The news is by your side.

الدرس السابع والأربعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الأول

الدرس السابع والأربعون

أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الأول: الكتاب – الآية الأولى: الإشكال الأول – دراسة الإشكال الأول – الإشكال الثاني – دراسة الإشكال الثاني – الإشكال الثالث

2 ربيع الآخر 1447 هـ

أدلة البراءة

استُدل على أصالة البراءة بالأدلة الأربعة.

الدليل الأول: الكتاب

الآية الأولى

«مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (الإسراء: 15).

يقول الله تعالى: من اهتدى فإنما تعود هدايته لنفسه، ومن ضلَّ فإنما يعود ضلاله عليه، ولا تحمل نفسٌ وزر نفس أخرى. والشاهد هو ذيل الآية القائل: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا». فبعث الرسل كنايةٌ عن بيان التكليف. وعليه فكأن الله تعالى يقول: إننا لا نعذِّب أحداً قبل بيان التكليف. وطبيعياً من بلغ علماً ويقيناً بالتكليف من نفسه خارجٌ عن دائرة شمول هذه الآية؛ أي إن قوله تعالى بأننا لا نعذِّب ما لم نبيِّن التكليف لا يشمل من حصّل اليقين بالتكليف بنفسه. فإن حصل شخصٌ على اليقين فهو مسؤولٌ وإن لم يُبعث إليه نبيٌّ أو لم يبلغه تكليف.

وهذه هي قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» ذاتها، غير أن الشرع قد أفصح عنها. ومعنى البراءة هو هذا بعينه: ما لم يصل بيانٌ على التكليف فلا عذاب ولا عقاب. فحيث لا بيان لدينا فلا تكليف يتوجه إلينا ولا نُؤاخَذ ولا نُعاقَب عليه.

دراسة الآية الأولى

وُجِّه على الاستدلال بهذه الآية إشكالاتٌ عدة، بعضها طُرح قبل الشيخ الأنصاري وبعضها الشيخ نفسه وتلامذته المباشرون أو غير المباشرون. وسنعرض بعض هذه الإشكالات وندرس ما إذا كانت واردةً على الاستدلال بالآية أم لا.

الإشكال الأول

الإشكال الأول هو ما طرحه الشيخ الأنصاري في كتاب «فرائد الأصول»، إذ يقول: هذه الآية في الأصل في مقام الإخبار عن الأمم السابقة، وتريد أن تقول إننا لم نعذِّب في الماضي أمةً من الأمم بلا بعث رسل. فإذا كانت الآية في مقام الإخبار عن حال الأمم الماضية، لم يصح الاستدلال بها على إجراء البراءة في موارد الشك في التكليف.

دراسة الإشكال الأول

لو أخذنا لفظ «كُنَّا» في الآية دليلاً على الزمن الماضي، لكان هذا الإشكال وارداً؛ أي تكون الآية دالةً على أننا في الماضي لم نعذِّب قوماً بلا بعثة رسول. أما إذا كان «كُنَّا» منسلخاً من الزمان — وهو ما يقتضيه ظاهر الآية — فالمراد أن شأننا وسيرتنا كانت على الدوام كذلك من البداية، وهذه السيرة جاريةٌ من الأزل إلى اليوم وإلى يوم القيامة. ونظير هذا التعبير كمن يُعترض عليه بأنه يُنعم على فلان رغم أن فلاناً لا يُبدي أي شكر على إحسانه، فيجيب: نحن لم نتعوَّد قط انتظار شكر الآخرين. ومعنى هذا الكلام ليس أنه كان كذلك في الماضي، بل إن أسلوبه وبرنامجه وطريقته دائماً كذلك، وهذه شيمته وسيرته. وهذا التعبير لا يُشير عرفاً إلى زمن ماضٍ بعينه. والأمر هنا على المنوال ذاته. فـ«مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ» تعني أننا لم نكن ولسنا ولن نكون في موضع من يعذِّب أحداً دون إرسال رسول.

السؤال:

الأستاذ: نعم، بعضهم استنتج ذلك بناءً على هذه العبارة ذاتها فقال: «كُنَّا» فعلٌ ماضٍ ومعناه «كنّا هكذا»، فلا صلة له ببحثنا. في حين أن نظائر هذا التعبير وردت في القرآن الكريم، وكلما تحدَّث الله تعالى عن ذاته المقدسة بمثل هذه التعبيرات فهو يريد أن يُبيِّن أن ذاته المقدسة كذلك. فما كان ثابتاً بهذه المرتبة من الثبات لا يجوز أن يكون حيناً قائماً وحيناً منتفياً. فمثلاً في الآية 33 من سورة الأنفال يقول الله تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»، وقد استُخدم فيها الفعل الماضي «كَانَ» لكن قطعاً لم يكن المراد به الزمن الماضي. وكثيرٌ من صفات الله تعالى قد بُيِّنت بهذا التعبير «كَانَ»، كـ«كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا»؛ ومعناه ليس أن الله كان عليماً حكيماً في الماضي فحسب، بل يريد أن يقول إن الله كذلك دائماً.

الإشكال الثاني

الآية في الأصل ناظرةٌ إلى العذاب الدنيوي لا الأخروي؛ لأنها تُخبر أننا لم نعذِّب في الماضي الأمم إلا بعد بعث الرسل وبيان التكليف ومخالفتهم له، فإذا حدث ذلك عذَّبناهم وإلا فلا. وهذا العذاب دنيويٌّ لا علاقة له بعذاب الآخرة. في حين أن بحث البراءة متعلقٌ بالآخرة والقيامة. فنحن حين نقول: إذا احتُمل التكليف وخولف ذلك التكليف المحتمل دون أن يصل بيانٌ فلا عقاب، يعني أنه كأنما ينبغي القول لا تكليف أصلاً. فبحث البراءة إذن متعلقٌ بالعقاب الأخروي وناظرٌ إلى العذاب يوم القيامة.

دراسة الإشكال الثاني

هذا الإشكال أيضاً غير وارد، وذلك لأمرين:

أولاً: يُستفاد من الآية شمولها لكلٍّ من العذاب الدنيوي والأخروي. والشاهد على ذلك الآيات السابقة واللاحقة لها. فالآية السابقة — الآيتان 13 و14 من سورة الإسراء — تقول: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» (الإسراء: 13-14)، وهذه الآية تتعلق بوضوح بالقيامة وتتحدث عن العذاب الأخروي. والآية اللاحقة — الآية 16 من سورة الإسراء — تقول: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (الإسراء: 16)، وهذه الآية متعلقةٌ بالعذاب الدنيوي. ومجرد وقوع الآية 15 بين هاتين الآيتين قرينةٌ على أن العذاب المشار إليه فيها يشمل كلاً من العذاب الدنيوي والأخروي، وإذا ثبت عمومها كان ذلك كافياً للاستدلال. نعم، لو كانت الآية ناظرةً إلى العذاب الدنيوي وحده لم يصح الاستدلال بها في هذا المقام، أما إذا كانت ناظرةً إلى العذاب الأخروي أو كانت عامة، فلا إشكال في الاستدلال.

السؤال:

الأستاذ: نعم، هذا واضحٌ، فالآية تتحدث صراحةً عن «الحساب»، لكنها في الواقع تُشير إلى ما يترتب على الحساب أيضاً. أي إنها تقول: لسنا ممن يتركونكم تفعلون ما تشاؤون دون محاسبة، بل سنحاسبكم. وقوله «سنحاسبكم» وإن لم يرد فيه لفظ العذاب، إلا أنه يريد في الحقيقة أن يقول: سنُحاسبكم ثم نُؤاخذكم.

ثانياً: حتى لو قبلنا أن الآية متعلقةٌ بالعذاب الدنيوي، وكما قال المُشكِل، وسلَّمنا أن الآية متعلقةٌ بالأمم السابقة فحسب — وفق الإشكال الأول — وأنها ناظرةٌ إلى العذاب الدنيوي فقط — وفق الإشكال الثاني —، فبإمكاننا مع ذلك إثبات أصل البراءة من طريق الأولوية. وبيان ذلك:

يقول الله تعالى: إننا لم نعذِّب الأمم السابقة في الدنيا قط إلا بعد أن بيَّنا لهم التكليف وأرسلنا إليهم رسولاً — إذ بعث الرسل كنايةٌ عن بيان التكليف —.

وعلى هذا الأساس، إذا كان الله تبارك وتعالى لم يعذِّب في الدنيا قوماً دون إرسال رسول، فبطريق أولى لن يفعل ذلك في الآخرة؛ إذ العذاب الأخروي أشد من العذاب الدنيوي كماً وكيفاً، فمشقة العذاب الأخروي وعنفه تفوق العذاب الدنيوي بمراحل. فإذا لم يعذِّب دون بيان التكليف في العذاب الدنيوي الأخف، فبطريق أولى لن يعذِّب في الآخرة الأشد عذاباً.

السؤال: أليس العذاب الدنيوي أخصَّ من هذه الجهة؟

الأستاذ: نحن لا نقول: لأنه لا عذاب في الدنيا فلا عذاب في الآخرة مطلقاً. بل نقول: إذا كان العذاب الدنيوي الأخف والأقل — والذي لا يُقارن بالعذاب الأخروي أصلاً — لا يقع بلا إرسال رسول، فبطريق أولى العذاب الأخروي لن يقع بلا إرسال رسول أي بيان تكليف… وهذا الأمر يتوافق مع العقل أيضاً… ومع مراعاة ما سبق ذكره من أن الحالة التي يبلغ فيها الشخص إدراك التكليف ويقينه بنفسه خارجةٌ عن دائرة هذا البحث، فافتراضنا هو في من لا إدراك له بالتكليف البتة… نحن هنا نريد الاستدلال بالآية ذاتها، فنقول بطريق أولى… فالمسألة هي: إذا لم يعذِّب في الدنيا بلا بيان تكليف، فبطريق أولى لن يعذِّب في الآخرة.

السؤال:

الأستاذ: نحن لسنا بصدد الكلام عن أصل العقاب. لسنا نقول: لأنه لا يعذِّب في الدنيا فلن يعذِّب في الآخرة مطلقاً. الآية تقول: لا يقع العقاب بلا بعث رسول في الدنيا. ولسنا بصدد الكلام عن احتمال عدم التعذيب في ألف حالة أخرى… الآية تقول: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»؛ لسنا ممن يعذِّب أحداً في الدنيا بلا بيان تكليف. لسنا نقول إن كل من خالف التكليف عُذِّب. نقول: لم يقع أي عذابٍ دنيوي بلا بيان تكليف. وكما قلتم ربما وقعت آلاف مخالفة ولم يعقبها عذاب، وهذه الموارد ليست موضع كلامنا. لسنا نريد القول إن كل ما لم يقع فيه عقابٌ في الدنيا فلن يقع في الآخرة، بل مضمون الآية هو: لم نعذِّب أحداً قط بلا بيان تكليف. فتلك العذابات التي أنزلناها في الدنيا كانت دائماً مسبوقةً ببيان التكاليف وبعث الرسل.

الإشكال الثالث

لنفرض أن الله تعالى لم يعذِّب قوماً قط قبل إرسال الأنبياء، غير أنه هل يدل هذا على أنهم لم يكونوا أصلاً مستحقِّين للعقوبة؟ لأنه يمكن افتراض أنهم كانوا مستحقِّين للعقوبة لكن الله لم يعذِّبهم. في حين أن الآية لا تدل على أصل البراءة إلا إذا نفت استحقاق العقوبة نفياً مطلقاً، لا مجرد فعلية العقوبة ووقوعها.

فالآية «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» — مع التسليم بما سبق — تنفي في الحقيقة فعلية العقوبة عن الأمم السابقة التي لم يُبيَّن لها التكليف؛ أي إنها تقول: لم نعذِّب قوماً إلا بعد بيان التكليف أو إرسال رسول إليهم. وهذا الفعل من الله تبارك وتعالى يمكن أن يكون من باب التفضل والإمهال؛ بمعنى أنهم كانوا مستحقِّين للعقوبة لكن الله لم يعذِّبهم. وما نحتاجه في باب البراءة هو إثبات أنه بلا بيان التكليف لا ينشأ استحقاق العقوبة أصلاً، لا مجرد أن أحداً لم يُعاقَب؛ إذ ثمة فارقٌ بين فعلية العقوبة واستحقاق العقوبة.

وبعبارة أخرى: إذا ارتكب شخصٌ معصيةً حقيقية استلزم ذلك استحقاق العقوبة؛ أي ارتكاب المعصية الحقيقية ملازمٌ لاستحقاق العقوبة. غير أن استحقاق العقوبة ليس ملازماً لفعليتها؛ إذ ربما كان شخصٌ عاصياً ولكن الله يعفو عنه. وعليه ربما تريد الآية أن تقول: قبل بعث الرسل، ومع وجود استحقاق العقوبة الناجم عن مخالفة التكليف الواقعي، فإن الله لا يعذِّب أحداً. فيكون الدليل أعمَّ من المدَّعى؛ فالمدَّعى — وهو عدم استحقاق العقوبة — أخص، في حين أن الدليل — وهو نفي فعلية العقاب — أعم. والدليل الأعم لا يكفي لإثبات المدَّعى الأخص.