الدرس السابع والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة
الدرس السابع والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الرابع: التفصيل – كلام الإمام الخميني: النكتة الأولى والثانية والثالثة – عدم الحكومة بنحو كلي – التفصيل
27 ربيع الآخر 1447 هـ
القول الرابع: التفصيل
ذكرنا حتى الآن ما مجموعه ستة وجوه في قالب ثلاثة أقوال في ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية. وقد خضعت جميع هذه الوجوه للدراسة والإشكال.
لم يبيّن الإمام (رحمة الله عليه) وجهاً لتقديم الأمارات على الأصول بصورة كلية، بل فصّل في ذلك. فهو يرى ورود الأمارات على الأصول العملية في بعض المواضع، وحكومتها في موارد أخرى؛ واللافت أن بعض الأصول العملية كالاستصحاب يتقدم على أمارات كقاعدة الفراغ والتجاوز. ونحن ننقل الآن كلامه بخلاصة لنرى من بعد مدى قابليته للقبول من عدمه.
كلام الإمام الخميني
يبيّن (قدس سره) بدايةً عدة نكات:
النكتة الأولى
أشار الإمام إلى ضابطة الحكومة قائلاً: الحكومة عبارة عن كون الدليل الحاكم بنحو يتعرض فيه للدليل المحكوم. ولذا، فإن الجهة العمدة في حكومة دليل على دليل آخر هي تعرض الدليل الحاكم للدليل المحكوم. ولا تهم كيفية هذا التعرض في نظره؛ حيث يقول: «نحو تعرض، ولو بنحو اللزوم العرفي والعقلي». فالأصل هو تعرض دليل لدليل آخر.
بيد أن لهذا التعرض حداً: «مما لا يرجع إلى التصادم في مرحلة الظهور». فصحيح أن الدليل الحاكم يتعرض للدليل المحكوم، غير أن هذا التعرض لا يبلغ حد التصادم في مرحلة الظهور. فمثلاً، ثمة تعارض بين العام والخاص، غير أنه تعارض بدوي لا يستقر. بينما تستقر بعض التعارضات. ويقول (قدس سره): إن الدليل الحاكم يتعرض للدليل المحكوم، غير أن هذا التعرض لا يبلغ حد التصادم في الظهور.
بل قد يتعرض الدليل الحاكم لحيثية من حيثيات الدليل المحكوم، لا لذات الدليل المحكوم. أي حيثية لم يتكفل الدليل المحكوم ببيانها مثلاً، فيأتي الدليل الحاكم ويؤدي دوره بالتوسعة أو التضييق في تلك الحيثية. وهذا أيضاً ضرب من التعرض.
فلو أُريد للأمارات أن تحكم على الأصول العملية، للزم توفر هذه الضابطة؛ أي أن تتعرض أدلة الأمارات لأدلة الأصول العملية، ولو بنحو اللزوم العرفي والعقلي، أو تتكفل بحيثية من الحيثيات المرتبطة بالدليل.
وهاهنا يقول (قدس سره): «ومما ذكرنا من الضابط، يظهر وجه تقديم الأمارات على الأصول». أي يتضح من هذه الضابطة التي بيناها وجه تقديم الأمارات على الأصول. وبعبارة أخرى: هل يسعنا القول حقاً إن أدلة جميع الأمارات تشتمل على نحو تعرض لأدلة الأصول العملية؟ قطعاً ليس الأمر كذلك.
إذن، كانت هذه هي النكتة الأولى في بيان ماهية ضابطة الحكومة أساساً؛ لنرى من بعد مدى انطباقها في ما نحن فيه من عدمه.
النكتة الثانية
يقول (قدس سره): لا تقع الحكومة بين الأمارات والأصول أنفسها، بل تقع بين دليل الأمارات ودليل الأصول العملية. فما اشتهر وطُرح في الكتب والأقوال والكتابات من حكومة الأمارات على الأصول العملية أو ورودها عليها مثلاً؛ يرى فيه (قدس سره) أن مسألة الحكومة لا تقع بين الأمارات والأصول العملية ذواتها، بل تُقاس أدلة الأمارات بأدلة الأصول؛ لكون قوام الحكومة يرتبط في الواقع بكيفية الدليل وطبيعته. فحكومة دليل على دليل آخر تعني تعرض هذا الدليل للدليل الآخر بنحو من التعرض، وهو ما لا يقبل الانطباق على ذات الأمارة والأصل. فلا معنى لقول ذلك.
النكتة الثالثة
يعتقد الإمام بضرورة كون الدليل الحاكم دليلاً لفظياً. وقد ذكرنا هذا سابقاً. وثمة خلاف بطبيعة الحال في جواز كون الدليل الحاكم دليلاً لبياً كالإجماع والعقل من عدمه؛ فالمعروف هو اشتراط كون الدليل الحاكم لفظياً. وإن ذهب البعض لعدم لزوم كون الدليل الحاكم لفظياً، مصححين طرح الدليل اللبي كالإجماع أو العقل كدليل حاكم. غير أن الحق في نظرنا أيضاً هو لزوم كون الدليل الحاكم لفظياً؛ وهو ما أسلفنا ذكره وتوضيحه.
بملاحظة هذه النكات الثلاث:
أولاً: ضابطة الحكومة هي تعرض الدليل الحاكم للدليل المحكوم.
ثانياً: مسألة الحكومة تقع بين دليل الأمارات ودليل الأصول العملية.
ثالثاً: لا يحكم على الدليل الآخر إلا الدليل اللفظي.
عدم الحكومة بنحو كلي
ولذا، إذا كانت أدلتكم كافة لفظية، ساغ لكم طرح مسألة الحكومة. (وهذا ما أعرضه توضيحاً لكلامه قدس سره) فإذا قبلنا هذه الضابطة، فلن يسعنا القول مطلقاً -على سبيل المثال- بحكومة أدلة حجية خبر الواحد على أدلة الأصول العملية. لأن السيرة العقلائية -مثلاً- تعد دليلاً على حجية خبر الواحد، في حين أنها ليست دليلاً لفظياً. فلا يمكننا القول بحكومتها على أدلة الأصول العملية، وكذا الحال في سائر الأمارات. أو مثلاً في طائفة الأدلة اللفظية، لو لم يتعرض دليل لدليل آخر، فلا معنى للقول بحكومته عليه. فالدليل الحاكم ناظر للدليل المحكوم ومتعرض له. ولا بد من توفر هذه الخصيصة في الدليل ليتسنى لنا القول بالحكومة.
فهل تشتمل أدلة الأمارات بأسرها على هذا التعرض والنظارة تجاه أدلة الأصول العملية؟ واقع الأمر ليس كذلك؛ فلو أخذتم آية النبأ -مثلاً- من أدلة حجية خبر الواحد بالحسبان؛ فهل تشتمل على أي تعرض أو نظارة لأدلة الأصول العملية على فرض حجية المفهوم ودلالتها على حجية خبر الواحد؟ وهل هي ناظرة لدليل البراءة مثلاً؟ أو ناظرة لدليل الاستصحاب؟ إننا لا نجد هذا التعرض والنظارة في أدلة الأمارات في كثير من الموارد.
وبناءً عليه، ونظراً لهذه النكات، يبدو أنه لا يسعنا القول مطلقاً بحكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية. ورغم أن الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني وجمعاً غفيراً قد ذهبوا إلى الحكومة، غير أن واقع الأمر هو عدم قابلية هذه المسألة للقبول بصورة كلية.
السؤال: …
الأستاذ: بأي ملاك تقولون إنه يتعين علينا لحاظ الحكومة والورود ونظائرهما بين الأمارات والأصول ذاتها؟ فلا معنى للقول بحكومة هذا على ذاك في ذواتها. فمثلاً، تقرر أمارة خاصة عدم وجوب صلاة الجمعة؛ كأن يروي زرارة رواية تفيد عدم وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة؛ فما هو وجه تعرضها للاستصحاب؟ وما هو وجه تعرضها للبراءة؟ أو في قبال البراءة مثلاً. فحينما نصور مسألة الحكومة على هذا النحو من تعرض دليل لدليل آخر ونظارته له، فيلزمنا قياس دليل الأمارة ودليل الأصل العملي؛ لنرى مدى توفر هذا التعرض والنظارة فيه من عدمه.
وعلى كل حال، لا يمكننا القول بحكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية بصورة مطلقة. لانتفاء الحكومة بنحو الموجبة الكلية بالنظر للنكات الثلاث التي عرضناها. غير أنه قد يسعنا القول بالحكومة بنحو الموجبة الجزئية في بعض الموارد؛ كما نذهب للقول بالورود في موارد أخرى.
التفصيل
ثم يقرر الإمام (رحمة الله عليه) تباين أدلة الأمارات؛ فتارة يكون دليل الأمارة هو البناء العقلائي، وتارة أخرى يكون الإجماع. وفي المورد الذي يكون فيه دليل الأمارة هو الإجماع أو البناء العقلائي، لا يسعنا عده حاكماً على الأصل. لنفترض -مثلاً- أصالة الصحة في فعل الغير؛ فبناءً على كونها أمارة لا أصلاً، تدل على صحة فعل المسلم.
ودليل أصالة الصحة عمدةً هو سيرة العقلاء أو الإجماع. وسيرة العقلاء والإجماع من الأدلة اللبية لا اللفظية. فلو قلنا بتقدم أصالة الصحة على الاستصحاب، فلن يسعنا القول بحكومتها هاهنا؛ لكون هذا الدليل غير لفظي بالأساس، واشتراط كون الدليل الحاكم لفظياً في باب الحكومة. فالأمر هاهنا لا يجري بنحو الحكومة، بل بنحو الورود أو التخصيص.
السؤال: الشك موجود وجداناً؛ لأنه تكويناً يجب أن يزول الموضوع، وأنتم لا تعتبرون خبر الواحد نازلاً منزلة العلم. فبطبيعة الحال لا يصدق الورود.
الأستاذ: لقد بحث (قدس سره) ذلك مفصلاً في مبحث الاستصحاب، وهناك وجوه مختلفة. فالأمر إما تخصيص أو ورود. ولا نروم الخوض في ذلك هاهنا… نعم، يمكن قول ذلك… والمسألة حالياً هي أننا بصدد نفي الحكومة… كلا، لا أقول إنه ورود. لقد بيّنت ذلك. وتعبيره (قدس سره) هو: «لم يكن بنحو الحكومة، بل بنحو الورود أو غير ذلك»… فلو أسند أحدهم أصالة الصحة إلى رواية دون السيرة أو الإجماع، فبطبيعة الحال تتوفر إمكانية الحكومة أيضاً. فهذا مجرد شرط من شروطها… لقد قلت بناءً على أماريتها… لقد أخذنا أمرين كافتراض مسبق. وهو (قدس سره) قد ضرب هذا المثال بافتراضين مسبقين؛ الأول قوله: «مثل أصالة الصحة في فعل الغير بناءً على أماريتها»… فعلى فرض كونها أمارة، «فإن دليلها السيرة العقلائية أو الإجماع»؛ فدليلها هو هذان الأمران. فلو قال قائل إن دليلها دليل لفظي، لخرج من هذا المورد. أو لو قال إنها ليست بأمارة، فبطبيعة الحال لن تُعد مثالاً لهذا المورد.
المثال الآخر الذي يطرحه (قدس سره) هو أدلة حجية خبر الثقة. فأدلة حجية خبر الواحد متباينة؛ فبعضها آيات، وبعضها روايات، وبعضها الآخر بناء العقلاء. فلها ثلاثة أدلة عمدة:
1. إذا كان مستند حجية خبر الواحد هو آية النبأ؛ ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (الحجرات: 6).
نحن نناقش مسألة دلالة الآية من عدمها، غير أننا نفترض اشتمالها على مفهوم، وأن مفهومها حجة. ومعنى ذلك: لو جاءكم عادل بنبأ، أو غير فاسق بنبأ، لانتفى لزوم التبين. لكون خبر العادل متبيناً في نفسه، فلا يتحقق قوله ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾. فلو أخذ أحدهم بخبر العادل، لانتفت الجهالة.
إذن، تدل آية النبأ على أن خبر العادل “متبيّن ولم يكن الإقدام معه جهالة، عِلم”؛ بالتعابير التي يسعنا ذكرها هاهنا. أي لا جهالة فيه بعد… وفي هذه الصورة، تثبت له الحكومة على أدلة الأصول العملية. أي لا يبعد أن يكون حكومة، وإن لم يقل الإمام بذلك، ولكن احتمال الورود وارد أيضاً. وهو (قدس سره) يقول هاهنا: «لا يبعد أن يكون بنحو الحكومة».
السؤال: الجهالة في ﴿أَن تُصِيبُوا﴾ ليست جهلاً في قبال العلم، بل المراد هو الإقدام المتهور (السفاهة).
الأستاذ: نعم، نحن نقول ذلك هاهنا على نحو الفرض.
2. إذا كان المستند هو الروايات، فيقول (قدس سره): «فلسان بعضها يكون بنحو الحكومة»؛ فلسان بعض الأدلة يتقرر بنحو الحكومة؛ لاشتماله على هذا التعرض، وكونه دليلاً لفظياً، وهو في الواقع يوسع موضوع الدليل الآخر أو يضيقه. وإن كان يقرر: «وإن كان غالبها لم يكن بتلك المثابة»؛ فأغلب الروايات لم ترد بهذا الشكل ليكون لسانها لسان الحكومة.
3. إذا كان مستند خبر الواحد هو بناء العقلاء، فـ «لا يبعد أن يكون التقديم بنحو الورود»؛ فلو كان المستند بناء العقلاء، فلا يبعد القول بورود أدلة الأمارات على الأصول العملية. وبذات البيان الذي أشرت إليه؛ فحينما يستقر بناء العقلاء على الأخذ بخبر الثقة، فإنه يزيل موضوع الدليل المورود. أي يصبح الأمر سالبة بانتفاء الموضوع.
السؤال: …
الأستاذ: إن الشيخ نفسه يصرح هناك بحكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية. فقد صرح بذلك هناك، غير أنه جاء للتطبيق هاهنا. فإذن، لا يُجرى هذا القياس هاهنا بين دليل الأمارة ودليل الأصل. كلا، في الواقع إن مثالكم المطروح -وهو أنه لو قامت رواية على حكم بصورة كلية، فهل تتقدم على الأصل أم لا- ليس محط بحثنا. فنحن لا نروم بالخصوص ملاحظة تقدم هذا الوجوب -مثلاً- على مقتضى الأصل المتمثل في عدم الوجوب؛ بل نريد أن نرى بصورة كلية أيّهما يتقدم كلما وقع التصادم بينهما؟ وحينما نروم بحث الأمر على هذا النحو، فلا مناص من المقارنة بين أدلتها.
السؤال: …
الأستاذ: قد يُطرح هذا البحث في الأصول العملية نفسها؛ كأن يقع بين أصلين عمليين. ولكننا نروم هاهنا استخراج معيار يحدد المقدم عند تصادم أمارة مع أصل.
لقد أقر الإمام حتى الآن بتباين أدلة الأمارات؛ فبعضها حاكم على دليل الأصول العملية، وبعضها وارد، بل قد يُعد مخصصاً. ويختلف الأمر بحسب الموارد.
مبحث الجلسة القادمة
ثم يقول الإمام: «وأما أدلة قاعدة الفراغ والتجاوز، فهي حاكمة على الاستصحاب بناءً على أمارية الاستصحاب»؛ «وأما إن كان الاستصحاب أصلاً، فلا إشكال في حكومة أدلتها على أدلته». فلو قلنا إن الاستصحاب أصل، فلا إشكال في حكومة أدلة القاعدة (قاعدة الفراغ والتجاوز) على أدلة الاستصحاب.