The news is by your side.

الدرس الرابع والعشرون، المقام الأول

الدرس الرابع والعشرون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الثانية: 4. الأمانة الإلهية – دراسة ذاتية كرامة الأمانة الإلهية – النتيجة

20 رجب 1446 هـ

بيّنّا في الجلسة السابقة شأن الأمانة الإلهية؛ حيث ذهب فريق إلى كونها تكريماً مفيضاً من لدن الباري تبارك وتعالى للإنسان، وأن البشر قاطبة -بمعزل عن معتقداتهم وألوانهم وأعراقهم ومناطقهم الجغرافية- قد شملهم هذا التشريف عيناً؛ ويرى هؤلاء أننا بأي معنى حملنا الأمانة، فإن القرائن والشواهد الكامنة في ذات النص الشريف تؤكد حظوة الإنسان بهذه الكرامة الذاتية. وبيّنّا ضرورة إخضاع هذا القول للمحاكمة والموازنة، لبيان مدى صلاحية الأمانة الإلهية لتأسيس الكرامة الذاتية للإنسان أم لا.

دراسة ذاتية كرامة الأمانة الإلهية

وللإجابة عن هذا التساؤل المثار، يتعين علينا إلقاء نظرة فاحصة على المعاني والمباني المطروحة في كشف حقيقة الأمانة؛ إذ بمقدورها هدايتنا لمعرفة ذاتية هذه الكرامة أو انتفائها بالصناعة. وقد أسلفنا في الجلسة السابقة نيفاً وعشرة معانٍ للأمانة، ونبهنا على إمكانية إرجاع جل هذه الوجوه والمعاني لبعضها الآخر؛ وندرسها هاهنا بالدقة:

  1. إن صرنا إلى تفسير الأمانة بـ “العقل”، فقد مر الكلام فيه تفصيلاً؛ حيث بيّنا في طيات مباني الطائفة الأولى حقيقة العقل وقررنا كونه كرامة ذاتية للإنسان.

  2. وإن حملنا الأمانة على معنى “الفطرة”، فمآله مقبول عيناً كمبدأ للكرامة الذاتية؛ لكون الفطرة من الموارد المستقرة ضمن طيات مباني الطائفة الأولى أيضاً. وبطبيعة الحال، مع الالتفات إلى أن العقل في این مقام مغاير للفطرة؛ لكون العقل قد يُطلق ويراد به ذات الفطرة في بعض الاستعمالات.

  3. وإن قيل إن الأمانة تؤول بمعنى “الولاية الإلهية”، ويراد بها أن الله سبحانه وتعالى قد عرض ولايته على الإنسان فتقبلها وانقاد لها؛ وهو ما يؤول للإيمان بالله أو الفطرة التوحيدية الجبلية؛ فإن هذا الوجه لا يمثل أمراً مستقلاً عيناً. لكون الولاية بهذا المعنى -باعتبار أن الله ولي العباد وعلة العلل ومنبع الفيوضات والخيرات قاطبة- هي عين الفطرة التوحيدية المستقرة التي أسلفنا القول فيها؛ والمتمثلة في النزوع الفطري نحو الكمال المطلق والانزجار من النقص والعدم؛ وقد أوضحنا هذا التفصيل وقررنا كونه كرامة ذاتية. وعليه يظهر رجوع هذه الوجوه الثلاثة للمباني السالفة عيناً.

  4. وأما إن كان المراد هو “الولاية الكلية الإلهية” الثابتة للإنسان نفسه، فمآله يؤول بدقة لمسألة “الخلافة الإلهية”؛ بمعنى أن الإنسان يحوز بإذن الباري ولاية كلية تتفاوت سعتها وضيقها بتفاوت رتب الأفراد ومقاماتهم؛ فيرجع هذا الوجه في حقيقته إلى صيرورة الإنسان خليفة للباري سبحانه، وكلما سما قربه وزلفاه من الحق اتسعت سيطرته وعظم نطاق ولايته الكلية بالتبع.

السؤال: …

الأستاذ: لقد أوضحنا أن هذا شأن من شؤون الاستعداد والأهلية… وقررنا في مقام الخلافة انتفاء كونها كرامة ذاتية للإنسان بالصناعة. وما ذكرناه حتى الآن يؤول بالتمام للمباني السالفة؛ لكون الوجوه المذكورة تدور مدار مبانٍ سلف تبيين حالها وتقرير ذاتيتها أو اكتسابيتها في الأبحاث الماضية.

5.وإن صرنا إلى القول بأن الأمانة المذكورة هي “ولاية أهل البيت (ع)” أو خصوص “ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)”، فهذا الوجه -مع كونه لا يصلح كتفسير لكلمة الأمانة بل هو تطبيق لها على مصداقها الأتم ومجلاها الأكمل- يؤول أيضاً لمعنى سلف تبيينه؛ وهو الولاية الكلية التي يتصف النبي الأعظم وأهل بيته (ع) بكونهم المصداق الأكمل والأجلى لها عيناً؛ وقبول هذه الولاية يندرج بالوجدان في ديرة الفطرة الإلهية. لكون الأمر من شؤون الأسماء الإلهية لا الأشخاص بالذات، فليس ثمة حقيقة مباينة له؛ فهذه الولاية قائمة لكونهم يمثلون نموذج الإنسان الكامل المعين من لدن الحق سبحانه لهداية البشر وإرشادهم في الأرض؛ والعبد بحكم جبلته نزاع نحو الكمال؛ واستقرار الأسوة والقدوة للبشر يهدف لمعاينة الكمال مجسداً عيناً في كينونة الإنسان الكامل، فيحصل له بفضل النزوع نحو الكمال المطلق ميل وانجذاب نحو الإنسان الكامل متمثلاً في النبي وآله الميامين (ع).

ومن ثم، فإن هذا البحث قد سلف تبيينه وتقرير حكمه بالصناعة؛ فإن حمل على معنى الفطرة، فهو كرامة ذاتية بلا ريب؛ غير أن ذات هذا الحمل محاط بالإشكال والخدشة عيناً.

6 و7 و8. وإن حملت الأمانة على معنى “الأحكام والفرائض” بموجب ما ذهب إليه بعض المحققين، أو فُسّرت بـ “الأوامر والنواهي الإلهية”، أو حملت على معنى “الطاعة والعبودية”؛ فإن إرادة أي من هذه الوجوه الثلاثة… يواجه إشكالات صناعية وتفسيرية واضحة بدواً. لكون القول بأن الأمانة التي عرضها الباري على السماوات والأرض فأبينها هي ذات الأحكام والفرائض والعبودية والأوامر والنواجر غير تام بالصناعة. بالنظر للنكتة السالفة القاضية بكون الأمانة خصيصة تكوينية مودعة في الإنسان؛ وحينما تُعرض الحقيقة التكوينية على السماوات والأرض والجبال، يتعين اتصاف المعروض بقابلية الحمل والقبول عندهم ثبوتاً؛ وإلا لكان عرض الممتنع عليهم لغواً ومحلاً للإشكال الصناعي بالذات. وسنعرض لاحقاً لتبيين المعنى الحق وتوضيح كنه امتناع العوالم عن الحمل ونهوض الإنسان بوطأته بالتمام.

وعلى أي حال، بالنظر لكون المستدل نفسه قد ارتكز على هذه النكتة وجعلها شاهداً ركيناً على تكوينية الأمانة ونفى عنها التشريع الكسبي بالتمام؛ فبموجب ذات الميزان والمعيار المقر من قِبل المستدل عينه، نسجل إيراداً يقضي بامتناع ملاءمة الحقيقة التكوينية مع فرض تفسير الأمانة بالأحكام والفرائض والتكاليف والطاعة الموجهة للسماوات والأرض؛ ويمتنع القول بامتناعهم وحمل الإنسان لها بالوجدان.

السؤال: …

الأستاذ: سائر الوجوه تندرج تحت هذا المساق؛ فالقول بأن الأمانة تعني هبة الاختيار والإرادة للإنسان وسلبها عن السماوات والأرض ممتنع هاهنا. وحينما نقرر انتفاء ملاءمة بعض المعاني لضوابط استدلال المستدل نفسه، فإن الإيراد لا يقتصر على هذا المعنى بالخصوص. نعم، فبعض الوجوه السالفة تباين الضوابط المقررة في كلمات المستدل عيناً… فما كنه هذه المسؤولية؟ وهل التكليف والوظيفة الشرعية حقيقة تكوينية؟… والبحث يدور مدار قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا»، ولو كان الأمر على هذا النحو لما استقام توجيه الامتناع والإباء والشفقة عيناً.

ومن ثم، يظهر امتناع إرادة هذا التفسير بالصناعة. وإضافة إلى ذلك، لو قيل إن المراد هو التكليف أو الطاعة أو الأمر والنهي أو الفرائض الشرعية، وتغاضينا عن هذا الإشكال وصيّرنا الامتثال والامتناع عيناً بمعنى عدم حيازة السماوات والأرض لأهلية التكليف والحكم والوظيفة وقابلية العبودية والمعصية، واتصاف الإنسان بقابلية هذا الحمل؛ فإن هذه القابلية والاستعداد لا بد لها من منشأ حقيقي تقوم به، وإلا فلا تمثل شيئاً مستقلاً بالذات. وهذا المنشأ إما أن يؤول للعقل، یا ينشأ عن الاختيار والإرادة، وهما من شعب العقل بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: لقد قررنا للعقل معنيين؛ والمعنى المطروح هاهنا هو القوة التكليفية الخاصة بالإنسان والمنفية عن الملائكة بالتمام… فالعقل بهذا المعنى من خصوصيات الإنسان، وإلا لانتفت كونه كرامة بالصناعة؛ فإذا اتصفت به سائر الكائنات، فأي كرامة وتشريف للإنسان هاهنا؟ والجهة المنظورة في هذه الأبواب قاطبة هي ثبوت تكريم وتفضيل يختص به الإنسان عيناً. ثم يقع البحث في كون الكرامة فعلية عاجلة، أم شأنية اقتضائية استعدادية؟ وهنالك يبرز التفاوت والفرق العظيم الذي يؤول بالتبع لصيانة الكرامة الذاتية أو صيرورتها اكتسابية.

وعلى أي حال، بأي من هذه المعاني صرنا وقبلنا التوجيه، فإن مآلها يرجع لمنشأ كالعمل أو العقل یا الإرادة؛ فلا تصلح بالصناعة لتكون مبدأً مستقلاً تؤسس عليه الكرامة الذاتية للإنسان.

ولو غضضنا الطرف عن المنشأ وجعلناها مستقلة بالذات، فلا مناص من حمل الطاعة والتكاليف والأحكام على “قابلية حمل هذه المسؤولية” وأهلیتها. ومتى حملت على القابلية والأهلية، انتفت عنها الكرامة الذاتية؛ لكون الكرامة الذاتية تفتقر للفعلية والعمومية والاستقرار وعدم الزوال، وهي شروط قررناها سابقاً لثبوت ذاتية الكرامة؛ ومن الواضح انتفاء هذه الخصائص هاهنا بالوجدان. فالأمر يدور في فلك الاستعداد والوعاء القابل، وسنبين أن ظاهر الآية ناظر عيناً للاستعداد والأهلية لا الفعلية عاجلاً.

السؤال: …

الأستاذ: ذات وصفي الظلومية والجهولية لا يحملان على النقص والذم عند طائفة من العرفاء؛ بل يذهب أهل العرفان والشهود لكون الاتصاف بالظلومية والجهولية مزية وخصوصية يتفرد بها الإنسان… وتفصيل تفسيرهم للظلومية والجهولية سنعرض لبيانه إن سمح الوقت بمشيئة الله…

وعليه، يمتنع حمل الأمانة على هذا الوجه أيضاً.

9. وإن قيل إن المراد بالأمانة هو جوارح الإنسان وأعضاؤه البدنية؛ بمعنى أن الباري جل وعلا قد ائتمن العبد على نعم كالأذن والعين واللسان واليد؛ فإنه قول واهٍ لا يستقيم صناعة؛ إذ كيف يُتصور عرض الجوارح البدنية على السماوات والأرض والجبال؟ ويمتنع توجيه العرض بالوجدان، ويأباه ظاهر النص الشريف بالصناعة.

إذن، يظهر بالدقة أن الأمانة الإلهية لا تمثل كرامة ومبدأً مستقلاً لتكريم الإنسان؛ بل تؤول بالتبع والتحليل لأمور ومبانٍ سلف ذكرها وتبيين حالها؛ فأي معنى افترضناه للأمانة يرجع عيناً لتلك الأصول. وبعض الوجوه باطل في نفسه هاهنا؛ والمقبول منها يرجع لتلك الموارد السالفة التي يتصف بعضها بالاکتساب وبعضها الآخر بالذاتية. فلا تصلح الأمانة مستقلاً لتأسيس مبدأ الكرامة الذاتية للإنسان.

النتيجة

وبموجب ما أسلفناه من أبحاث، فلعل التفسير الذي سنعرض له هاهنا يمتلك رجحاناً علمياً وصناعياً على سائر الوجوه المعروضة؛ وبموجبه يتحدد القدر المسلم من الآية الشريفة في نطاق “الكرامة الاكتسابية”. وقد ذهب العلامة الطباطبائي في تفسير الآية الشريفة وبيان وجه امتناع السماوات والأرض والجبال وحمل الإنسان للأمانة بالقول: إن امتناع العوالم عن حمل الأمانة -رغم عظم خلقها وضخامة كينونتها وجلالة قدرها في عالم المادة- يؤول لعدم حيازتها للاستعداد والأهلية والقابلية الوجودية للنهوض بوطأة الأمانة بالذات؛ وليس الشأن شأن عرض يواجه بالرفد والامتناع الفعلي؛ بل الامتناع عين “عدم القابلية والافتراض الاستعدادي”؛ فكأن الباري يقرر عجز السماوات والأرض والجبال مع عظم خلقها عن حيازة الأهلية والاستعداد لحمل هذا السر المكنون والوديعة الشريفة. بينما انبرى الإنسان لحملها، بمعنى تفرده بحيازة الوعاء الوجودي والقابلية والأهلية والاستعداد لنهوض بوطأتها؛ فذات هذا الاستعداد والأهلية هو الأمانة عيناً بالتحليل؛ وحصول هذه القابلية والوعاء للإنسان يمثل حقيقة الأمانة؛ وخلو العوالم من هذه الأهلية يؤول لخلوها من الأمانة بالصناعة. ومتى ثبت كون المعروض استعداداً محضاً -كأهلية الخلافة الإلهية، والزلفى من الحق، ونيل الكمال، ومسجودية الملائكة، وحيازة الولاية وقبولها وسائر طاقات الكمال المطلق المودعة في طينته- فإن هذا الاستعداد وإن كان متصفاً بالفعلية ثبوتاً إلا أنه قوة وصلاحية محض بالنظر للمقصد والكمال الفعلي. فالاستعداد يعني قابلية بلوغ ذرى الكمال؛ وهو تشریف وقدر عظيم بلا شك، غير أنه لا يكفي عاجلاً لصيرورته كرامة ذاتية مستقرة؛ لكون الغايات والكمالات المترتبة عليه تندرج تحت مسار “الكرامة الاكتسابية”؛ وحيازة الاستعداد بالفعل إنما تقوم بوجود الفطرة والعقل، وهما كرامتان ذاتيتان سلف إثباتهما. وعلى أي حال، فإن مجرد اتصاف الإنسان بهذا الاستعداد والوعاء يمثل قيمة وشرفاً عظيماً، غير أنه لا يصلح لتأسيس كرامة ذاتية مستقلة بالذات.

وهنا يثور تساؤل وإشكال صناعي: إن كان قبول الإنسان للأمانة ناشئاً عن كونه ظلوماً جهولاً، فكيف يستقيم جعل الظلومية والجهولية فضيلة ومسوعاً للتكريم؟… والجواب: أن وصفي الظلومية والجهولية من الأمور التكوينية أيضاً؛ بمعنى أن خلق الإنسان يشتمل على نزعات متضادة وقوى متباينة؛ فبمقدوره الارتقاء لأوج الملكوت والكمال، وبمقدوره الهبوط لأسفل دركات الخسة والجهالة؛ فيكون عادلاً أو ظلوماً، وعالماً أو جهولاً. وهذا يؤول لقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين؛ (كما في قوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ» [التين: 4-5]). فإذا جعلنا الآيتين على نسق واحد وحملنا الظلومية والجهولية على محمل النقص، لاستقام التخريج وصح القول؛ فالباري يقرر خلق الإنسان واجداً لأهلية حمل الأمانة بالاستعداد والوعاء، غير أنه بإرادته وسلوكه سلك مسلك الظلم والجهل اختياراً، فنأى عن معالم العلم والعدل والكمال بالتبع.

وعلى أي تقدير، فإن حمل الأمانة الإلهية بمعنى حيازة هذا الاستعداد يمثل امتيازاً وشرفاً جليلاً للإنسان؛ وحيازة هذا الامتياز كرامة ذاتية بالتحليل؛ بيد أنها لا تمثل مبدأً مستقلاً بذاته؛ بل ترجع بالدقة العلمية والصناعية لأصول كالتحليل العقلي والاختيار والإرادة والفطرة، فلا تُلحظ مستقلة عيناً في معترك البحث ومحاكمة الأدلة.