الدرس الثلاثون، المقدمات، المقدمة العاشرة
الدرس الثلاثون
المقدمات – المقدمة العاشرة: تقسيم الأصول العملية إلى محرزة وغير محرزة – كلام المحقق النائيني: خصائص العلم التكويني – الخصيصة الأولى والثانية والثالثة والرابعة – تطبيق الخصائص الأربع على الأمارات والأصول العملية
3 جمادى الأولى 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
دار البحث حول المقدمة العاشرة؛ وهي إحدى مقدمات مبحث الأصول العملية، وتتناول تقسيم الأصول العملية إلى أصول محرزة وغير محرزة. وقد عرضنا أن هذا التقسيم قد تم لأول مرة على يد المحقق النائيني، وأن مصطلح “الأصول المحرزة وغير المحرزة” يُعد من مبتكراته.
كلام المحقق النائيني
قبل الخوض في أي تفسير لهذين القسمين من الأصول، حري بنا أن ننقل كلام المحقق نفسه أولاً؛ لندرس من بعد مدى وضوح هذا الكلام وجلائه من عدمه. وفي حال انتفاء ذلك، فما هي الاحتمالات التي يمكن إيرادها بشأنه؟ وما هي الرؤى والتفاسير التي صيغت لكلام المحقق النائيني هذا؟
والأهم من ذلك كله هو اختلاف العبارات المنقولة عنه بناءً على ما جاء في “أجود التقريرات” و”فوائد الأصول”. ولذا، فإن ما يكتنف عباراته من إجمال، واختلاف النقولات عنه في التقريرين، وما بقي من عباراته في مواضع أخرى، فضلاً عن التفاسير التي قدمت لكلامه؛ قد أفضى إلى تعقيد المسألة إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، ينسب الشهيد الصدر مطلباً للمحقق النائيني ويدعي أنه صرح به؛ في حين ينكر آخرون ذلك بشدة ويرون أنه لم يقل بذلك أو لم يكن هذا مراده. ولذا، حري بنا قبل كل شيء نقل كلام المحقق النائيني ودراسته.
خصائص العلم التكويني
يعدد المحقق النائيني -بناءً على ما جاء في “فوائد الأصول”- عدة خصائص للعلم واليقين التكويني. فهو يرى أن اليقين يكتسب أربع خصائص حينما يحصل للإنسان، ويتحقق له العلم والقطع بشيء ما:
الخصيصة الأولى
اليقين صفة وحالة نفسانية؛ أي إن حالة تنبثق في أفق نفس الإنسان وكأنه يرى كل شيء واضحاً وجلياً. فحينما يُقال إن القطع نور، فالمراد به “نور لنفسه”؛ أي إنه يضيء بذاته ولا تشوبه شائبة إبهام أو ظلام. وتكون هذه الخصيصة أحياناً موضوعاً لحكم أو أثر شرعي. وكما عرضتُ سابقاً، فإن القطع واليقين “على وجه الصفتية” يقع أحياناً موضوعاً لحكم شرعي. فعلى سبيل المثال، يُطرح العلم واليقين في بعض الموارد بوصفه محوراً في ترتب أثر شرعي للقاضي مثلاً؛ فيُقال إن لعلم القاضي أو يقينه أثراً معيناً. فالمراد هناك هو اليقين والقطع “على وجه الصفتية”. فيُقال إن القاضي إذا تيقن، فله أن يعمل بيقينه ويصدر الحكم بموجبه. هذا في الشرعيات. وفي العرفيات أيضاً، قد يُقال: إن حصل لأحد علم بحل لغز ما، فله جائزة كذا. أو إن حصل لأحد علم ووعي بمعادلة ما، واستنبط شيئاً أو اكتشفه، فله جائزة كذا. فهذا أثر إذن. فمن خصائص اليقين بوصفه صفة وحالة نفسانية، أنه يبعث ضياءً ونوراً في نفس الإنسان، ولا يترك أي إبهام حيال متعلقه. فالقطع “على وجه الصفتية” لا يسد مسده شيء آخر. فحتى الأمارات -ورغم كونها تفيد الظن المعتبر- لا يسعها القيام مقام العلم والقطع “على وجه الصفتية”. فهذه الخصيصة مقصورة على ذات القطع واليقين.
الخصيصة الثانية
اليقين كاشف عن الواقع ويزيح الستار عنه. والمنظور هاهنا أيضاً هو ذات القطع واليقين؛ ولكن ليس من جهة قيامه في أفق النفس مزيلاً للظلام ومجلياً للأشياء، بل من جهة كونه يحاكي الواقع ويكشفه. فليست حيثية “الصفة النفسانية” هي المنظورة هاهنا، بل جنبة “الكشف عن الواقع” هي المحط. ففي النهاية، حينما يتيقن الإنسان من شيء، ورغم احتمال كون هذا اليقين خلافاً للواقع ومن قبيل الجهل المركب، إلا أنه يدعي الكاشفية عن الواقع. وحتى لو أخطأ في إصابة الواقع، إلا أنه يمتلك تلك الجنبة الكاشفة عاقبة المطاف.
وتقتضي هذه الخصيصة إمكانية قيام ما يتصف بها من أمور أخرى مقام العلم والقطع. فلو قلنا إن جهة الكاشفية عن الواقع ملحوظة في الأمارات، وأنها إنما أصبحت حجة لكشفها عن الواقع، لساغ لها في هذه الصورة القيام مقام القطع. وصحيح أن الظن لا يصيب الواقع دائماً وبنسبة مائة بالمائة (خلافاً للقطع الذي يصل صاحبه للواقع في زعمه على الأقل) غير أن احتمال إصابتها للواقع يفوق غيرها على أية حال؛ ولذا يُكمل الشارع المقدس جهة الكاشفية هذه. ويُعبر (قدس سره) عن ذلك بـ “تتميم الكشف”. فالشارع يقول: إن هذا الاحتمال المعتد به لمطابقة الأمارة للواقع، أتمه لك وأُكمله، وأقول: ابنِ على أنها تكشف لك الواقع. فتتميم الكشف هذا موجود في الأمارات.
أما في الأصول العملية، فليس الأمر كذلك؛ وسنوضح لاحقاً الفارق بين الأصول العملية والأمارات، ونتبعه ببيان المحقق النائيني في الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة.
الخصيصة الثالثة
اليقين يقتضي الجري العملي؛ بمعنى أن الإنسان حينما يتيقن من شيء، فإنه يعمل وفق يقينه. فمثلاً، العطشان الجاهل بوجود الماء، لا يحرك ساكناً، حتى وإن مات من شدة العطش؛ لجهله بوجود الماء على بعد مائة متر منه. ولذا، قد يشتد به العطش حتى يهلك. ولكن بمجرد حصول العلم والوعي لديه، فإنه يعمل وفق علمه. فاليقين والعلم يقتضي الجري العملي. فلو علم العطشان بوجود الماء على بعد خمسين متراً، لنهض وتوجه شطره رغم ما به من ضعف وخور، لينجي نفسه من الهلاك عطشاً.
الخصيصة الرابعة
العلم واليقين الواقعي والوجداني معذِّر ومنجِّز. أي إن علم الإنسان بتكليف ما، فإنه يتنجز في حقه؛ فتترتب المثوبة على موافقته، والعقاب على مخالفته. وهو معذِّر؛ بمعنى أنه لو لم يُصب الواقع وأخطأ، لكان هذا عذراً له. فهو مسوِّغ للعذر إذن. ففي النهاية، تتباين الآثار المترتبة على العلم بالتكليف المنجَّز عن العلم بعدم التكليف المنجَّز تبايناً كلياً. وعلى أي حال، فالعلم معذِّر ومنجِّز في آن واحد.
تطبيق الخصائص الأربع على الأمارات والأصول العملية
والآن، علينا أن نرى ما إذا كانت هذه الخصائص التي سردناها للعلم واليقين، موجودة في الأمارات والأصول العملية أم لا؟
أما الخصيصة الأولى، فمفقودة فيهما قطعاً.
وأما الخصيصة الثانية المتمثلة في جهة الكاشفية، فموجودة في الأمارات. ولذا يقوي الشارع هذه الكاشفية ويقول: ابنِ على أن كاشفيتها تامة؛ فكما أن القطع نفسه كاشف حقيقي، تُجعل هذه كالكاشف الحقيقي أيضاً.
أما في الأصول العملية، فليس الأمر كذلك. فالأصول العملية تفتقر لجهة الكشف تماماً؛ لأن موضوعها الشك. وحينما نقول “الشك”، فنعني به عدم العلم، وتساوي نسبة الوجود والعدم لديه. فلنرى الآن هل يمكن لشيء كهذا أن يقوم مقام اليقين أو يكون كاشفاً أساساً؟
كيف يمكن للأصل العملي الفاقد للكاشفية أساساً أن يحل كشفه محل اليقين؟ أليس الأصل العملي موضوعه الشك، ومن ثم لا معنى للكاشفية عن الواقع بالنسبة إليه؟ إذن، لا يمكن لأي شيء يفتقر للحالة النفسانية الواضحة والجلية أن يكون كاشفاً عن الواقع. وهذه هي ماهية الأصل العملي.
ولكن هل تتوفر الخصيصتان الأخيرتان (أي اقتضاء الجري العملي، والمعذرية والمنجزية) في الأمارة والأصل العملي أم لا؟ إن هاتين الخصيصتين (وباحتساب الخصيصة الأولى، تصبح ثلاثاً من أصل أربع) موجودتان في الأمارات. وتفتقر الأمارات للخصيصة الأولى فحسب. أما الأصل العملي، فيفتقر للأولى والثانية معاً. ولكن ماذا عن الخصيصتين الأخيرتين بالنسبة للأصول العملية؟ هل هما موجودتان أم لا؟
يقرر المحقق النائيني انقسام الأصول العملية إلى قسمين: طائفة تتمثل في الأصول العملية المحرزة، وطائفة أخرى في الأصول العملية غير المحرزة؛ فالأصول العملية المحرزة كالاستصحاب، وغير المحرزة كالبراءة. فما الفارق بينهما؟
بحسب الظاهر، يمكننا الاستفادة من لفظ “الإحراز” أن الاستصحاب أصل محرز، وأن البراءة أصل يفتقر لجهة الإحراز.
وأول تساؤل قد يخطر ببالكم هو: إن كانت جهة الإحراز متوفرة في الاستصحاب، فما فارقه إذن عن الأمارة؟ فأنتم تقولون إن الأمارة تحرز الواقع وتكشف عنه أيضاً. فما معنى هذا الإحراز ذاته أساساً؟ وماذا نعني بقولنا إن أصلاً ما “يُحرز”؟ وإذا كان المراد بالإحراز هو ذات المعنى المتفاهم عرفاً، فما فارقه عن الأمارة؟ وما هي الخصيصة التي تفتقر إليها الأصول الفاقدة لجهة الإحراز هذه؟
ما يمكن قوله هو أن للاستصحاب إحرازاً عملياً؛ أي “اقتضاء الجري العملي”. فكأن الشارع اعتبره على نحو يحتم عليك العمل بموجبه، غير أنه لم يجعله كاشفاً قط. أي إنه لم يقل: اعتبر نتيجة الاستصحاب كالظن، أو أنزلها منزلة العلم؛ بل قال: «اعمل كأنك متيقن». فهو لا يقول: ابنِ على أنك متيقن؛ بل مراده أن تجعل عملك كعمل المتيقن.
التفتوا لنكتتين في شأن الأصول المحرزة:
إن بعض الأصول العملية كالاستصحاب تُعد محرزة، ولكن ليس كالإحراز الموجود في الأمارات. فذاك إحراز للواقع، وهذا إحراز عملي. ثم يُبين معنى “الإحراز العملي”. فالأصول العملية المحرزة تفتقر لأي جهة كشف عن الواقع، خلافاً للأمارات. إذن، فالإحراز الذي نتحدث عنه في الأمارة، يغاير الإحراز الذي نعنيه في الأصول العملية. ومن ثم، لا يبقى متسع لإشكال: “إن كانت بعض الأصول العملية محرزة، فما فارقها إذن عن الأمارة؟”. فهو يقرر: إن هذا الإحراز ليس إحرازاً علمياً، بل إحراز عملي؛ أو “اقتضاء الجري العملي”. أي إن بعض الأصول تقتضي الجري العملي. أما الأصول غير المحرزة، فتفتقر حتى لهذا.
إذن، فهاتان الخصيصتان اللتان ذكرناهما للأصول المحرزة، لا وجود لهما البتة في الأصول غير المحرزة كالبراءة والتخيير والاحتياط الشرعي. أي إنها تفتقر لحيثية الإحراز واقتضاء الجري العملي معاً. فبانتفاء الإحراز واقتضاء الجري العملي، كأن الشارع جعل حكماً ظاهرياً في هذه الموارد ليعلم المكلف وظيفته في ظرف الشك في التكليف. فهو لا يرمي للقول بأن البراءة -مثلاً- كاشفة عن الواقع؛ ولا للقول بأنها تقتضي الجري العملي؛ ولا للقول بأنها تحرز الواقع؛ ولا للقول: ابنِ على أنك متيقن (كما كان يقرر في الاستصحاب). فاقتضاء الجري العملي في الاستصحاب يعني «اعمل أنك متيقن»؛ أما في البراءة، فلا نجد حتى قول «اعمل كأنك غير مكلف». كلا، بل يقرر هاهنا فحسب: بما أنك شاك في التكليف، فهذا يكفي لكيلا تعمل؛ فلا تكليف في عنقك إذن. فهذا مجرد حكم ظاهري لا غير.
إذن، ففي نظر المحقق النائيني تنقسم الأصول العملية إلى طائفتين: الأصول العملية المحرزة، والأصول العملية غير المحرزة. وقد تجلى الفارق بينهما بوضوح. كما تجلى الفارق بين الأصول العملية المحرزة والأمارات. وتجلى الفارق بين الأمارات والقطع. وكما لاحظتم، فهذه المفاهيم بأسرها متمايزة ولها حدودها الفاصلة؛ فتعريفها وسبل التعرف عليها متباينة تماماً.
مبحث الجلسة القادمة
كانت هذه خلاصة كلام المحقق النائيني. والآن، أين يكمن الإبهام في هذا الكلام؟ وأين موضع إجماله؟ هذا ما يجب توضيحه. وما هو فارقه عن بعض الأقوال التي أفادها في مواضع أخرى؟ وما هي الرؤى التي صيغت بناءً على هذا القول؟ هذه مطالب ينبغي البحث فيها.