الدرس السابع، المقدمات، المقدمة السادسة
الدرس السابع
المقدمات – المقدمة السادسة: مجاري الأصول العملية – كلام الإمام الخميني – تمايز كلام الإمام عن الآخرين
29 ربيع الأول 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
تطرقنا في المقدمة السادسة إلى مجاري الأصول العملية. وبيّنّا أن الشيخ الأنصاري قد ذكر ثلاثة بيانات في هذا الصدد، وقد أُثيرت إشكالات متعددة حولها، ومن جملة من أشكل عليها المحقق الخراساني. وحيث إننا لا نروم الوقوف طويلاً عند هذه المسألة، فقد أشرنا إلى أن المحقق الخوئي قد تبنى تقريباً عينه المجرى الذي أشار إليه الشيخ الأنصاري في أحد بياناته؛ ومن ثم فإن الإشكالات المتوجهة إلى كلام الشيخ ترد بطبيعة الحال على كلام الخوئي أيضاً.
كلام الإمام الخميني
للإمام الخميني (قدس سره) رأي آخر في هذا المورد؛ حيث سلك مسلكاً مغايراً لتبيين مجاري الأصول العملية. وقد أدرج هذا المطلب في سياق تقسيم أحوال المكلف، وهو تقسيم جرى العرف الأصولي على ذكره في صدر “كتاب القطع”؛ وبذلك يكون قد قسّم أحوال المكلف من جهة، وحدّد مجاري الأصول العملية من جهة أخرى في آن واحد.
وكما ورد في مطلع كتاب القطع من “فرائد الأصول”: «اعلم أن المكلف إذا التفت إلى الحكم الشرعي فإمّا أن يحصل له القطع بالحكم أو الظنّ به أو الشكّ فيه». حيث تُذكر هذه الأحوال الثلاثة للمكلف، ليتفرع عنها بيان مجاري الأصول العملية. وإن مسألة تقسيم أحوال المكلف وتحديد مجاري الأصول العملية المتفرعة عنها قد واجهت نقوضاً وإشكالات أصولية عديدة، غير أن الإمام الخميني لم يلج في تلك الردود بل شرع مباشرة في تبيين نظريته الخاصة.
ونحن سنبين هنا نظرية الإمام الخميني (قدس سره) لنقف على وجوه تمايزها عن النظرية المشهورة أو البيانات الثلاثة للشيخ الأنصاري، ولنرى هل سلمت هذه النظرية من الإشكالات التي وُجهت إلى كلام الشيخ أم لا.
يقرر الإمام: أن المكلف إما أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي الفعلي تفصيلاً أو إجمالاً، وإما ألا يحصل له مثل هذا القطع. وهذا هو أحد أحوال المكلف: القطع بالحكم الواقعي الفعلي. ولتلتفتوا جيداً إلى هاتين الخصوصيتين؛ فالكلام لا يدور حول الحكم الشرعی بصورة مطلقة، بل قال: «إما أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي الفعلي تفصيلاً أو إجمالاً». وهذا القطع تارة يكون تفصيلياً وتارة أخرى يكون إجمالياً؛ والشق المقابل هو عدم حصول هذا القطع.
وفي حال عدم حصول القطع بالحكم، فإما أن يكون قاطعاً بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الواقعي تفصيلاً أو إجمالاً، وإما ألا يكون قاطعاً بذلك. وفي حال عدم قطعه بقيام الأمارة، فإما أن تقوم لديه الحجة المعتبرة بالنسبة إلى الواقع، وإما ألا تقوم؛ بل يكون شاكاً في الواقع أو ظاناً به ظناً لم تقم عليه أمارة معتبرة وحجة شرعية.
وهذه الحالات تتردد قاطبة بين النفي والإثبات. وسيتضح لنا لاحقاً في مقدمة أخرى تبحث في حصر الأصول العملية في هذه الأصول الأربعة، ما إذا كانت هذه الحالات والمجاري استقرائية أم عقلية، وما هو ملاك الحصر العقلي. وسنتعرض لهذا البحث في موضعه.
وعلى أية حال، فقد سلك الإمام هذا المنهج القائم على دوران الأمر بين النفي والإثبات، مبتدئاً من حالة القطع نزولاً إلى الفرض الأخير المتمثل في كون المكلف شاكاً بحسب الواقع -أي تساوي الاحتمالين- أو ظاناً ظناً غير معتبر دون ركيزة واضحة.
فإذا حصل للمكلف يقين وقطع بالحكم الواقعي الفعلي، فإن أحكامه تُبحث في “كتاب القطع”. ولا فرق في ذلك بين كون القطع تفصيلياً أو إجمالياً؛ فكما أن اليقين والقطع التفصيلي حجة، فإن اليقين الإجمالي بالحكم الواقعي الفعلي موجب للتنجيز أيضاً. والقول بأن العلم الإجمالي منجز يعني أنه يجعل الواقع قطعياً في حقنا؛ فحينما يحصل لنا اليقين -وإن كان إجمالياً- لا نبقى بحاجة إلى حجة أخرى. وهذا ما يخص الشق الأول. ولذلك، فكما لا يسع الشارع تشريع حكم على خلاف القطع التفصيلي، لا يسعه التشريع على خلاف القطع الإجمالي أيضاً.
وأما في فرض عدم حصول القطع بالحكم، فإما أن يكون المكلف قاطعاً بقيام الأمارة المعتبرة على ذلك الحكم الواقعي الفعلي، وإما ألا يكون كذلك. فإذا قطع بوجود الأمارة (أي حصل له يقين بقيام أمارة وإن كانت ظنية في نفسها)، فهذا يندرج ضمن أبحاث الظنون؛ حيث يبحثون هناك في الأمارة المعتبرة وغير المعتبرة. ومتى ما قامت الأمارة المعتبرة على حكم فعلي واقعي -تفصيلاً كان أم إجمالياً- ثبت الحكم. وصحيح أن الأمارة في نفسها لا تفيد اليقين بل تفيد الظن، غير أن الدليل الذي جعل هذه الأمارة معتبرة في حقنا هو دليل يقيني قطعي. فنحن على يقين وقطع بوجود أمارة معتبرة على الحكم الواقعي الفعلي. وهذا البحث يخص باب الظن أيضاً.
وبطبيعة الحال، لا فرق في هذا المورد أيضاً بين أن يحصل لنا قطع بقيام الأمارة المعتبرة تفصيلاً أو إجمالاً؛ فالمهم هو الأثر والثمرة المترتبة على ذلك.
تمايز كلام الإمام عن الآخرين
وأما إذا (ولتلتفتوا هنا بدقة؛ إذ يوجد هنا فارق جوهري أساسي بين مبنى الإمام ومبنى عامة الأصوليين) حصل لنا يقين بقيام أمارة معتبرة على الحكم، غير أن هذا اليقين كان يقيناً إجمالياً؛ كما لو علمنا إجمالاً بوجود رواية صحيحة تدل على تكليف ما (كوجوب صلاة الجمعة في ظهر الجمعة مثلاً)؛ وحيث يتردد الفرض بين قول من يرى وجوب صلاة الجمعة وآخر يرى وجوب صلاة الظهر؛ فنحن هنا لا نعلم الحكم تفصيلاً بل نعلمه إجمالاً. فهذا العلم الإجمالي واليقين الإجمالي ليس متعلقاً بعين الحكم بل هو متعلق بقيام أمارة معتبرة على الحكم، وهنا يطرح مبحث “الاشتغال”.
وتأملوا كيف جرى العرف في الكتب الأصولية على تقديم مبحث البراءة أولاً، لتأتي بعده دراسة أصل الاشتغال أو الاحتياط. غير أن الموضع الطبيعي للاشتغال بحسب هذا التبيين هو هنا؛ أي في مبحث الظن، وليس بعد البراءة؛ نظراً لحصول اليقين الإجمالي بحجية هذه الأمارة لدينا. فنحن على يقين بأن أحد هذين التكليفين قد ثبت قطعاً بأحد ذينك الطريقين والأمارتين. وهذا العلم الإجمالي كافٍ لتنجيز التكليف في حقنا؛ ومن ثم لا يجوز الترخيص على خلافه.
وبناءً على هذا، يخلص الإمام إلى أن مبحث الاشتغال بتمامه يُعدّ من مباحث الظنون، في حين جرى دأب الأصوليين على طرحه تحت عنوان مباحث الشك. ويصرح الإمام هنا بأن الموضع الطبيعي لهذا المبحث هو مباحث الظن؛ أي إن الأمارات بالتقريب المذكور تشمل مبحث الاشتغال أيضاً.
السؤال: …
الأستاذ: ما هو متعلق علمكم الإجمالي؟ هل هو متعلق بعين التكليف، أم بقيام أمارة معتبرة على التكليف؟ هذا ليس من مباحث القطع. فالإمام يقرر: أننا تارة نتيقن بالتكليف وبالحكم الفعلي الواقعي تفصيلاً، فتكون حجية هذا القطع ثابتة ويتنجز التكليف في حقنا؛ وتارة أخرى نتيقن بالحكم الفعلي الواقعي إجمالاً. وهذا العلم والقطع الإجمالي إذا كان متعلقاً بعين الحكم (كأن نتيقن بوجوب صلاة الجمعة أو صلاة الظهر) فإنه يندرج ضمن مباحث العلم الإجمالي، وتترتب عليه آثاره وأحكامه الخاصة. وأما إذا كان يقيننا متعلقاً بوجود الأمارة لا بعين الحكم -أي نتيقن بقيام الأمارة تفصيلاً أو إجمالاً- ففي حال القطع الإجمالي بقيام الأمارة المعتبرة يطرح مبحث الاشتغال المذكور.
السؤال: في العلم الإجمالي بالحكم يجري الاحتياط أيضاً؛ وحيثما حصل علم إجمالي بالحكم يطرح مبحث الاشتغال كذلك.
الأستاذ: في الموضع الذي يحصل لنا فيه يقين… حسناً، ليس الأمر كذلك… تأملوا هناك… وحتى لو كان الأمر كذلك، فليس موضعه بعد البراءة. وغاية ما يقال فيه… إن أصل المسألة يكمن في التساؤل التالي: هل يندرج البحث في الاشتغال والاحتياط ضمن مباحث الشك بوصفه أحد أحوال المكلف، أم يندرج ضمن مباحث القطع والظن؟ هذا ما يروم الإمام تبيينه؛ حيث يرى أن مبحث الاشتغال لا موضع له في القسم الثالث الذي يبحث في أحوال المكلف عند الشك… بل يتعين إدراجه إما في مباحث القطع وإما في مباحث الظن… ولسنا الآن في معرض تفصيل ما إذا كان الشك فيه حكماً شبهة حكمية أم موضوعية؛ فلا تخلطوا بين الأبحاث وتذهبوا بها نحو الموضوعات… لم يصح هذا، إنكم تقعون في الخطأ؛ لأنني أوضحت أن الكلام هنا يدور حول القطع واليقين الإجمالي بقيام الأمارة، لا بعين الحكم نفسه. وعبارة الإمام في هذا الصدد هي: «وعلى الثاني» أي في حال عدم حصول القطع بالحكم الفعلي الواقعي؛ «إما أن يكون قاطعاً بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الواقعي تفصيلاً أو إجمالاً أو لا يكون كذلك». فمتعلق القطع هو قيام الأمارة، لا عين الحكم الفعلي الواقعي. وهذا الذي تذكرونه خارج عن محل كلامنا بالمرة؛ بل هو من وادي القطع… فهل ترون وجوب إخراج هذا المطلب من مباحث الشك أم لا؟…
السؤال: هل يجري أصل الاشتغال حالياً عند العلم الإجمالي بصلاة الجمعة وصلاة الظهر أم لا؟
الأستاذ: هل يحصل لكم يقين بالحكم إجمالاً أم لا؟… إما أن يحصل لكم قطع بالحكم فيندرج في مباحث القطع، وإما أن يقطع المكلف بقيام الأمارة إجمالاً فيدخل في مباحث الظن… فنحن نبحث الآن في متعلق قطعنا وشكنا.
وعليه، فإذا انتفى القطع بالحكم الواقعي الفعلي تفصيلاً وإجمالاً، وحصل القطع بقيام الأمارة (أي تيقن بوجود الأمارة تفصيلاً أو إجمالاً)، فهذا يخص باب الظن.
«وعلى الثاني»، والفرض المقابل هو ألا يحصل للمكلف قطع بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الفعلي الواقعي تفصيلاً ولا إجمالاً. وهنا تظهر حالتان: «إما أن تقوم الحجة المعتبرة بالنسبة إلى الواقع وإما أن لا تقوم، بل يكون شاكاً في الواقع أو ظاناً به من غير قيام أمارة معتبرة ولا حجة شرعية». فالإمام يقرر أن الحجة المعتبرة بالنسبة إلى الواقع تارة تقوم وتارة تنتفي. وحيث تقوم الحجة المعتبرة على الواقع، فهذا هو عين مبحث الاستصحاب؛ ولكنه لا يندرج ضمن مباحث الظنون. وأما في حال عدم قيام حجة معتبرة بالنسبة إلى الواقع، فيستقر المكلف في حالة الشك؛ أي الشك في الواقع أو الظن غير المعتبر بالواقع، دون توفر أي حجة شرعية لديه؛ وهذا هو موطن مبحث البراءة.
ومن هنا يخلص الإمام إلى أنه بحسب الترتيب الصناعی، يتعين ذكر مبحث البراءة في الخاتمة والمنتهى، بينما يتعين تبيين مبحث الاشتغال في باب الظن. وحيث توجد علقة ورباط بين الاشتغال والاستصحاب، فإن الترتيب الصناعي يقتضي طرح مبحث الاشتغال أولاً، يليه الاستصحاب، ثم البراءة في الختام. وبطبيعة الحال، لا يُعدّ التخيير أصلاً مستقلاً بالمعنى الحقيقي؛ فالعمدة هي هذه الأصول الثلاثة.
وبناءً على هذا، تُعرض أحوال المكلف الثلاثة هنا بمعنى ما: حالة القطع واليقين، وحالة الظن، وحالة الشك. غير أن القطع واليقين تارة يتعلق بعين الحكم وتارة يتعلق بقيام الأمارة على الحكم، وبينهما بون ظاهر؛ ففي الفرض الأول يتكفل “كتاب القطع” بالبحث، وفي فرض القطع بقيام الأمارة المعتبرة يدخل البحث في “مبحث الظن”. وتجاه الاستصحاب، يرى الإمام فارقاً جوهرياًه بينه وبين البراءة وسائر الأصول؛ إذ يذهب إلى أنه وإن لم يكن الاستصحاب أمارة، إلا أنه حجة على الواقع. بينما ليست البراءة حجة على الواقع بتعبيره، بخلاف الاستصحاب الذي هو حجة على الواقع. وهذا يمثل فارقاً جوهرياً وتمايزاً كبيراً عن سائر مجاري الأصول العملية التي صورها الأصوليون؛ فبالنظر إلى البيانات الثلاثة للشيخ والبيانات التي عرضها المحقق الآخوند والمحقق الخوئي، نجد أن تلك البيانات متقاربة في الماهية وتدور حول جوهر واحد باستثناء بعض التباينات في الفروع والجزئيات؛ كتناوب تقديم الشك في التكليف والشک في المكلف به على فرض إمكان الاحتياط وعدم إمكانه، وقد رأيتم حضور هذه التغيرات في عبارات الشيخ نفسه. أما بيان الإمام الخميني (قدس سره) فيفترق عنها بالكلية، ويعيد صياغة الهيكل والأطر الهيكلية لمباحث الأصول العملية برمتها.
وينبغي لنا دراسة ما إذا كان هذا التقسيم ومجاري الأصول العملية التي قررها الإمام الخميني سالماً من الإشكالات والنقوض التي وُجهت إلى كلام الشيخ، أم أنه يعاني من ثغرات ونقوض أخرى مستجدة. وبطبيعة الحال، فإن ترتيب هذه الأصول وتقديم بعضها على بعض ليس بالأمر المصيري في البحث العلمي؛ بل الركيزة الأساسية تكمن في تلك المجاري التي شيدها وقررها.
ولتدققوا النظر في هذا المطلب؛ فهل ترون ما أفاده الإمام في هذا التقسيم وتصوير مجاري الأصول العملية مقبولاً وتاماً أم لا؟ وكيف يبدو عند موازنته بمقالات الآخرين؟ ونحن سنجري دراسة ومحاكمة موجزة في هذا الشأن؛ إذ آثرنا عدم الوقوف طويلاً عند مبحث مجاري الأصول العملية. وسنتعرض في الجلسة المقبلة إن شاء الله تعالى للمقدمة السابعة التي تبحث في حصر الأصول العملية في الأصول الأربعة المعروفة؛ وهل ينحصر الأصل العملي فيها أم لا؟ وإذا كان الحصر ثابتاً، فهل هو حصر استقرائي أم عقلي؟ وهي أبحاث سنعرض لها غداً بمشيئة الله تبارك وتعالى.