The news is by your side.

الدرس الثالث والأربعون، أصالة البراءة، البراءة العقلية

الدرس الثالث والأربعون

أصالة البراءة – البراءة العقلية – دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة – آثار النظرية: الأثر الرابع – الأثر الخامس – دراسة نظرية حق الطاعة – الإشكال الأول

20 ربيع الأول 1447 هـ

ملخص الجلسة الماضية

بقي جزءٌ من رأي الشهيد الصدر رحمه الله، وبعد بيانه سنعمد — إن شاء الله — إلى دراسة نظرية «حق الطاعة». وقد سبق أن تناولنا أصل هذه النظرية والخلاف بينه وبين المشهور، فضلاً عن بيان موضوع النظرية وقيدها وقلمرها. وأشرنا كذلك إلى آثار هذه النظرية، غير أنه تبقّى أثرٌ أو اثنان ستتم الإشارة إليهما — إن شاء الله — ثم ننتقل إلى عرض النظرية بالنقد والدراسة بصورة موجزة.

الأثر الرابع

الأثر الرابع الذي ابتدأنا بالحديث عنه في الجلسة الماضية هو: أنه وفق مسلك حق الطاعة يمكن الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، بينما وفق رأي المشهور لا يمكن الترخيص في أطراف العلم الإجمالي. وهذا البحث ثبوتيٌّ لا إثباتي؛ أي إننا لسنا بصدد البحث في الأدلة عما إذا كان مثل هذا الترخيص قد وَرَد أم لا، بل نحن في مقام معرفة ما إذا كان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي ممكناً عقلاً أم لا.

وفي العلم الإجمالي بوجوب إحدى الطرفين، ثمة طرفان:

الأول: احتمال التكليف في أحد الطرفين، كاحتمال وجوب صلاة الظهر في وقت ظهر الجمعة.

الثاني: احتمال التكليف في الطرف الآخر، كاحتمال وجوب صلاة الجمعة في وقت الظهر منها.

وفق مسلك حق الطاعة، العلم بالتكليف منجِّزٌ واحتمال التكليف منجِّزٌ أيضاً، غير أن منجِّزية الاحتمال تختلف عن منجِّزية القطع. فإذا كان لدينا علمٌ تفصيليٌّ واليقين بتكليفٍ ما، كان ذلك منجِّزاً ولا معنى للترخيص من قِبَل الشارع حينئذٍ. أما إذا كان مجرد احتمال، فرغم مسلَّمية منجِّزية الاحتمال، يبقى للشارع إمكانية إصدار الترخيص فيه.

وبعبارة أخرى، بحكم العقل، منجِّزية الاحتمال معلَّقةٌ على عدم الترخيص الظاهري من قِبَل المولى؛ أي أن العقل يحكم بأن مقتضى حق الطاعة وحق المولوية هو أن التكليف متى ما أُحرز — بأي درجة من الإحراز والانكشاف — وجب الإتيان به، وهو ما يُعبَّر عنه بـ«الاحتياط»، غير أن ذلك مشروطٌ بعدم صدور ترخيص ظاهري من الشارع نفسه.

فصحيحٌ أن لدينا في كلا طرفي العلم الإجمالي احتمال تكليف وأن هذا الاحتمال ذو منجِّزية، إلا أن منجِّزية الاحتمال وفق مسلك حق الطاعة منوطةٌ بعدم الترخيص الظاهري من جانب الشارع. وهذا يعني أن المخالفة مع العلم الإجمالي ممكنة؛ فنحن نحتمل وجوب صلاة الجمعة في وقت الظهر منها ونحتمل وجوب صلاة الظهر، وكلٌّ من هذين الاحتمالين منجِّزٌ لنا، لكنه مشروطٌ بعدم إذن الشارع في الترك.

فيمكن إذن للشارع أن يرخِّص في ترك كلٍّ من هذين الواجبين المحتملين — صلاة الظهر وصلاة الجمعة —. وعليه، في مقام الثبوت ووفق هذا المسلك، يمكننا القول بأن مخالفة أطراف العلم الإجمالي ممكنةٌ. صحيحٌ أن مخالفة الطرفين ستُفضي في نهاية المطاف إلى مخالفة قطعية، غير أن الشارع المقدس يستطيع القيام بذلك. فيمكن للشارع إصدار الترخيص في كل طرف من أطراف العلم الإجمالي وإن أفضى هذا الترخيص إلى مخالفة قطعية. أما وفق مسلك «قبح العقاب بلا بيان»، فلا يمكن أصلاً الإذن في مخالفة جميع أطراف العلم الإجمالي. والكلام هنا عن «المخالفة القطعية» لا «المخالفة الاحتمالية». وهذا البحث يُعدّ أحد آثار هذه النظرية.

الأثر الخامس

يقول الشهيد الصدر في بحث آية «النفر» لإثبات حجية خبر الواحد: إنه وفق هذا المسلك تتنجَّز الأحكام الإلزامية الشرعية بسبب خبر الواحد الظني، ولا يتوقف ذلك على جعل الحجية لخبر الواحد. بعبارة أخرى، حتى لو لم نُثبت حجية خبر الواحد، فإن كل خبر يُقام ويتضمن بيان تكليف سيكون منجِّزاً لنا بحكم العقل، وإن لم يكن لدينا دليلٌ على حجية خبر الواحد. وذلك لأن هذا الخبر حين يُقام يُلقي احتمال التكليف، وهذا وحده كافٍ للزوم اتباع ذلك التكليف، إذ كل تكليف محتمل وفق نظرية حق الطاعة واجب الاتباع.

أما وفق مسلك قبح العقاب بلا بيان، فما لم يُعتبر خبر الواحد حجةً، لا يُعدّ بياناً، ومن ثمَّ يكون العقاب على ترك التكليف الذي مجرد احتمالٍ دون وجود دليل معتبر عليه قبيحاً. وهذا هو الفارق الجوهري بين المسلكين.

السؤال: إذن لا ثمرة عملية له في الواقع.

الأستاذ: إذا أردتم قول ذلك، فينبغي أن تقولوه في أصل المسألة، أي إن هذا البحث لا وجه له أساساً؛ فلماذا ندع البراءة الشرعية المقبولة ونبحث عن دليل عقلي؟… والأمر كذلك في الأثر الرابع، ففيه أثرٌ علمي على أي حال. وغاية ما يمكن قوله أنه لا ثمرة عملية له، غير أنه بلا شك بحثٌ علمي ذو ثمرة علمية.

السؤال:

الأستاذ: حاصل كلامه أنه إذا قبلنا هذا المسلك، انتفت مسألة حجية خبر الواحد ولم نكن بحاجة إلى البحث عن أدلتها.

وعلى أي حال، فقد اتضح بصورة إجمالية هيكل نظرية حق الطاعة مع آثارها وقلمرها وقيودها. وإنكار البراءة العقلية يرتكز بدوره على هذه النظرية، إذ إن الشهيد الصدر قد أنكر قبح العقاب بلا بيان استناداً إلى نظرية حق الطاعة.

دراسة نظرية حق الطاعة

يطرح السؤال نفسه الآن: هل هذه النظرية مقبولة أم لا؟ ولو أردنا التطرق إلى جميع أجزاء رأيه وجوانبه وجميع ما أفاده في مواضع مختلفة، لاستدعى ذلك مجالاً واسعاً. غير أننا سنذكر بإيجاز بعض الإشكالات الواردة على هذه النظرية، لنوضح ما إذا كان العقاب بلا بيان قبيحاً أم لا، أو بعبارة أخرى، ما إذا كانت البراءة العقلية قابلة للإثبات أم لا.

الإشكال الأول

الإشكال الأول هو في الحقيقة إشكالٌ مبنائي متوجِّهٌ إلى مبنى كلامي استُند إليه في كلامه، وهو العلاقة بين المولوية التشريعية لله تعالى ومولويته التكوينية. والمولوية التكوينية لله تعالى واضحة المعنى: فالله سبحانه هو الخالق والمالك والمدبِّر لهذا العالم والمنعم الحقيقي. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «اللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ» (الشورى: 9)، وهذه الولاية إشارةٌ إلى تلك المولوية التكوينية لله في هذا العالم. وإلى جانب هذه الولاية، يتمتع الله سبحانه بمولوية تشريعية أيضاً؛ بمعنى أنه يملك حق التشريع والأمر والنهي؛ فهو الذي يخلق الموجودات وله الحق في أن يأمر بفعل هذا وترك ذاك. وهذه المولوية التشريعية تنبثق في جذورها من تلك المولوية التكوينية. فلماذا نقول إن لله حق التشريع؟ لأن التشريع في الأصل منحصرٌ بالله وحده، ولا يحق لأحد سواه جعل أي قانون، وإنما يملك غيره الأمر والنهي بإذنه فحسب. وهذا أيضاً مسلَّمٌ، وانحصار هذا الحق بالله ناشئٌ من تلك المولوية التكوينية ذاتها. إذن:

أولاً: لله تعالى مولوية تكوينية.

ثانياً: لله تعالى مولوية تشريعية، وهذه منبثقة من تلك المولوية التكوينية.

ثالثاً: طاعة هذا المولى واجبة؛ أي إننا نحن البشر بوصفنا عباد الله ملزمون باتباع قانونه، ووجوب الامتثال والطاعة للمولى أمرٌ مسلَّم.

هذه المطالب الثلاثة مقبولة، بل إن المشهور يقبلها أيضاً؛ فكلٌّ من الشهيد الصدر رحمه الله والمشهور يوافق على هذه المطالب الثلاثة.

إنما الخلاف في حدود المولوية التشريعية، أي إن حدود حق المولوية وحق الطاعة هو موضع الخلاف. فأصل المولوية مقبولٌ لدى الجميع، والاختلاف في تحديد قلمر المولوية التشريعية وحدود الطاعة. وكل البحث يتمحور حول هذه النقطة.

والإشكال الوارد على الشهيد الصدر رحمه الله في هذه النقطة بالذات هو: لماذا يجعل اتساع المولوية التشريعية تابعاً لاتساع المولوية التكوينية؟ ولماذا لا يُفرِّق بين عالم التشريع وعالم التكوين في هذه الجهة؟ فلا ينبغي أصلاً قياس عالم التشريع بعالم التكوين؛ لأن عالم التشريع يقع في حوزة الأمور الاعتبارية، بينما عالم التكوين يتعلق بالحقائق، وقياس الأمور الاعتبارية على الأمور الحقيقية غير صحيح.

فالله تبارك وتعالى مولويته التكوينية ثابتة، وجميع العالم مخلوقٌ مملوكٌ تحت تدبيره، ومن هذه الجهة فهي مطلقة. وأصل المولوية التشريعية أيضاً ثابتٌ بتبع تلك المولوية التكوينية، فلله حق التشريع. أما القول بأن هذا الحق في حيطة التشريع لا حدود له ومطلق، ومجرد كونه كذلك في التكوين، فهذا قياسٌ غلط؛ إنه قياس الأمور الاعتبارية على الأمور الحقيقية، وقياس عالم التشريع على عالم التكوين.

نعم، يمكننا التمسك بمبدأ التناسق بين التشريع والتكوين، وهو مبدأٌ مقبول، غير أن اعتبار عالم التشريع مماثلاً لعالم التكوين في جميع التفاصيل والحدود والثغور والقلمر هو محلّ الكلام ومصدر الإشكال. وهذا هو جذر أساس نظرية حق الطاعة وركيزتها، وهنا يكمن الإشكال الرئيسي.

ولو أردنا بيان الإشكال في جملتين قلنا: لماذا يجعل الشهيد الصدر اتساع المولوية التشريعية تابعاً لاتساع المولوية التكوينية؟ ولماذا يقيس عالم التشريع على عالم التكوين؟ وهذا بالذات هو الذي يقوده إلى القول بأن الإتيان بكل تكليف محتمل واجبٌ، لأن مولوية الله واسعةٌ مطلقة، فاحتمال التكليف أيضاً منجِّز. وعلى هذا الاستدلال تحديداً نُورِد إشكالنا.