The news is by your side.

الدرس الخامس والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الخامس والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثالث: الحكومة – التقريب الأول – التقريب الثاني

25 ربيع الآخر 1447 هـ

كان البحث في وجه تقدم الأمارات على الأصول العملية؛ وقد استعرضنا حتى الآن عدة جهات وملاكات لتقدمها: الوجه الأول كان التعارض والتخصيص، والوجه الثاني هو الورود الذي ينطوي على ثلاثة تقارير، وقد أخضعنا هذين الوجهين لدراسة مفصلة وموسعة في الجلسات السابقة.

القول الثالث: الحكومة

يذهب هذا القول إلى حكومة الأمارات على الأصول العملية؛ حيث يعتقد الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) وآخرون كالمحقق النائيني بكون الأمارات حاكمة على الأصول العملية. غير أن ثمة اختلافاً -أو على الأقل تبايناً في التعبير- في تصوير كيفية هذه الحكومة؛ وسنعرض هنا لتقريبين في المسألة: التقريب الأول ما صاغه الشيخ الأنصاري، والتقريب الثاني ما ذهب إليه المحقق النائيني، ليتضح بالتبع وجه التمايز بين هذين التقريبين.

التقريب الأول

صرح الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) في فرائد الأصول قائلاً: «فهو حاکم علی الاصل لا مخصص له»؛ فالأمارة حاكمة على الأصل وليست مخصصة له. ثم يعلل ذلك بقوله: «اذ لا نعنی من الحکومه الا ان یکون رافعا لموضوع الآخر تعبدا و تنزیلا»؛ فملاك الحكومة وجوهرها لا يعني سوى أن يكون الدليل حاکماً ورافعاً لموضوع الدليل الآخر بسبيل التعبد والتنزيل الشرعي.

ويتباين هذا الملاك عن ملاك الورود؛ فرغم أن البحث في كلا البابين (الورود والحكومة) يدور حول رفع موضوع الدليل الآخر، إلا أن رفع الموضوع في باب الورود يعني زوال موضوع الدليل المورود بالدليل الوارد حقيقةً وتعبداً؛ ومثاله قوله: “خبر الواحد بيان” في قبال قاعدة “قبح العقاب بلا بيان” الممثلة للبراءة العقلية؛ فحيث تقرر القاعدة قبح العقاب بلا بيان، يأتي الدليل الوارد ليفيد بأن “خبر الواحد بيان”، فيزيل بذلك موضوع الدليل الآخر وهو “عدم البيان” بالكلية. أما في باب الحكومة، فالمسألة لا تؤول إلى إزالة موضوع الدليل الآخر حقيقة، بل تقتصر على تنزيل الشارع للدليل الحاكم منزلة الرافع لموضوع الدليل المحكوم شرعاً.

ولنتأمل في عبارة الشيخ الأنصاري نفسه حيث يقول: «أن دليل الأمارة وإن لم يكن رافعاً لموضوع الأصل كالدليل العلمي، إلا أنه نُزِّل شرعاً منزلة الرافع»؛ فدليل الأمارة ليس كالدليل القطعي واليقيني الذي يستأصل موضوع الأصل ويزيله تكويناً؛ فالمكلف متى ما حصل له اليقين، انتفى موضوع الأصل (وهو الشك) قهراً وتلقائياً. أما دليل الأمارة فلا يأتي ليزيل الشك والجهل بالواقع تكويناً؛ فلو فرضنا شكاً في وجوب صلاة الجمعة مثلاً وقام خبر معتبر يدل على عدم وجوبها، فإن هذا الخبر -رغم اعتباره وحجيته- يبقي الجهل بالواقع والشك فيه على حاله بعد قيام الأمارة. ومن هنا يعقب الشيخ قائلاً: «إن دليل الأمارة وإن لم يكن رافعاً لموضوع الأصل كالدليل العلمي، إلا أنه نُزِّل شرعاً منزلة الرافع»؛ أي إن الشارع نزّل الأمارة منزلة الرافع تعبداً وتنزيلاً، وأمر بمعاملتها معاملة الرافع، فكأن الشك قد زال، لتكون الأمارة كاليقين في الأثر التعبدي.

فالأمارة -وإن كانت لا ترفع موضوع الأصل حقيقةً- تُعد حاکمةً نظراً لتنزيلها شرعاً منزلة الرافع؛ ومن ثم يتسع نطاق موضوع الدليل المحكوم بسبيل التعبد. فالموضوع في الأصل كان مقتصراً على الحكم اليقيني القطعي والوجوب اليقيني القطعي؛ فإذا قامت الأمارة على الحكم -ومع عدم حصول اليقين الوجداني وبقاء موضوع الأصل (الشك والجهل بالواقع) محفوظاً في رتبته دون زوال حقيقي، إذ اليقين وحده هو المزيل الحقيقي للشك وهو غير متحقق هاهنا وجداناً- فإنها تصبح حاکمة على الأصل بموجب هذا التنزيل منزلة الرافع، أي تنزيلها منزلة العلم واليقين شرعاً.

وهذا هو محصل تقريب الشيخ الأنصاري لحكومة الأمارات على الأصول العملية، ومفاده توسعه نطاق موضوع الدليل المحكوم بسبيل التعبد والتنزيل.

التقريب الثاني

وقد قدم المحقق النائيني تقريباً مشابهاً لهذا الوجه بصياغة وتعبير مغاير، مع بعض الإضافات والتحقيقات العلمية؛ حيث يذهب بدوره إلى حكومة الأمارات على الأصول العملية، بيد أن تعبيره لا يرتكز على “التنزيل منزلة الرافع” بل يستعمل صياغة “التنزيل منزلة الكاشف التام”. فبمثل ما يتصف به العلم واليقين والقطع من الكاشفية التامة، تُنزَّل الأمارة بموجب دليل الحجية منزلة الكاشف التام. وهذا هو منشأ التباين اللفظي؛ إذ يرى المحقق النائيني أن دليل الأمارة يوسع موضوع الأصل عبر تنزيل مفاد الأمارة ومؤداها منزلة العلم واليقين تعبداً أو تنزيلاً. فالأمارة لا تتصف بالكشف التام وجداناً بل كاشفيتها ناقصة، غير أن الشارع يتدارك هذا النقص بتنزيل الكاشف الناقص منزلة الكاشف التام، وتنزيل هذا الظن منزلة العلم الوجداني بالصناعة.

ونلحظ هاهنا تباين التعبير وصياغته؛ فالمحقق النائيني يستعمل صياغة “التنزيل منزلة العلم واليقين” أو “الكشف التام والكاشفية التامة”، بينما يستعين الشيخ الأنصاري بعبارة “التنزيل منزلة الرافع”، وحيث إن الرافع في حقيقته ليس إلا اليقين والقطع، فلا نجد بين التقريبين تمايزاً جوهرياً كبيراً في المضمون.

علاوةً على ذلك، يفصل المحقق النائيني في باب الحكومة بين نمطين: “الحكومة الواقعية” و”الحكومة الظاهرية”؛ وتختص الحكومة الواقعية بالأحكام الواقعية، بمعنى أنه إذا كان الدليل الحاكم والدليل المحكوم كلاهما حكماً واقعياً، كانت الحكومة بينهما حكومة واقعية؛ ومثاله قوله (عليه السلام): «إِذَا شَكَكْتَ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ فَابْنِ عَلَى الْأَكْثَرِ»؛ فالحديث يقرر حكماً واقعياً يحدد تكليف المكلف عند الشك بين الثلاث والأربع بالبناء على الأربع، وهو حكم لا صلة له بالأصول العملية. ثم يأتي دليل آخر يقرر: «لَا شَكَّ لِكَثِيرِ الشَّكِّ»؛ وهو حكم واقعي أيضاً يفيد بأن كثير الشك لا يعتد بشكه ويُنزَّل منزلة من لا شك له. وقهرية الصناعة تقتضي حكومة هذا الدليل الثاني على الدليل الأول لتضييقه دائرة موضوعه؛ إذ يقرر أن كثير الشك كمن لا شك له، تنزيلاً لكثير الشك منزلة عدم الشك، فيخرجه بذلك عن حيز موضوع الدليل الأول. فالأثر هنا هو تضييق موضوع الدليل المحكوم. والحكومة الواقعية إذن هي حكومة دليل حكم واقعي على دليل حكم واقعي آخر.

وأما الحكومة الظاهرية فتختص بالأحكام الظاهرية حصراً، ومثالها قولنا بحكومة الأصل السببي على الأصل المسببي، أو حكومة الأصل المحرز على الأصل غير المحرز؛ إذ إن كلا الأصلين من الأحكام الظاهرية؛ فالأصل السببي أصل عملي والأصل المسببي أصل عملي وكلاهما حكم ظاهري. وتسمى حكومة حكم ظاهري على حكم ظاهري آخر بالحكومة الظاهرية.

وبناءً عليه، يقرر المحقق النائيني ثبوت الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية؛ ويرى أن حكومة الأمارات على الأصول العملية تندرج تحت عنوان الحكومة الظاهرية، لكونها قائمة بين أحكام ظاهرية بالذات.

وإذن، ما هو الفارق والتمايز الدقيق بين ما يذهب إليه الشيخ الأنصاري وما يقرره المحقق النائيني؟

يذهب المحقق النائيني إلى أن الأمارة مُنزَّلة منزلة العلم واليقين، في حين يذهب الشيخ الأنصاري إلى تنزيلها منزلة الرافع لموضوع الأصل. وثمة فرق واعد في الصناعة الأصولية بين التنزيل منزلة العلم والتنزيل منزلة الرافع؛ إذ إن موضوع الأصول العملية هو الشك؛ ومقتضى التنزيل منزلة الرافع أن الأمارة مع كونها لا ترفع الشك والجهل وجداناً وحقيقةً، إلا أن دليل اعتبارها يقرر معاملتها معاملة الرافع فكأنها تزيل الشك. بينما يقرر المحقق النائيني تنزيلها منزلة العلم واليقين، فلا يتكلم عن الرفع مباشرة. وهذا هو وجه التمايز الفاصل بين التنزيل منزلة الرافع والتنزيل منزلة العلم بالصناعة.

وبناءً على هذا، يتفق الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني في أصل القول بحكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية؛ غير أن هذه الحكومة تتجلى عند الشيخ في صياغة “تنزيل الأمارة منزلة الرافع”، بينما تتبلور عند المحقق النائيني في صياغة “تنزيل الأمارة منزلة العلم”.

والتساؤل المطروح هاهنا: هل يتباين رأي المحقق النائيني عن رأي الشيخ الأنصاري جوهرياً وحقيقةً؟

وهذا مطلب جدير بالبحث ويتعين جلاؤه؛ كما يتعين علينا معرفة مدى تمامية ملاك الحكومة وصلاحيته لتخريج وجه تقدم الأمارات على الأصول العملية فقهياً وصناعياً.

وينطوي هذان التقريبان للحكومة على إشكالات واعتراضات مشتركة الورود عليهما معاً بالصناعة، كما تتوجه لكل تقريب منهما إشكالات خاصة به؛ ويتعين علينا دراستها وموازنتها لنرى مدى إمكانية دفع هذه الإيرادات المشتركة والخاصة والإجابة عنها بالدليل.