الدرس السادس والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة
الدرس السادس والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثالث: الحكومة – النسبة غير الصحيحة للمحقق النائيني إلى الشيخ الأنصاري – دراسة القول الثالث – الإشكال الأول – الإشكال الثاني – دراسة الإشكال الثاني
26 ربيع الآخر 1447 هـ
النسبة غير الصحيحة للمحقق النائيني إلى الشيخ الأنصاري
ذكرنا أن القول الثالث في مسألة تقديم الأمارات على الأصول العملية هو الحكومة. وقد ذُكر للحكومة تقريبان؛ أحدهما تقريب المرحوم الشيخ، والآخر تقريب المحقق النائيني. وقد أشرنا إجمالاً إلى المشتركات والفروق بين هذين التقريبين.
بيد أن العجيب هو نسبة المحقق النائيني للمرحوم الشيخ أنه سلك طريقاً غير الحكومة في الجمع بين الأمارات والأصول العملية. ففي هذا الموضع عينه، وفي مبحث التعادل والترجيح، نسب المحقق النائيني للمرحوم الشيخ أنه يرى وجه التنافي بين الأمارات والأصول العملية هو ذات الوجه في التنافي بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، وأنه جمع بين الأمارات والأصول بذات الطريق الذي يُجمع به بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري.
ثم يعترض (المحقق النائيني) على الشيخ قائلاً: إن المناط والملاك في الحكم الظاهري والحكم الواقعي يختلف عن المناط والملاك هاهنا؛ لأن الجمع بين الأمارات والأصول العملية لا يتأتى إلا من طريق الحكومة، لا من الطريق الذي ذكره الشيخ.
هذا في حين أن المرحوم الشيخ نفسه قد صرح في “الرسائل” بأن وجه تقدم الأمارات على الأصول هو الحكومة. وقد نقلنا بالأمس عبارة المرحوم الشيخ؛ حيث صرح بحكومة الأمارات على الأصول العملية. ومع ذلك، يقول المحقق النائيني: لِمَ لم يدخل المرحوم الشيخ من باب الحكومة، وجعل المسألة على وزان التنافي بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، وطرح هاهنا ذات الجمع الذي ذكره في الحكم الواقعي والظاهري؟
كانت هذه نكتة لزمنا الإشارة إليها قبل الشروع في دراسة هذين التقريبين.
دراسة القول الثالث (الحكومة)
بالنسبة للحكومة، وكما أسلفنا، فقد طُرحت مسألة “التنزيل” في كلا التقريبين؛ سواء بناءً على التقريب الأول الذي ادعاه المرحوم الشيخ، أو بناءً على التقريب الثاني الذي أفاده المحقق النائيني. فوفقاً لرأي الشيخ، يُطرح “التنزيل منزلة الرافع”. ووفقاً لتقريب النائيني، يُطرح “التنزيل منزلة العلم” أو “التنزيل منزلة الكاشف التام”. وفي كليهما، تُطرح مسألة التنزيل عاقبة المطاف. وبناءً عليه، يَرِد الإشكال التالي:
الإشكال الأول
الإشكال الأساسي هو أننا بمراجعة لسان أدلة الأمارات ندرك أن مسألة التنزيل غير مطروحة في أغلبها. فلو كانت مسألة التنزيل مطروحة -سواء التنزيل منزلة الرافع كما ذهب إليه الشيخ، أم التنزيل منزلة العلم واليقين والكاشف التام- لافتقرت إلى دليل. ففي النهاية، نحتاج إلى دليل كي ننزّل هذا منزلة ذاك. فكيف يمكن إثبات هذا التنزيل؟ لو رجعنا -على سبيل المثال- إلى سيرة العقلاء في حجية خبر الواحد، لوجدنا أن سيرة العقلاء في الأخذ بخبر الواحد لا تبتني على تنزيل خبر الواحد منزلة اليقين. فالعقلاء يعملون بخبر الواحد لفقدانهم البديل؛ إذ لو أرادوا العمل باليقين والقطع لاختلت حياتهم. ولذا يضطرون للعمل بخبر الواحد المفيد للظن. نعم، هم يرون خبر الواحد ونظائره طريقاً إلى الواقع مع وجود احتمال الخطأ فيه، ولكن لا مندوحة لهم عن هذا الطريق. ولذلك يأخذون بخبر الواحد ويرونه معتبراً.
إذن، لو كان دليلنا على حجية أمارة كخبر الواحد -مثلاً- هو سيرة العقلاء، فكيف يمكن القول بحكومة الأمارات على الأصول العملية؟ هل يُستفاد التنزيل حقاً من هذا المطلب، وهل ينزّل العقلاء خبر الواحد منزلة العلم واليقين؟ أو -على سبيل المثال- وفقاً لرأي المرحوم النائيني، تُعد الأمارات أو الظنون أو خبر الواحد نازلة منزلة العلم واليقين والكاشف التام؛ فهل خبر الواحد نازل منزلة اليقين حقاً في نظر العقلاء؟ ليس لدينا دليل على التنزيل في الأمارات الظنية وتنزيلها منزلة العلم واليقين والرافع. أما الأصول العملية العقلية فأمرها جلي؛ ففي البراءة العقلية -مثلاً- يمكننا القول بورود الأمارات على الأصول العملية العقلية. ولكن في الأصول العملية الشرعية كالبراءة الشرعية والاستصحاب، كيف يسعنا القول بحكومة تلك على هذه؟ والحال أنه لا يوجد أي بحث عن التنزيل في معظم أدلة الأمارات. وما معنى التنزيل حينما نطلقه؟ معناه أن يجعل الشارع شيئاً مكان شيء آخر تعبداً. ومتى ما انتفى هذا الأمر، فهل يسعنا القول بوجود الحكومة؟
وعليه، فإن ما ذهب إليه المرحوم الشيخ والمرحوم النائيني من حكومة الأمارات على الأصول العملية، بمعنى تنزيل الأمارات منزلة الرافع والعلم واليقين والكاشف التام، غير قابل للقبول؛ لأننا (لو قلنا بالتعميم، وهو ما قد لا يكون كذلك؛ لاشتمال بعض الأدلة على هذه الجهة كما سنذكره لاحقاً، حيث قد يُستفاد التنزيل من بعضها) نجد أن الأدلة غالباً ليست كذلك. فحينما يكون مفاد دليل حجية خبر الواحد -مثلاً- هو أن “خبر الواحد حجة”، فكيف يُستفاد منه أنه ينزّل خبر الواحد منزلة العلم واليقين؟
وقد عرضتُ أننا لو صرنا إلى القول بالتفصيل، فيلزمنا إثبات كيفية الحكومة في المساحة التي تُطرح فيها مسألة الحكومة؛ وسنأتي على ذكر ذلك لاحقاً.
الإشكال الثاني
أورد المرحوم الشهيد الصدر إشكالاً هاهنا. وهو يميل أيضاً إلى التعارض، وهو ذات القول الذي نقلناه عن صاحب الرياض، وإن كان ثمة فارق؛ حيث يرى وجود تعارض بين الأمارات والأصول العملية. ولكن لماذا؟ وما هو الإشكال في الحكومة؟
يبتني هذا الإشكال في حقيقته على فرض العدول عن الإشكال السابق؛ أي لو سلمنا بخلو التنزيل من المانع، وقبلنا أن الشارع قد نزّل خبر الواحد -مثلاً- منزلة الرافع أو منزلة العلم والقطع واليقين؛ فإن الإشكال يكمن في أن لسان أدلة الأصول العملية هو لسان “نفي التنزيل” أيضاً؛ ومن هنا ينشأ التعارض. فيقول: لو افترضنا أن لسان الأمارات هو لسان التنزيل، فإن لسان الأصول العملية هو لسان عدم التنزيل؛ فيقع التعارض. فهذا يقول إن الأمارات كخبر الواحد تنزّل منزلة العلم واليقين، ولكن دليل الاستصحاب -مثلاً- ينفي التنزيل ويقول: كلا، ليس الأمر كذلك. وتوضيح ذلك:
لقد ذكر (الشهيد الصدر) نظيراً لهذا المطلب واستفاد منه في ما نحن فيه. فيقول: لدينا أدلة تنهى عن العمل بالظن: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: 36). فالظن لا يغني الإنسان من شيء. وفي المقابل، تدل بعض الأدلة على حجية خبر الواحد. ولكن المشهور يعتقد بحكومة دليل حجية خبر الواحد على الأدلة الناهية عن العمل بالظن. بيد أن هذا المطلب محط إشكال؛ والسبب:
أن أدلة النهي عن العمل بالظن تتسم بالكلية، وتنفي الحجية عن كل دليل يفيد الظن. فلسان الأدلة الناهية عن الظن هو لسان نفي الحجية؛ وهو يشمل خبر الواحد أيضاً. فخبر الواحد دليل ظني نُفي أيضاً بموجب هذا الدليل العام. ومن جهة أخرى، فإن دليل حجية خبر الواحد نفسه يعتبر هذا الظن حجة؛ أي ينزّله منزلة اليقين.
فمن جهة، تنفي أدلة النهي عن العمل بالظن التنزيلَ نفياً كلياً. ومن جهة أخرى، يثبت دليل حجية خبر الواحد التنزيل. وهناك تعارض بين نفي التنزيل وإثباته. ولذا، يذهب (الشهيد الصدر) في مبحث أدلة النهي عن العمل بالظن -خلافاً للمشهور- إلى أن أدلة حجية خبر الواحد لا تحكم على أدلة النهي عن العمل بالظن، بل تعارضها. فكيف يُحل هذا التعارض؟ يؤول الأمر قهراً للقول بالتخصيص لكون دلالتها أقوى.
وقد استفاد (الشهيد الصدر) من هذا المطلب هاهنا قائلاً: إن دليل حجية خبر الواحد -مثلاً وبحسب الفرض- يعتبر خبر الواحد حجة وينزّله منزلة العلم واليقين. فالتنزيل ثابت إذن وفقاً لأدلة حجية خبر الواحد. ولكن دليل البراءة نحو: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ» ظاهره أنه معتبر ما لم يتحقق العلم واليقين بوصفه غاية؛ فالحلية والبراءة ثابتة إلى أن يحصل العلم واليقين. ولنفترض هاهنا أن هذا العلم أعم من العلم الحقيقي والعلم التنزيلي.
إذن، يدعي دليل الأمارات التنزيل حسب الفرض، بينما ينفي دليل الاستصحاب ودليل البراءة الشرعية هذا التنزيل. لماذا؟ لأنه يقول في الواقع: أنا معتبر ما لم يحصل اليقين، وهو ما يشمل التنزيل أيضاً. وعليه، يقع التعارض بين هاتين الطائفتين؛ أي دليل الأمارة ودليل الأصل؛ فواحدة تنفي التنزيل، والأخرى تثبته.
هذا هو الإشكال الذي بينه الشهيد الصدر في هذا المقام.
دراسة الإشكال الثاني
يبدو أن هذا الإشكال غير وارد؛ لأنه وإن صح أن مفروض بحثنا هو دلالة أدلة حجية خبر الواحد على التنزيل، ولكن لماذا تعارض أدلة الأصول العملية -كالاستصحاب والبراءة- هذا الأمر وتنفي التنزيل؟ قد يُتصور نفي التنزيل في بعض المواضع أو بالنسبة لبعض الأصول، ولكن القول بأن لسان جميع الأصول العملية هو نفي التنزيل أمر غير معلوم. فقوله: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» يفيد حلية الشيء لك حتى يحصل لك العلم بالحرمة. ولنفترض أن هذا العلم أعم من العلم الحقيقي والعلم التنزيلي؛ فأين نفي التنزيل هاهنا حتى يُطرح التعارض ثم التخصيص؟ ولذا، قد يسعنا دفع الإشكال الثاني.
وعلى كل حال، يبدو أن مسألة الحكومة على الإطلاق وعلى نحو الموجبة الكلية غير قابلة للإثبات. فما العمل إذن؟ لقد أوضحنا التعارض والتخصيص والورود بثلاثة تقارير، والحكومة بتقريبين؛ أي إننا أوردنا حتى الآن ستة وجوه عملياً: التعارض، والتخصيص، وثلاثة وجوه للورود، ووجهان للحكومة؛ فذكرنا زهاء ستة وجوه لتقدم الأمارات على الأصول.
وجميع هذه الوجوه محط إشكال. وعلينا أن نرى الآن أي طريق نلتزم به هاهنا عاقبة المطاف؟ فهل ينبغي لنا التفصيل؟ لقد ذكروا عدة أنحاء من التفصيل. والآن، تفضلوا بمطالعة رأي الإمام (رحمة الله عليه)، وسندرس هذا الرأي غداً بمشيئة الله.