The news is by your side.

الدرس الثامن والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الثامن والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الرابع: التفصيل – تتمة كلام الإمام الخميني – ورود أدلة الأمارات على أدلة الاستصحاب – ورود أدلة الأمارات على أدلة البراءة – حكومة قاعدة الفراغ على الاستصحاب – خلاصة رأي الإمام الخميني – الحق في المسألة – حكومة قاعدة الفراغ على الاستصحاب – تقدم قاعدة الفراغ والتجاوز على الاستصحاب بدليل الحكومة – لزوم الدراسة التفصيلية للأدلة لتعيين نسبة الحكومة أو الورود – الحق في المسألة

28 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان البحث في القول الرابع حول وجه تقديم الأمارات على الأصول العملية. وقد عرضنا أن الإمام (رحمة الله عليه) فصّل القول في هذا المجال وبيّن علته أيضاً.
فبملاحظة معنى الحكومة وضابطتها، ونظراً لاشتراط كون الدليل الحاكم دليلاً لفظياً، وبملاحظة أن أدلة الأصول العملية وأدلة الأمارات تُلحظ معاً؛ قرر (قدس سره) أن النسبة بين أدلة الأمارات وأدلة الأصول العملية قد تكون وروداً تارة وحكومة تارة أخرى، وربما تخصيصاً. ثم ذكر نماذج وموارد على ذلك.

تتمة كلام الإمام الخميني

فيما يخص حجية خبر الواحد، قرر أن دليل حجية خبر الواحد قد يكون تارة آية النبأ، وتارة أخرى سيرة العقلاء؛ ففي مورد تكون الحكومة، وفي آخر يكون الورود.

ورود أدلة الأمارات على أدلة الاستصحاب

يعتقد (قدس سره) بورود أدلة الأمارات على أدلة الاستصحاب؛ لأن المراد باليقين في أخبار «لا تنقض اليقين بالشك» هو الحجة. وقد أسلفنا أنه يحمل صحاح زرارة الثلاثة المشتملة على «لا تنقض اليقين بالشك» على معنى «لا تنقض الحجة باللاحجة». ولذا، فحينما تقوم أمارة كخبر الواحد على حكم ما، فهي حجة؛ وبقيام الحجة، لا يبقى قهراً أي موضوع لجريان الاستصحاب، فتزيل موضوع الاستصحاب بالكلية؛ وكأن دليل حجية الأمارة يقرر أن خبر الواحد حجة. وبطبيعة الحال، اعترض هذا المطلب إشكال أشرنا إليه سابقاً؛ وهو: هل هذا هو مفاد روايات الاستصحاب أساساً أم لا؟ وقلنا إن هذا خلاف الظاهر، غير أننا ذكرنا توجيهاً له. إذن، فهو يعتقد بالورود فيما يخص نسبة أدلة الأمارات إلى الاستصحاب.

ورود أدلة الأمارات على أدلة البراءة العقلية والشرعية

وفيما يتعلق بأدلة الأمارات وأدلة البراءة، يعتقد (قدس سره) أيضاً بالتقدم بملاك الورود؛ سواء كان مدرك البراءة حديث الرفع أو حكم العقل. أي إنه يرى كلا البراءتين العقلية والشرعية مورودتين لدليل الأمارة. فحديث الرفع؛ وتحديداً «رُفِعَ … مَا لَا يَعْلَمُونَ»، يقتضي ارتفاع ما لا تعلمونه. ولذا، فحينما تقوم أمارة على حكم ما، فكأن ذلك الأمر يخرج من دائرة «مَا لَا يَعْلَمُونَ». وعبارة «مَا لَا يَعْلَمُونَ» تعني في نظره «ما لا حجة عليه». إذن، بما أن الأمارة حجة بموجب الأدلة، فعند قيامها ينتفي موضوع أصل البراءة. وعليه، فإن أدلة الأمارات واردة على البراءة الشرعية.

ويسير الأمر على ذات النسق في نظره بالنسبة للبراءة العقلية؛ فقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» التي تشكل مدرك البراءة العقلية، تقتضي قبح العقاب ما لم يقم بيان وحجة على شيء؛ ولكن حينما تقوم الأمارة، فهي حجة وبيان؛ ومن ثم تزيل موضوع البراءة العقلية.

إذن، فهو يذهب للقول بالورود تجاه أصل الاستصحاب والبراءة العقلية والشرعية (والبراءة العقلية ليست محل خلاف أصلاً).

حكومة قاعدة الفراغ على الاستصحاب

يعتقد (قدس سره) بحكومة أدلة قاعدة الفراغ والتجاوز على الاستصحاب؛ سواء اعتبرنا الاستصحاب أمارة أم أصلاً. ففي كلتا الصورتين، يقرر حكومة أدلة قاعدة الفراغ والتجاوز على الاستصحاب. وتوضيح ذلك:

1. إذا اعتبرنا الاستصحاب أمارة، فقاعدة الفراغ والتجاوز تتقدم؛ لأنه بناءً على الأمارية، لم يعد الشك مأخوذاً كجزء من الموضوع في الاستصحاب، كما هو الحال في سائر الأمارات، بل يُلحظ الشك بما أنه “أمر غير مبرم لا يُنقض به”. فحينما يقول «لا تنقض اليقين بالشك»، فمعناه: لا تنقض يقينك بأمر غير مبرم. وحينما تقوم الأمارة (والأمارة عبارة عن أمر مبرم)، فيمكنها إزاحة ذلك الأمر غير المبرم. وهاهنا، كأن الدليل أحدث تضييقاً في دائرة الأمر غير المبرم وقرر أن الأمارة لا تُعد من مصاديق الشك والأمر غير المبرم.

ولكن كيف يقتضي دليل قاعدة الفراغ والتجاوز التقدم على الاستصحاب؟
إن مفاد قاعدة الفراغ والتجاوز هو أنك إذا تجاوزت محل العبادة والصلاة، فكأنه لا وجود لشك فيها بعد ذلك؛ فمفادها “عدم شيئية الشك مع التجاوز”. وصحيح أن قاعدة الفراغ والتجاوز تعد أمارة، والاستصحاب كذلك وفقاً للقول بالأمارية، وصحيح أن الشك لم يؤخذ كجزء من الموضوع في كليهما؛ غير أن ثمة فارقاً بينهما، وهو أن الشك في قاعدة الفراغ والتجاوز لا مدخلية له بوصفها أمارة بأي وجه من الوجوه؛ لأنها تقرر أن الشك بعد تجاوز المحل كأنه ليس بشك أصلاً. أما في الاستصحاب، فالشك مأخوذ فيه بنحو من الأنحاء. ولذا، فإن أدلة قاعدة الفراغ والتجاوز حاكمة على الاستصحاب.

2. وإذا كان الاستصحاب أصلاً، فحينئذٍ تحكم أدلة قاعدة الفراغ والتجاوز على أدلة الاستصحاب أيضاً؛ لأن مفاد أدلة الاستصحاب هو: «إذا شككت فابنِ على اليقين عملاً»؛ أي إذا شككت، فاجعل البناء على اليقين، ورتب آثار اليقين. وبطبيعة الحال، هذا اليقين هو يقين طريقي لا موضوعي.

إذن، فموضوع الاستصحاب إذا كان أصلاً هو الشك، في حين أن مفاد قاعدة الفراغ والتجاوز هو “عدم شيئية الشك”. فقاعدة الفراغ والتجاوز تقرر: إذا تجاوزت محل العبادة والصلاة، فشكك هذا كالعدم، وليس بشك. بينما الاستصحاب يقرر: «إذا شككت فابنِ على اليقين عملاً». ومع وجود دليل قاعدة الفراغ والتجاوز، لا يبقى مجال للعمل بـ «فابنِ على اليقين». ولذا، فإن أدلة الاستصحاب، أو دليل الاستصحاب، محكوم لدليل قاعدة الفراغ والتجاوز.

خلاصة رأي الإمام الخميني (ره)

وعلى كل حال، فإن خلاصة رأي الإمام هي أنه ينبغي لنا ملاحظة أدلة الأمارات وأدلة الأصول العملية، ومعرفة مفاد هاتين الطائفتين من الأدلة. فربما اقتضى أحد أدلة أمارة ما الحكومة، واقتضى دليلها الآخر الورود؛ كخبر الواحد نفسه الذي تقتضي بعض أدلته الحكومة وبعضها الآخر الورود. بل إنه يقول: «وربما يكون دليل الأصل حاكماً على دليل الأمارة». فربما يحكم دليل الأصل على دليل الأمارة في موضع ما. أي تُطوى مسألة تقدم الأمارة على الأصل هاهنا؛ فقد يحكم دليل الأصل على دليل الأمارة في مورد ما.

السؤال: يعني هل يتقدم؟ أي إنه مع كونه أصلاً يتقدم على الأمارة؟

الأستاذ: بطبيعة الحال سيؤول الأمر إلى ذلك… إلا إذا وُجد مانع. فقوله: «وربما يكون دليل الأصل حاكماً» يعني أن دليلاً واحداً منه قد يكون كذلك، ولا تكون أدلته الأخرى كذلك؛ وهذا ما يفضي إلى التفاوت. نعم، لو كان دليله الوحيد هو هذا الدليل الحاكم، فحينها يحكم الأصل على الأمارة قهراً.

الحق في المسألة

يبدو أن ما أفاده الإمام (رحمة الله عليه) في هذا المقام هو الحق والصواب، ووجهه وعلته هو ما عرضناه من أن البعض قد يرى في ذلك إشكالاً مبنائياً.
وبالطبع، بملاحظة النكات الثلاث التي أوردها في مستهل المطلب؛ حيث قرر:
أولاً: أن ضابطة الحكومة هي تعرض دليل ونظارته حيال دليل آخر بـ «نحو تعرض».
ثانياً: أننا حينما نروم قياس الأمارات والأصول من حيث التقدم والتأخر، يلزمنا ملاحظة أدلتهما.
ثالثاً: أن الدليل الحاكم لا يمكن أن يكون إلا دليلاً لفظياً.
فإن الالتزام بالتفصيل أمر لا مناص منه.

نعم، قد يقول قائل: ليست ضابطة الحكومة كذلك أصلاً. أو يقول مثلاً: لا يُشترط في الدليل الحاكم أن يكون لفظياً. ففي هذه الصورة، قد يجد مهرباً من التفصيل. ولكن لو أخذنا هذه المطالب الثلاثة بالحسبان -وهو الحق- فالتفصيل صحيح. ففي أي مورد لا يتعرض فيه دليل لدليل آخر -مثلاً- أو لا يكون لفظياً، لا يمكننا طرح مسألة الحكومة هناك. ومن المعلوم أن سيرة العقلاء وبناءهم أو حكم العقل، والتي تعد أدلة لبية وفقاً للنكتة التي أشرنا إليها، لا يمكنها أن تحكم على الأصل بحال من الأحوال؛ لانتفاء لفظيتها أساساً.

وحتى لو لم نقبل بهذا المبنى القائل بلزوم كون الدليل الحاكم لفظياً، وقلنا بإمكانية كون الدليل الحاكم دليلاً لبياً أيضاً، فلن يسعنا القول بحكومة سيرة العقلاء والإجماع والعقل -بوصفها مستندات للأمارة- على أدلة الأصول العملية. لوجود مشكلة أخرى، وهي عدم تعرض هذه الأدلة لأدلة الأصول العملية. فقد قلنا إن الضابطة الأساسية للحكومة هي تعرض الدليل الحاكم للدليل المحكوم، ولكن هل يمكنكم القول حقاً إن سيرة العقلاء تنظر وتتعرض للأدلة الشرعية كدليل «لا تنقض اليقين بالشك» مثلاً؟ إن التعرض والنظارة لا معنى لهما إلا في الدليل اللفظي أصلاً. تارة تقولون: لا يُشترط هذا التعرض والنظارة في الحكومة. وهذا كلام باطل؛ إذ لا بد في الحكومة من لحاظ مسألة تعرض دليل ونظارته حيال دليل آخر؛ فإذا انتفى ذلك…

السؤال: هذا مبنائي؛ أي يمكننا القول: العقلاء يعتبرون خبر الواحد علماً، وهذا يوجب التوسعة في العلم في الدليل المحكوم.

الأستاذ: هل يسعكم ذلك إن لم يوجد تعرض؟ ضابطة الحكومة هي تعرض الدليل الحاكم للدليل المحكوم ونظارته له. فهل يسعنا القول بالحكومة والحال أن دليلاً لا يتعرض لدليل آخر ولا ينظر إليه البتة؟… هذا يختلف. لماذا؟ هذا أمر مختلف… إن بحثي يتركز بدقة في هذه النقطة. انظروا، هناك فريق يرى الحكومة عبارة عن تعرض دليل ونظارته لدليل آخر. أي إنهم يرون هوية الحكومة في التعرض والنظارة، ويعتبرون قيد التعرض والنظارة مقوماً لماهية الحكومة. فإذا قال قائل بذلك، وقال في الوقت عينه: لا يُشترط أن يكون الدليل الحاكم دليلاً لفظياً، بل يمكن أن يكون دليلاً لبياً أيضاً. فخطابنا موجه لهذه الفئة. ونقول: كيف يتأتى لدليل غير لفظي (أي لبي كسيرة العقلاء) أن يحكم على دليل آخر، والحال أن هذه الضابطة (التعرض) متوفرة فيه؟ أي أن يكون متعرضاً وغير لفظي معاً… فهل يتوجه هذا الإشكال إلى هذه الفئة أم لا؟ إذن، لا يمكننا أن نلتزم من جهة باشتراط النظارة والتعرض في الحكومة، ونقول من جهة أخرى بعدم مدخلية لفظية الدليل. فلا يمكن الالتزام بهذين الأمرين معاً. فهل هذا الإشكال وارد؟… هل تقبلون بهذا؟ انتظروا… فرضنا هو وجود التعرض… نحن نُشكل على هذا الأمر… نحن نقول من جهة: لا يُعقل أن يقول أحد إن ضابطة الحكومة هي تعرض الدليل ونظارته حيال الدليل الآخر بـ «نحو تعرض»، ولا يقبل في الوقت عينه بلفظية الدليل الحاكم ويقول بعدم لزومها… والآن لننتقل إلى الادعاء الآخر. أنتم تقولون: قد يقول قائل بعدم لزوم كون الدليل لفظياً وبعدم لزوم كون الدليل الحاكم متعرضاً وناظراً للدليل المحكوم. نعم؛ إذا قال أحدهم بذلك، فلن يتوجه إليه هذا الإشكال قهراً. ولكن لنعد إلى أصل هذين المبنيين:
أولاً: هل يُشترط أن يكون الدليل لفظياً أم لا؟ نحن نقول: لو اعتبرنا مسألة التعرض والنظارة، فلا بد حتماً أن يكون الدليل لفظياً. إذن ينبغي لنا أولاً دراسة المبنى الأول نفسه: هل التعرض والنظارة معتبر في الدليل الحاكم (أو بعبارة أخرى في تحقق الحكومة) أم لا؟ نحن نقول: نعم؛ لأن الحكومة لا تتحقق بدونه. فبدون هذا الشرط، لا يوجد لدينا حاكم ومحكوم… هم يقولون هذه حكومة… لا يمكن أن تكون حكومة… وإذا كانت من ناحية التضييق فهي ورود… وهذه التوسعة ليست تكوينية؛ بل بالعناية والتعبد. فمثلاً، حينما يقولون «هذا بيان»، فهل يُخرجه ذلك من «اللا بيان» واقعاً؟ وهل يخرج واقعاً؟… ولهذا السبب نُشكل بأن التنزيل باطل… حسناً، هو ليس كذلك… لقد اعتادت أذهانكم على أن سيرة العقلاء -مثلاً- يمكنها توسعة الموضوع أو تضييقه لتشمله أو تخرجه… أساساً حينما نقول… العقلاء ليسوا كذلك، لا ينزّلون… يا سيدي، لا يسعنا قبول الفرض الباطل؛ لا يمكن أن يكون لدينا فرض باطل.

وعلى أي حال، فحق المطلب هو ذات ما أفاده الإمام، وهذا الكلام في نظرنا قابل للقبول.

مبحث الجلسة القادمة

المقدمة العاشرة؛ وهي تدور حول الأصول المحرزة وغير المحرزة. أي إن الأصول العملية تنقسم إلى قسمين: الأصول المحرزة والأصول غير المحرزة.