الدرس الثامن، المقدمات، المقدمة السادسة
الدرس الثامن
المقدمات – المقدمة السادسة: مجاري الأصول العملية – دراسة كلام الإمام الخميني – المقدمة السابعة: حصر الأصول العملية – النظرية الأولى – دراسة النظرية الأولى – النظرية الثانية
1 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
تطرقنا في المقدمة السادسة إلى مجاري الأصول العملية. وعرضنا الآراء المختلفة وأشرنا إجمالاً إلى بعض الإشكالات التي توجهت للبيانات الثلاثة للشيخ الأنصاري وأتباعه. وقد ساق الإمام الخميني (قدس سره) بياناً مغايراً في مجاري الأصول العملية؛ يتلخص في أن المكلف إما أن يحصل له قطع بالحكم الواقعي الفعلي تفصيلاً أو إجمالاً، وإما ألا يحصل له ذلك. فإن حصل له القطع، دخل في مبحث القطع. وأما إن لم يحصل له القطع بالحكم تفصيلاً ولا إجمالاً، فإما أن يكون قاطعاً بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الواقعي تفصيلاً أو إجمالاً، وإما ألا يكون كذلك.
فإذا قطع بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الواقعي -تفصيلاً كان أم إجمالاً- دخل البحث في مباحث الظن. وبناءً على هذا المسلك، تندرج مباحث الاشتغال عند الإمام في مباحث الظن.
وأما إذا لم يقطع بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الواقعي تفصيلاً ولا إجمالاً، فتارة تقوم لديه حجة معتبرة بالنسبة إلى الواقع، وتارة أخرى لا تقوم. فإن قامت حجة معتبرة بالنسبة إلى الواقع، فهذا هو مجرى الاستصحاب. وإن لم تقم حجة معتبرة، بأن كان شاكاً في الواقع، أو كان ظاناً ظناً غير معتبر ولم تتوفر لديه حجة شرعية، فعندئذٍ يطرح أصل البراءة.
دراسة كلام الإمام الخميني
إن هذا التقريب -وكما أشرنا بالأمس أيضاً- يسلم من الإشكالات التي أُثيرت حول البيانات الثلاثة للشيخ الأنصاري، كما أنه يخلو من الثغرات التي توجهت إلى بيان المحقق الخوئي؛ نظراً لعدم تطرقه للبحث في الحكم الظاهري أساساً. وكما ذكرنا سابقاً، فإن الإمام الخميني لا يرتضي الحكم الظاهري بمعنى ما، ويرى أنه لا يوجد لدينا شيء باسم الحكم الظاهري بالمعنى الأصولي الدارج.
السؤال: إن الإمام في الحقيقة لم يذكر مجاري الأصول العملية في هذا البيان؟
الأستاذ: بلى، لقد ذكرها من خلال تقسيم أحوال المكلف… وقد عرضت خلاصة كلام الإمام؛ فهو لم يلغِ الشك، بل قال: إما أن يحصل قطع بالحكم الواقعي الفعلي أو لا. وفي حال انتفائه، فإما أن يحصل قطع بقيام الأمارة المعتبرة أو لا. وفي حال انتفاء القطع بقيام الأمارة، فإما أن تقوم حجة على الواقع أو لا. والموضع الذي لا تقوم فيه حجة على الواقع ولا يحصل فيه قطع بقيام الأمارة هو عين موطن الشك. فعليه، جعل الإمام مجرى البراءة في فرض الشك وعدم وجود قطع بقيام الأمارة وعدم وجود حجة بالنسبة إلى الواقع. وجعل مجرى الاستصحاب في حال عدم حصول القطع بقيام الأمارة ولكن مع قيام حجة معتبرة بالنسبة إلى الواقع. وأما مسألة الاشتغال، فقد أدرجها في فرض القطع الإجمالي بقيام الأمارة المعتبرة. فما هي مجاري الأصول إن لم تكن هذه؟ إن عنوان بحث الإمام في هذا الموضع -والذي أورده المقرر المحترم في مطلع الأصول العملية- هو: «تمهيد: تقسيم أحوال المكلف وذكر مجاري الأصول». فهذان المبحثان لا ينفصلان عن بعضهما؛ حيث قسّم أحوال المكلف وذكر بناءً على ذلك مجرى كل أصل من هذه الأصول. فعليه، لا يصح القول بأنه لم يتعرض لهذه المسألة.
إذن، يسلم بيان الإمام من تلك الإشكالات. أضف إلى ذلك ما بيّنا من خلو كلام الإمام الخميني (قدس سره) من تعبير “الحكم الظاهري”. كما أنه لم يذكر مسألة “إمكان الاحتياط وعدم إمكانه”، ولا “الشک في التكليف والشك في المكلف به”، وهي المسائل التي دارت حولها محاور التقسيم في بيانات الشيخ الثلاثة وكانت منشأ للإشكالات والنقوض الأصولية.
لقد وجه المحقق الآخوند عدة إشكالات للشيخ؛ وكان الإشكال الأهم الوارد على بياناته الثلاثة يكمن في نقضها ببعض الموارد التي لا يجري فيها الأصل المذكور بل يجري أصل آخر؛ كأن يقتضي البيان الأول للشيخ جريان البراءة في مورد ما، بينما يجري فيه أصل الاحتياط فعلاً، أو العكس في بيانات أخرى.
وحيث كان محور هذه المجاري يدور حول هذين التقسيمين؛ فكانوا يقولون: عند حصول الشك للمكلف، فإما أن تكون له حالة سابقة أو لا. وفي حال انتفاء الحالة السابقة، فإما أن يكون الشك في التكليف وإما في المكلف به، ليرتبوا على ذلك في طوله مسألة إمكان الاحتياط وعدم إمكانه. أو يسلكون مسلكاً آخر منذ البداية قائلين: في حال عدم وجود حالة سابقة، فإما أن يمكن الاحتياط وإما ألا يمكن. ثم يقسمون موارد إمكان الاحتياط إلى صورتين: الشك في التكليف والشك في المكلف به.
فقد كان محور تقسيم أحوال المكلف عند الشك يدور إما حول مسألة “إمكان الاحتياط وعدم إمكانه”، وإما حول مسألة “الشك في التكليف أو في المكلف به”. وهذا التأسيس كان مدخلاً لورود الإشكالات على كلام الشيخ. وحين حُذفت هذه المحاور المستشكلة والمنشئة للإيراد من كلام الإمام الخميني، لم يبقَ موضع لتلك النقوض قاطبة.
ولذلك يبدو إجمالاً أن ما أفاده الإمام الخميني (قدس سره) في تقسيم أحوال المكلف وتبيين مجاري الأصول العملية هو الأرجح والأليق والأكثر انطباقاً من سائر البيانات والمجاري المعروضة.
المقدمة السابعة: حصر الأصول العملية
تعنى المقدمة السابعة بمسألة حصر الأصول العملية. لقد قرأنا منذ بداية عهدنا بعلم الأصول أن الأصول العملية تنحصر في أصول أربعة؛ وبصرف النظر عن المبحث الأصولي الذي تندرج تحته، وعن تقدمها وتأخرها في رتبة البحث، فإنها أربعة أصول: البراءة، والاشتغال، والتخيير، والاستصحاب.
والسؤال المطروح هنا: هل تنحصر الأصول العملية في هذه الأصول الأربعة فحسب، أم تفوق ذلك عدداً؟ وهل نقتصر على هذه الأصول الأربعة دون إمكانية لولادة أصل خامس؟ بعبارة أخرى: هل هذا الحصر حصر عقلي أم حصر استقرائي؟ أي هل يعني الحصر الاستقرائي أننا بالبحث والتتبع لم نجد أزيد من هذه الأصول الأربعة، ولكن الباب يبقى مفتوحاً لولادة أصل خامس أو كشف أصول عملية أخرى؟ تماماً كما هو الحال في القواعد الفقهية؛ فمنذ تأليف أولى المصنفات في القواعد الفقهية وحتى يومنا هذا، نلاحظ كشف قواعد فقهية مستجدة بمرور الوقت؛ وحيث يقع الخلاف في بعضها ولا يرتضي البعض وصفها بالقاعدة الفقهية، إلا أن الطريق يظل سالكاً لكشف قواعد فقهية جديدة. فهل يستقيم هذا الأمر في علم الأصول أيضاً؟ وهل يسعنا التوصل إلى قواعد وأصول عملية جديدة في باب الأصول العملية أم لا؟ إذن، يتمحور الكلام حول كون حصر الأصول العملية عقلياً أم استقرائياً في هذه الأصول الأربعة.
النظرية الأولى (المحقق الخراسانی)
يرى المحقق الآخوند أن عدد الأصول العملية يزيد على أربعة؛ فلدينا أصول عملية أخرى من قبيل “قاعدة الطهارة” التي تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية على حد سواء. ومثال جريان قاعدة الطهارة في الشبهة الموضوعية: ما لو شك المكلف في طهارة ثوبه أو نجاسته، مع انتفاء حالة سابقة يتكئ عليها؛ فهنا تحكم قاعدة «كل شيء لك طاهر» بطهارة هذا الثوب ونظافته. وتارة أخرى تجري قاعدة الطهارة في الشبهة الحكمية؛ كما لو شك المكلف في نجاسة رطوبة “الودي” و”المذي” أم طهارتهما، وحيث لم يعثر على دليل يدل على نجاستهما، فيشك في طهارة هذا السائل ونجاسته، وهنا تحكم قاعدة الطهارة بطهارته. وهذه الشبهة هي شبهة حكمية.
ويذهب المحقق الآخوند إلى أننا نمتلك أصولاً عملية أخرى خارجة عن نطاق الأصول الأربعة، مثل قاعدة الطهارة. فقاعدة الطهارة عنده هي أصل عملي في واقع الأمر. ولكنه يتساءل: إذا كانت قاعدة الطهارة أصلاً عملياً، فلماذا لم يدرجوها في عداد الأصول العملية؟ وقد ذكر وجهاً في ذلك سنعرض له لاحقاً. والعمدة في المقام أن حصر الأصول العملية في هذه الأصول الأربعة يُعدّ حصراً استقرائياً في نظر المحقق الآخوند. أضف إلى ذلك قوله إن الأصول العملية لا تنحصر في الأربعة؛ بل تفوقها عدداً وتصل إلى خمسة بإضافة قاعدة الطهارة مثلاً.
ويفصل الآخوند هنا بين الشبهات الموضوعية والشبهات الحكمية؛ حيث يرى أن الأصول والقواعد التي تجري في الشبهات الموضوعية لا تُعدّ من مسائل علم الأصول، بل تدخل في غمار المباحث الفقهية؛ لعدم انطباق ضابطة المسألة الأصولية عليها. فالأصولية عنده تبتني على استنباط حكم كلي من المسألة. وأما التساؤل عن طهارة هذا الثوب الشخصي الخاص من عدمه، فهو حكم جزئي، وكل حكم جزئي يقع في حيز علم الفقه. ولذلك، فإن جريان قاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعية يخرج عن مسائل علم الأصول. وأما القواعد والأصول التي تجري في الشبهة أو الشبهات الحكمية (سواء أكانت قاعدة الطهارة أم غيرها) فهي تندرج ضمن مسائل علم الأصول.
السؤال: …
الأستاذ: لا شأن لنا بكون هذا المجرى وظيفة المجتهد أم المقلد؛ ففي نهاية المطاف يندرج شق مما يرتبط بالمقلد في دائرة علم الفقه… نعم، هذا صحيح بهذا المعنى.
هذا هو تقريب كلام المحقق الآخوند إجمالاً، ومفاده عدم انحصار الأصول العملية في أربعة؛ حيث صرح في “الكفاية” بوجود أصول عملية أخرى كقاعدة الطهارة.
وجه عدم ذکر أصل الطهارة في علم الأصول عند الآخوند
إن قلت: إذا كانت قاعدة الطهارة (المقصود قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكمية) من مسائل علم الأصول، فلماذا أُهمل البحث عنها في علم الأصول؟
قلت: يرجع السبب في ذلك إلى أمرين:
أولاً: انتفاء الخلاف في قاعدة الطهارة؛ بخلاف الأصول العملية الأربعة التي وقعت محلاً لمعركة الآراء، واكتنفت الاختلافات الفروع والحدود التي تجري فيها؛ بينما تبدو قاعدة الطهارة واضحة السبيل مستقرة الأدلة والمستندات دون جدل واسع حولها.
ثانياً: اختصاص هذه القاعدة بـ “كتاب الطهارة” فحسب؛ أي بباب فقهي واحد. بينما تجري سائر الأصول العملية في الأبواب الفقهية كافة؛ كأصل البراءة الذي يشمل أبواب الفقه قاطبة، بخلاف قاعدة الطهارة المتمحورة حول باب الطهارة فقط.
وبهذين الوجهين يعلل المحقق الآخوند إعراضهم عن البحث في قاعدة الطهارة في علم الأصول. وانظروا مثلاً حجم الخلاف والآراء المتباينة المحيطة بالاستصحاب; كالبحث في جريانه في الأمور العدمية والوجودية معاً أم اختصاصه بالوجودية دون العدمية، وجريانه في الأمور التدريجية أم انحصاره في الأمور الدفعية، وشموله للشك في المقتضي أم انحصاره في الشك في المانع؛ فكل هذه المسائل محط خلاف واسع ولدت فيه أقوال متعددة. بينما تخلو قاعدة الطهارة من هذه النزاعات والآراء المتعددة.
دراسة النظرية الأولى
لقد أُثيرت مناقشات وإشكالات حول هذين الدليلين والتوجيهين للمحقق الآخوند:
أولاً: قوله إن أصالة الطهارة أو قاعدة الطهارة لا خلاف فيها بخلاف الأصول الأربعة؛ مردود بوجود أصل التخيير مثلاً؛ إذ يسير التخيير مساراً مشابهاً، ويخلو على الأقل من تلك الخلافات الواسعة المحيطة بالاستصحاب والبراءة، ولذا لم يقع فيه بحث مفصل وتفريع واسع (لا سيما في التخيير العقلي)، بينما حظيت البراءة والاستصحاب بدراسات مفصلة وعميقة.
ثانياً: قوله إن قاعدة الطهارة تختص بباب الطهارة بينما تعم الأصول العملية الأبواب كافة؛ لا يستقيم مانعاً من البحث في قاعدة الطهارة في علم الأصول. فهل يشترط في القاعدة الأصولية عمومية جريانها في الأبواب الفقهية بأسرها؟ إن هذا الشرط في حد ذاته محل إشكال ونظر في تبيين القاعدة الأصولية.
وعلى أية حال، تمثل هذه النظرية مسلكاً يرى الحصر الاستقرائي للأصول العملية في الأربعة.
النظرية الثانية
تذهب النظرية الثانية إلى أن حصر الأصول العملية في أصول أربعة هو حصر عقلي (في مقابل الحصر الاستقرائي)، خلافاً لما أفاده المحقق الآخوند. ويعني الحصر العقلي والتقسيم العقلي أن يبتني التقسيم أساساً على الدوران بين النفي والإثبات؛ أي أن تولد الأقسام ينشأ عن تقابل السلب والإيجاب.
وبغض النظر عن الإشكالات الموجهة لبيان الشيخ أو الآخوند أو الإمام الخمینی أو المحقق الخوئي، فقد لاحظتم كيف تُطرح مجاري الأصول بالاستناد إلى أحوال المكلف المترددة بين النفي والإثبات.
فيقولون مثلاً: المكلف إما أن يكون قاطعاً أولا، ولا شق ثالث هنا يرتضيه العقل. وفي حال عدم القطع، فإما أن يمكن الاحتياط أو لا يمكن، ولا يتصور العقل شقاً ثالثاً في البين. وهكذا تسير الأقسام الطولية المتفرعة في طول البحث بأسرها على نمط الدوران بين النفي والإثبات.
ومتى ما أقمنا بناء التقسيم منذ البداية على معيار الدوران بين النفي والإثبات، غدا الحصر والتقسيم حصراً عقلياً بالضرورة. وبين هذا المسلك ومقال المحقق الآخوند بون بعيد؛ فالآخوند يرى إمكان زيادة الأصول على الأربعة، بينما يرى أصحاب النظرية الثانية انحصار الأصول العملية في هذه الأقسام الأربعة عقلاً، دون توفر أي مجال عقلي لولادة قسم خامس مستجد.
وسيأتي في البحث المقبل بيان رأي ثالث للمحقق الخوئي في هذا المقام، لنعرض له ونقف على وجه الحق فيه بمشيئة الله تعالى.