الدرس الرابع والأربعون، أصالة البراءة، البراءة العقلية
الدرس الرابع والأربعون
أصالة البراءة – البراءة العقلية – دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة – دراسة نظرية حق الطاعة – الإشكال الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن – شرح رسالة الحقوق – قبول التوبة بسبب الحج
21 ربيع الأول 1447 هـ
الإشكال الثاني
بيّنا أن نظرية حق الطاعة مبتلاةٌ بالإشكال من جهات عدة. وقد ذُكر الإشكال الأول — وهو إشكالٌ مبنائي — في الجلسة الماضية. أما الإشكال الثاني فيتعلق بما أفاده الشهيد الصدر من أن المشهور فصل بين المولوية والمنجِّزية وقال: إن المنجِّزية لا علاقة لها بالمولوية، لأن التكليف لا يتنجَّز إلا بالقطع واليقين والوصول، وفي غير هذه الحال لا يكون منجِّزاً. ومن هنا قالوا بقبح العقاب بلا بيان. واعترض الشهيد الصدر على المشهور بأن الفصل بين المنجِّزية والمولوية غير صحيح، لأن المنجِّزية من لوازم حق الطاعة. ولذا وسَّع دائرة حق الطاعة لتشمل التكاليف المحتملة أيضاً.
وإشكالنا هو: إن المنجِّزية من حيث الحدود ليست تابعةً للمولوية. صحيحٌ أن أصل المولوية مرتبطٌ بالمنجِّزية، إذ لا معنى للتكليف أن يقابَل في حالة بالثواب وفي أخرى بقبول العذر ما لم تكن ثمة مولوية أصلاً، إلا أنه من حيث الحدود لا تبعيةَ بينهما. نعم، مولوية الله تعالى واسعة، غير أن كونها بالغةً حدَّ الشمول للتكاليف المحتملة محلُّ نظر؛ وذلك لأنه لا ينبغي قياس عالم التشريع بعالم التكوين. فنحن في عالم التكوين نُقرّ لله بمولوية مطلقة، أما في عالم التشريع فكما قلنا في الجلسة الماضية لا وجود لهذا الإطلاق، ومن ثمَّ فشمول هذه المولوية للتكاليف المحتملة محلُّ إشكال.
وهذا في الحقيقة جانبٌ آخر من الإشكال الأول ذاته. فإشكالنا على الشهيد الصدر هو أن حدود المنجِّزية ليست تابعةً لحدود المولوية، وأن إثباته الملازمة بين حدود المنجِّزية وحدود المولوية غير مقبول.
الإشكال الثالث
لو قبلنا قياس المولوية التشريعية بالمولوية التكوينية وقلنا إن دائرة المولوية التشريعية لله مثل مولويته التكوينية، أي إنهما متساويتان من حيث الحدود أيضاً، فالسؤال حينئذٍ: لماذا يحصر الشهيد الصدر حق الطاعة أو حق المولوية في التكاليف المحتملة؟ فهو يقول: إن دائرة مولوية الله واسعةٌ جداً — للأسباب المذكورة — بحيث إذا احتمل العبد وجود تكليف حكم العقل بوجوب الإتيان به.
ونقول: لو قبلنا هذا التوسع في المولوية التشريعية، فحتى في حال يقيننا بعدم وجود تكليف بل بمجرد أن المولى قد أراد شيئاً، ينبغي أن يكون الإتيان به واجباً. لأنه وفق هذا المسلك لم تعد مسألة التكليف ذات موضوعية. فإذا كان المولى الذي خلقنا وأوجدنا وأنعم علينا قد أراد في نفسه أن يفعل العبد كذا — وإن لم يصدر منه أمرٌ بعد — ونحن على يقين من عدم صدور أمر، فإن حق الطاعة ذاته يُلزمنا بالإتيان بما أراد، حتى وإن كنا على يقين من عدم وجود تكليف. في حين أن الشهيد الصدر نفسه لم يتجاوز دائرة التكليف المحتمل، إذ لا يقول: إذا علمت بما يريده المولى مع يقينك بعدم وجود تكليف فيجب عليك الإتيان به.
بل نذهب خطوةً أبعد من ذلك فنقول: إنه وفق مسلك حق الطاعة، يكفي احتمال الإرادة لوجوب الإتيان. أي إننا نعلم أن المولى لم يُكلِّف ولم يأمر، وليس لدينا يقين بأنه أراد من العبد فعل شيء أم لا، لكننا نحتمل إرادته لذلك؛ فيجب الإتيان به. وهذا يعني أنه بحكم العقل لا يجب الإتيان بالتكليف المحتمل فحسب، بل يجب الإتيان بالإرادة اليقينية وحتى بالإرادة المحتملة. بل إنه يجب الإتيان بما هو محبوبٌ للمولى أيضاً، في حين أن الشهيد الصدر قد اعترف بحق الطاعة في حدود الإتيان بالتكاليف المحتملة فحسب. والإشكال هو: لماذا حصره في التكاليف المحتملة؟ بل ينبغي أن يرتفع ثلاث درجات ليشمل حالات الإرادة والإرادة المحتملة ومحبوبية المولى أيضاً.
السؤال:
الأستاذ: الإرادة تعني أن مقدماتها قد توفرت، فشيءٌ ما محبوبٌ للمولى، ثم ينشأ فيه شوقٌ مؤكد نحو تحققه. أما المحبوبية فهي درجةٌ أعلى من ذلك، أي إن شيئاً ما محبوبٌ لدى الله وعند الشارع، يودّه ويحبّه، حتى وإن لم يرده بعد، ونحن على يقين من عدم الإرادة ولا نحتملها أصلاً، لكننا نعلم أنه محبوبٌ لديه. ففي هذه الحال ينبغي أن يشملها حق الطاعة. وهذه تكون الدرجة الثالثة.
الإشكال الرابع
ذهب الشهيد الصدر إلى أن منشأ خطأ المشهور في الفصل بين المولوية والمنجِّزية هو قياس المولوية الحقيقية بالمولوية العقلائية، ولمّا كانت المولوية العقلائية لا يجب فيها الإتيان إلا بالتكليف الواصل، ظنوا أن الأمر في مولوية الله كذلك، أي إن التكليف متى وَصَل وصار قطعياً وجب امتثاله. واعترض الشهيد الصدر بأن قياس مولوية الله بالمولوية العقلائية قياسٌ مع الفارق.
وجوابنا عليه: أن المشهور لو فصل بين المنجِّزية والمولوية فليس ذلك بسبب قياس مولوية الله بالمولوية العقلائية، بل المحتمل أن يكون سبب الفصل بين المنجِّزية والمولوية هو أنهم لم يروا ملازمةً بين حدود المنجِّزية وحدود المولوية. أي إنه من وجهة نظر المشهور ثمة ملازمةٌ بين مولوية الله ومنجِّزية الأحكام والتكاليف، لكن من حيث الحدود لا تبعيةَ بينهما، فدائرة المنجِّزية أضيق من دائرة المولوية.
الإشكال الخامس
سلّمنا أن المشهور قاسوا مولوية الله بالمولوية العقلائية، لكن المسألة هي: هل يمكننا التعدي من المولوية العقلائية إلى المولوية الذاتية أم لا؟ وظاهر كلام الشهيد الصدر أن التعدي من المولوية العقلائية إلى مولوية الله غير جائز.
وقد ذكر تلامذة الشهيد الصدر احتمالين في هذا الشأن، وكلاهما مبتلى بالإشكال.
الاحتمال الأول: أن المقيس عليه نفسه لا تتوفر فيه هذه الخصوصية كي تتعدى إلى المقيس، أي إن المولوية العقلائية ذاتها من طبيعتها أن حق الطاعة فيها غير مشروط بوصول التكليف، حتى يُراد التعدي منها إلى مولوية الله.
الاحتمال الثاني: أن حق الطاعة في المولوية العقلائية مشروطٌ بالوصول، لكن لخصوصية موجودة لا يمكننا تسريته وتعديته إلى مولوية الله.
وقد بيّنّا هذين الاحتمالين بالتفصيل وأوردنا الإشكال على كليهما.
الإشكال السادس
قال الشهيد الصدر: إذا كان الشارع قد أمضى الطريقة المتعارفة في المولويات العقلائية — القائمة على أن التكليف يجب وصوله حتى يجب الإتيان به — واعتبرها معتبرة، فهذا معناه إثبات البراءة الشرعية، في حين أننا هنا نتحدث عن البراءة العقلية. وتكيّؤ الشهيد الصدر هنا على أن للعقلاء طريقةً وسيرةً، وهذه السيرة لو أُمضيت، فهي تلك البراءة الشرعية ذاتها، في حين أننا نتحدث عن البراءة العقلية.
والإشكال هنا: إن المسألة ليست مسألة سيرة العقلاء كي يُمضيها الشارع، بل المسألة هي الملازمة بين الحكم الشرعي والحكم العقلي العملي. فإذا دخلنا من باب الملازمة، لم يرد إشكال الشهيد الصدر أصلاً.
الإشكال السابع
استند الشهيد الصدر إلى أن مولوية الله — كسائر صفاته — في أتم المراتب، فاستنتج أن رعاية حرمة المولى وطاعته ينبغي أن تكون في أتم المراتب أيضاً. فيقول: إن هذا المولى في أعلى المراتب، ونحن عبيده ينبغي أن نطيعه في أعلى المراتب، وأعلى مراتب الطاعة هو أن نعمل بالتكليف حتى لو كان محتملاً.
وإشكالنا هنا: ما الدليل على أنه إذا كانت مولوية المولى في أعلى المراتب، فيجب لزوماً أن تكون الطاعة في أعلى المراتب أيضاً؟ فلا ملازمة بين أتم المراتب في المولوية وأتم المراتب في الطاعة. علاوةً على ذلك، فإن الشهيد الصدر نفسه — كما قلنا سابقاً — يبدو أنه لم يلتزم بأتم المراتب في ناحية الطاعة؛ لأنه يقول: إن التكاليف المحتملة فحسب هي الواجبة الإتيان، في حين أن فوق التكاليف المحتملة لدينا الإرادة اليقينية والإرادة المحتملة والمحبوبية اليقينية والمحبوبية المحتملة. فينبغي إذن الإتيان بجميع المحتملات في جميع هذه الحالات. فكأن الشهيد الصدر نفسه قد حصر ذلك بحدود معينة.
الإشكال الثامن
الإشكال الآخر يتعلق بما أفاده الشهيد الصدر حول إمكان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، إذ يقول: وفق مسلك حق الطاعة يمكن الترخيص في جميع أطراف العلم الإجمالي.
والإشكال هو: أن الموافقة على ترك أحد أطراف العلم الإجمالي تنتهي إلى مخالفة العلم التفصيلي. صحيحٌ أن لدينا علماً إجمالياً وأن أطراف العلم الإجمالي كلها مطروحةٌ على نحو الاحتمال، غير أن لدينا هنا شيئاً يُسمى الجامع؛ وهو الجامع بين الأطراف والمعلوم بالتفصيل، إذ نحن على يقين من أنه في يوم الجمعة ثمة تكليفٌ وصلاةٌ واجبةٌ علينا. فإذا قلنا بإمكان الترخيص في جميع أطراف العلم الإجمالي، معنى ذلك أننا قبلنا إمكان الترخيص في مخالفة العلم التفصيلي بالجامع، وهذا قطعاً غير جائز. أي إذا قال العقل: يمكنك ترك صلاة الظهر، أو قال: يمكنك ترك صلاة الجمعة، فمعنى ذلك أنه يمكنني ترك واجبٍ متيقَّن، وهذا مما لا يمكن للشارع إصدار الترخيص فيه.
هذه إجمالاً الإشكالات التي ذكرناها بصورة موجزة، وبهذا يكاد يكون بحثنا حول البراءة العقلية قد اكتمل، وسندخل — إن شاء الله — في بحث البراءة الشرعية. وقد تبيّن حتى الآن أن القول المشهور هو الصحيح؛ فقبح العقاب بلا بيان والبراءة العقلية ثابتان.
شرح رسالة الحقوق
«حَقُّ الْحَجَّةِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ وِفَادَةٌ إِلَى رَبِّكَ وَفِرَارٌ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِكَ وَبِهِ قَبُولُ تَوْبَتِكَ». هذه الجملة — بعد بيان الحقَّين اللذين أشرنا إليهما في الجلسات الماضية — تشير إلى أن الحج وبسببه تُقبل توبتك. فهل هذا ليس من جملة الحقوق؟ إنه ثمرةٌ ونتيجة.
قبول التوبة بسبب الحج
بيّن الإمام حق الحج: أولاً أن تعلم «أَنَّهُ وِفَادَةٌ إِلَى رَبِّكَ»، وثانياً أن تعلم «أَنَّهُ فِرَارٌ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِكَ»، وقد فصّلنا هذين الحقين. ثم يقول: إن توبتك تُقبل بسبب الحج، وهذا أثرٌ وثمرة للحج. فماذا يعني أن توبتك تُقبل بسبب الحج؟
والأمر المهم الذي ينبغي مراعاته هنا هو أن الحج يستلزم جملةً من الاستعدادات المسبقة، فإذا أقبل الإنسان بهذه الاستعدادات أمكنه إتمامها بل واكتساب جديد منها. وظاهر كلام الإمام أن الحج يستوجب قبول التوبة، وهذه العبارة تدل على أن الإنسان ينبغي أن يتوب قبل الحج، أو في أثنائه، ليُقبل بسببه.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام — في رواية طويلة — قوله: «إِذَا أَرَدْتَ الْحَجَّ…»، وبعد بيان جملة من الأعمال والتكاليف يصل إلى قوله: «ثُمَّ اغْتَسِلْ بِمَاءِ التَّوْبَةِ الْخَالِصَةِ مِنَ الذُّنُوبِ»؛ أي اغسل ذنوبك بماء التوبة الخالصة. وهذا قبل الحج. فيقول: حين تعزم على الحج تُبْ توبةً حقيقية خالصة، تلك التوبة التي يأمر بها الله تعالى في سورة التحريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً» (التحريم: 8). فالتوبة إذن ينبغي أن تكون قبل الحج، أما قبول التوبة فيكون بسبب الحج.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». أي: واظبوا على أداء الحج والعمرة؛ فإنهما يُذهبان الفقر والذنوب، كما تُذهب النار خبثَ الحديد؛ فالحديد الذي يُوضع في الكير يُزال زنجاره، وكذلك الحج والعمرة يُزيلان الذنوب والفقر على هذا النحو.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «مَنْ أَمَّ هَذَا الْبَيْتَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، مُبَرَّءاً مِنَ الْكِبْرِ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَهَيْئَةِ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». يقول الإمام الباقر عليه السلام: من قصد هذا البيت حاجاً أو معتمراً وكان مبرَّءاً من الكبر — وما أعجب هذا — فهذه هي الاستعدادات التي لا بدّ من توفيرها قبل الحج؛ إذ ليس بمستطاع أن يقوم شخصٌ بحاله المعتادة ومع استكباره وتبختره وعدم توبته، دون أن يُحدث في نفسه أي تغيير أو يعزم عليه في البداية، فيذهب إلى هناك ويتوقع حصول كل ذلك؛ فهذا مستحيل. يقول: من قصد البيت حجاً أو عمرةً بإخلاص حقيقي لا مراءاةً وابتغاءَ صيت، وكان مبرَّءاً من الكبر — وهو أسوأ خصلة في الإنسان —، رجع بلا ذنب كيوم ولدته أمه؛ أي لا يبقى له من ذنوبه شيء.
ويقول الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَغْفِرُ لِلْحَاجِّ وَلِأَهْلِ بَيْتِ الْحَاجِّ وَلِعَشِيرَةِ الْحَاجِّ وَلِمَنْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ الْحَاجُّ». أي إن الله تبارك وتعالى يغفر للحاج نفسه، ولأهل بيت الحاج، ولعشيرة الحاج، ولكل من يستغفر له الحاج. وهذا يحتاج إلى بحث ستتم الإشارة إليه في الجلسة القادمة.