The news is by your side.

الدرس الثالث والخمسون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الأول

الدرس الثالث والخمسون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الأول: الكتاب – الآية الثانية – دراسة الآية الثانية – الإشكال في عدم دلالة الآية على البراءة – الجواب

18 جمادى الآخرة 1447 هـ

الإشكال

قد بُيّن سابقاً أن الآية الكريمة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) لا دلالة لها على البراءة. وقد فُصّلت الإشكالات الواردة على الاستدلال بهذه الآية، وكانت النتيجة أنها لا تقوى على إثبات أصل البراءة في موارد الشك في التكليف.

والإشكال المطروح هنا هو أن البعض يروم إثبات دلالة هذه الآية على البراءة بالاستناد إلى رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)؛ إذ تمسك الإمام الصادق (عليه السلام) بهذه الآية في مقام إثبات البراءة طبقاً لهذه الرواية. والسؤال هو: كيف يُقال بعدم دلالة الآية على البراءة مع تمسك الإمام الصادق (عليه السلام) بها في مقام الاستدلال على البراءة؟ ونَصّ الرواية هو ما يلي: «مُحَمَّدُ بْنُ عِیسَی بْن عُبَیْدٍ عَنْ یُونُسَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (علیه‌السلام) قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (ع): أَصْلَحَكَ اَللَّهُ هَلْ جُعِلَ فِي اَلنَّاسِ أَدَاةٌ يَنَالُونَ بِهَا اَلْمَعْرِفَةَ»؛ ومعناه: هل وُضعت في الناس آلات يدركون بها المعرفة؟ فلو قُرئت بصيغة المجهول كان هذا معناها، ولو قُرئت بصيغة المعلوم فمعناها: هل جعل الله تبارك وتعالى طرقاً ووسائل يستطيع الناس من خلالها تحصيل المعرفة أم لا؟ «قَالَ: فَقَالَ: لاَ، قُلْتُ: فَهَلْ كُلِّفُوا اَلْمَعْرِفَةَ»؛ أي هل كُلِّف الناس بالمعرفة؟ «قَالَ: لاَ»؛ أي قال الإمام: لا، بمعنى أن الناس لم يُكلَّفوا بالمعرفة. ثم قال عليه السلام: «عَلَى اَللَّهِ اَلْبَيَانُ»؛ أي إن البيان على الله تعالى، فلو أراد الله سبحانه من الناس أن يحصّلوا المعرفة لوجب عليه البيان، ولم يقع ذلك. ثم قرأ الإمام هاتين الآيتين: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) و(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).

وبناءً على ذلك، فإن الإشكال يكمن في أن الإمام (عليه السلام) بيّن أن الناس لم يُكلَّفوا بالمعرفة؛ إذ لو كانوا مكلّفين لكان على الله بيان ذلك، وحيث لم يبيّنه فليس ثمة تكليف متوجّه نحو الإنسان. ثم تلا الإمام آية (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)، وهذا يدل على أن لفظ “آتاها” جاء بمعنى الإعلام والبيان؛ لقوله عليه السلام قبل ذلك «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» ثم أردفه بتلاوة الآية الكريمة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)؛ فكأنّ السؤال والجواب قد انطبقا تمام الانطباق على أجزاء هذه الآية الكريمة. فقد كان السؤال يدور حول ما إذا كان الناس مكلَّفين بالمعرفة أم لا، فالكلام إذن متمحور حول التكليف. وقد أجاب الإمام بنفي التكليف؛ لكون الله لم يبيّن شيئاً. وهذا ينطبق تماماً على الآية الكريمة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)، حيث يرجع المستثنى منه فيها إلى التكليف، ويكون لفظ “آتاها” بقرينة جملة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» بمعنى إعلام التكليف وبيانه، وهو ما يدل بوضوح على البراءة؛ أي إن الاحتمال نفسه الذي ذكره المستدل واستفاد منه البراءة متجسد في هذه الرواية من بين سائر الاحتمالات المطروحة حول الآية. ومع هذا التوجيه، كيف يسوغ القول بانتفاء دلالة الآية على البراءة؟

الجواب

ينبغي لنا الآن دراسة هذا الإشكال لبيان مدى وروده وصحته من عدمها.

ذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره) هاهنا معنى للرواية يغاير المعنى الذي ذهب إليه المستشكل. ولأجل دراسة دلالة هذه الرواية بدقة، يتعين علينا استعراض الاحتمالات المتصورة فيها، ثم إخضاعها للتقييم لنرى أي هذه الاحتمالات هو المقبول فقهياً وصناعة، وهل يصح مدعى المستشكل أم لا؟

الاحتمال الأول: أن يكون المراد بالمعرفة معرفة الله تبارك وتعالى، أي كنه ذاته وصفاته جل وعلا. وبناءً على هذا الاحتمال، يكون معنى الرواية واضحاً؛ فالسؤال هو: هل كُلّف الناس بمعرفة ذات الله وصفاته؟ ويجيب الإمام بالنفي قائلاً: «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ». وهذه العبارة نفسها تحتمل معنيين:

الوجه الأول: أن يكون المقصود هو عجزنا التام تكويناً عن معرفة ذات الله وصفاته ما لم يبيّن هو سبحانه ذلك؛ فالكلام هنا يدور مدار الإخبار عن واقع تكويني من غير فرض أو تقدير. وحينئذٍ يكون مفاد السؤال: هل كُلِّف الناس بمعرفة الله؟ فيجيب الإمام: لا، «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ»؛ أي لا قدرة لنا على المعرفة إلا ببيان من الله تعالى، فحتى يبيّن سبحانه لا سبيل لنا لمعرفته، وإذا بيّن حصلت المعرفة بالتبع. فهذه العبارة ناظرة إلى نفي القدرة على معرفة الله تعالى دون بيان منه سبحانه.

فلو كان هذا المعنى هو المقصود -بأن يراد بالمعرفة معرفة الذات والصفات، وبالبيان البيان الحقيقي التكويني- لصار مفاد الرواية أن الله تعالى ما لم يعطِ العبد القدرة على معرفة ذاته وصفاته، فإنه لا يكلفه بها أبداً. وهذا المعنى يتلائم تماماً مع الاحتمال الثاني أو الثالث الذي أسلفناه؛ حيث قررنا هناك حمل “ما” الموصولة على الفعل والعمل، وحمل “آتاها” على معنى “أقدرها”. وبناءً على هذا الاحتمال، يقرر الباري تبارك وتعالى في الآية الكريمة: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)؛ أي إن الله لا يكلّف أحداً بعمل إلا إذا أقدره عليه ووفر له أسبابه وقدرته. وهذا الاحتمال أجنبي بالكلية عن مدعى المستشكل، بل هو مقوٍّ ومعاضد لما اخترناه وفسرنا به الآية الكريمة سابقاً. والشاهد على هذا المدعى هو عطف آية (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) في سياق الرواية؛ إذ يُعد قرينة واضحة وشهادة صدق على هذا المعنى، وظاهر الرواية يؤيده تماماً. وعليه، فإن هذا التفسير للرواية يبتني على أمرين أو ثلاثة:

  1. أن يكون المراد بالمعرفة معرفة ذات الله وصفاته، ويكون السؤال ناظراً إلى هذه المعرفة بالذات.

  2. أن تكون جملة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» حكاية عن واقع خارجي تكويني؛ مفاده أنه لو أراد الله تكليف العباد بمعرفته لوجب عليه البيان أولاً؛ لامتناع تحصيل المعرفة والقدرة عليها من دون بيان إلهي.
    وكما بَيّنا، فإن هذا المعنى محفوف بالقرينة والمؤيد، مما يسلب الآية الكريمة ظهورها في المعنى الذي رام المستشكل إثباته بالكلية.

الوجه الثاني: وأما لو كان المقصود من المعرفة هو معرفة الحجج الإلهية (لا ذات الله وصفاته)، فلا يختلف الأمر كثيراً؛ غاية ما في الأمر أن المعرفة هنا تكون تفصيلية؛ لأن المعرفة الإجمالية متحققة لدى الجميع وهي من البديهيات. وظاهر الرواية يشير إلى أن السؤال ليس عن المعرفة الإجمالية ليقال هل كلف العباد بها أم لا، وإنما السؤال عن المعرفة التفصيلية: «هَلْ كُلِّفُوا الْمَعْرِفَةَ؟»؛ أي هل كلفوا بالمعرفة التفصيلية للحجج الإلهية أم لا؟ فيجيب الإمام: لا، «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ». فلو فسرنا هذه العبارة بأن التكليف لو كان ثابتاً لتعيّن بيانه -أي إن التكليف فرع البيان؛ «لو كُلِّفوا لبيَّنه»- فبما أنه لم يبيّنه، فإنه ينتفي التكليف بالمعرفة التفصيلية للأئمة والحجج الإلهية بالتبع.

ويبدو هذا الاحتمال أقرب إلى مدعى المستشكل؛ وبعبارة أخرى، لو أردنا قبول إشكال المستشكل، لتعيّن علينا فرض أمرين وتسليمهما:
الأول: أن يكون متعلق المعرفة هو المعرفة التفصيلية بالحجج الإلهية؛ لكون تحصيل المعرفة التفصيلية بالحجج ممكناً في الجملة، ومع ذلك يقرر الإمام انتفاء تكليف الناس بها؛ إذ لو كانت واجبة ومكلفاً بها لبيّنها الله سبحانه، وحيث لم يبيّنها عُلم انتفاء هذا التكليف. وفي هذه الحال، يؤول البيان إلى أمر تقديري، بمعنى أنه لو ثبت التكليف لكان على الله بيانه. وقول الإمام عليه السلام «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» يفيد انتفاء تكليفهم بالمعرفة وأن البيان وظيفة الشارع، وتقدير الكلام هو: «لو كُلِّفوا المعرفة» لبيّنها سبحانه، «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ»، وحيث لم يبيّنها، فليسوا مكلّفين بها. فكأنه يرمي إلى هذا التوجيه.

وبناءً عليه، فإن قبول إيراد المستشكل يتوقف على التسليم بهذين الأمرين:

  1. أن يكون متعلق المعرفة أمراً مقدوراً (كالمعرفة التفصيلية بالحجج الإلهية).

  2. أن تُحمل عبارة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» على معنى أنه لو كان ثمة تكليف لكان من الواجب بيانه.
    في حين أنه لا قرينة تنهض لإثبات أيٍّ من هذين الأمرين، بل القرائن قائمة على خلافهما تماماً. فما هو المراد إذن؟ المراد أنه لا المعرفة بحسب الظاهر منصرفة إلى معرفة حجج الله، ولا عبارة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» مؤدية للمعنى المقدر والافتراضي الذي ذهبتم إليه أنتم والمستشكل.

السؤال: …

الأستاذ: تلك هي المعرفة الإجمالية، والأمر يتجاوز هذا الحد. فمن هو الإمام؟ الروايات تقول: «عَارِفاً بِحَقِّهِ»… فما هي صفات هذا الإمام؟ وما كنه شخصيته؟… إن كنتم تريدون القول بانتفاء إرادة المعرفة التفصيلية (وهي منتفية بالفعل) وإرادة المعرفة الإجمالية، فما هي النتيجة التي ترومون تحصيلها؟… ولهذا السبب بالذات جاء النفي في كلام الإمام… فالإشكال يبتني على أنه بناءً على هذا الفرض يمكننا جعل هذه الرواية مستنداً للبراءة؛ في حين أنه لا قرينة لدينا على أن المراد بالمعرفة هنا هو معرفة الحجج، كما لا قرينة تسعفنا في حمل جملة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» على ذلك الفرض والتقدير المتمثل في أنه لو أراد الله تكليفنا لبيّنه… ويتعين علينا هنا تنقيح أمرين:

  1. ما هو متعلق المعرفة؟ هل هو ذات الله وصفاته أم الحجج؟ ويندرج تحت هذا البحث الكلام في المعرفة الإجمالية والتفصيلية.

  2. هل البيان في هذه الآية ناظر إلى واقع الأمر التكويني؟ أي إنه على كل حال لو كانت معرفة الله لازمة لوجب البيان منه؛ لعجزنا عن المعرفة دون بيانه. فلو كان هذا هو المعنى، لم ينفع المستشكل في مدعاه. والآن، على أيهما تريدون تسجيل الإشكال؟ أتريدون الإشكال على الأمر الأول أم الثاني؟… وبغض النظر عن صحة كلام المستشكل من عدمها… فلماذا؟… وهل يمكن أن تكون المعرفة الإجمالية هي المنظورة هنا أصلاً؟ كلا؛ والوجه في ذلك أننا مضطرون للقول بأن هذه المعرفة هي المعرفة التفصيلية لا الإجمالية؛ إذ لو كان المراد هو المعرفة الإجمالية لما صح تفريع جملة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ» عليها أولاً، وثانياً: بما أن السائل مقر بالحجج الإلهية أصلاً، فلا وجه لسؤاله عن لزوم المعرفة الإجمالية بها؛ إذ يكون هذا السؤال من قبيل السؤال عن البديهيات والواضحات؛ كأن يسأل: هل يجب على الناس معرفة رسلك؟ فمن المعلوم لزوماً وجوب معرفتهم إجمالاً، وهذا لا يفتقر إلى سؤال وجواب، وليس مما يُسأل عنه ليجيب الإمام بقوله «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ»؛ إذ يؤول الأمر حينئذٍ إلى سؤال عن أمر واضح جلي يجيبه الإمام ببيان أمر بديهي آخر، وهل يصح هذا صناعة؟… فهل قبلتم المطلب الأول؟.. إننا نقول: إن المعرفة الإجمالية لا تقع مورداً للسؤال لوضوحها؛ فكيف يصح من السائل أن يسأل: يا بن رسول الله، هل يجب عليّ معرفة حجة الله أم لا؟ وهو يقر في سؤاله بأنه حجة لله؛ فهذا أمر بديهي وجلي للغاية. فهل يصح أن يجيبه الإمام بالنفي وأن البيان على الله؟ إن هذا من الواضحات الجلية، فهل يحتاج إلى سؤال؟ وهل ما زلتم تترددون في قبول هذا؟… وأما ما تذكرونه من أن هذا الكلام يجري في العقائد؛ فما المانع من أن يكلّفنا الله بمعرفة حججه؟… للمستشكل أن يقول: إن الله تعالى جعل معرفتهم من الواجبات… وإذا طُرحت مسألة التكليف، فما الملاك في التفرقة بين هذه الواجبات وسائر التكاليف؟ إننا نتحدث عن أصل التكليف… أولاً: إن معرفة حجج الله ليست من الأصول، بل هي من الفروع؛ نعم، حتى معرفتهم التفصيلية تعد من الفروع… وماذا يعني هذا؟ يعني أن كل ما لم يبيّنه الشارع يندرج تحت قاعدة «عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ». وهنا يقرر المستشكل نفسه أنه إذا لم يقع البيان فلا تكليف في البين، وهذا هو بعينه ما يذهب إليه الأصولي في البراءة؛ إذ يقول: في الموارد التي لم يبيّن الشارع التكليف فيها، لا تكليف علينا، وبذلك يثبت أصل البراءة…