايتهم تجلياً لولاية الحق سبحانه. يقرر المحققون أن ولاية الرسول الأعظم (ص) هي ولاية بالصناعة والأصل، بينما ولاية أمير المؤمنين (ع) هي ولاية بالتبعية والعرض بالصناعة؛ فهو (ص) ولي الله بالذات ووصیه (ع) ولي الله بالعرض والتبع؛ والولاية مستقرة لهما في الذروة العليا، ويحظى سائر البشر بنصيب ورتبة منها بحسب سعتهم الوجودية ومراتبهم المعنوية.
وهذه جملة الوجوه والمعاني المصورة للأمانة في الباب. ويتعين علينا الآن إخضاع هذه الوجوه الخمسة للدراسة والتحقيق؛ لبيان مدى صلاحية هذه الوجوه لإثبات الكرامة الذاتية بالصناعة؛ ومحاكمة هذا المدعى ونقد شواهده ودلائله بالدقة العلمية اللازمة.