The news is by your side.

الدرس الرابع والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الرابع والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثاني: الورود – محصل التقريب الثالث – دراسة التقريب الثالث – كلام المحقق النائيني – شرح رسالة الحقوق – آثار صلاة أول الوقت – 5. الحيلولة دون الانغماس في الدنيا – 6. الأمان من عذاب الدنيا – 7. دفع شر الشيطان عند الموت

21 ربيع الآخر 1447 هـ

كلام المحقق النائيني

لقد تكلمنا عن التقريب الثالث لورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية، وبيّنّا الإشكاليات والاعتراضات الواردة عليه. وهنا يقرر المحقق النائيني (قدس سره) بعد استعراضه للتقريب الثالث قائلاً: إن إمكان تحقق الورود في مورد الأمارات بالنسبة إلى الأصول العملية منتفٍ من الأساس؛ فبعد أن استعرض التقارير الثلاثة للورود، يذهب إلى القول بامتناع الورود بالكلية في هذا المقام، ويرى أنه لا يمكننا القول بورود الأمارات على الأصول العملية، فيستأصل بذلك ركيزة القول بالورود هاهنا ويقضي بامتناعه. فما هو مدعاه في ذلك؟ ولمَ يذهب إلى القول بامتناع الورود؟

في نظره الشريف، يتوقف ورود دليل على دليل آخر على تحقق أمرين وركيزتين:

  1. أن يزيل الدليل الوارد موضوع الدليل المورود ويرفعه؛ وبالطبع فإن هذا الرفع إنما يكون بالعناية والتعبد الشرعي، وليس خروجاً تكوينياً، بل هو خروج موضوعي حقيقي ولكن بلسان التعبد. وهذه الخصوصية متفق عليها ومقبولة لدى الجميع، فحتى الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) يرى أن الدليل الوارد يرفع موضوع الدليل المورود ويزيله.

  2. الخصوصية الثانية -التي لم ترد في كلمات الشيخ الأنصاري بالطبع- هي أن رفع الموضوع في الدليل المورود يجب أن يستند إلى نفس الدليل الوارد، لا بالالتزام بمؤداه. وبعبارة أخرى: يجب أن يكون رفع الموضوع مستنداً إلى نفس التعبد، لا إلى ثبوت المتعبَّد به. وتوضيح ذلك:

يقتضي تبيين هذه الخصوصية الثانية وشرحها ليتضح مقصود المحقق النائيني بدقة؛ إذ إن دعواه بامتناع ورود الأمارات على الأصول العملية ترتكز أساساً على هذه الخصوصية؛ حيث يقرر المحقق النائيني انتفاء هذه الخصوصية في مقامنا، ومن ثم يمتنع تحقق الورود بالكلية.

ولتقريب الفارق بين كون الرفع مستنداً لنفس التعبد أو لثبوت المتعبَّد به، نضرب مثالاً: لو فرضنا جريان الاستصحاب لإثبات وجوب صلاة الجمعة؛ بمعنى أننا على يقين بوجوب صلاة الجمعة في عصر الحضور، ثم شككنا في وجوبها في زمن الغيبة؛ فهنا نستصحب وجوب صلاة الجمعة. والآن لو قامت أمارة على عدم وجوب صلاة الجمعة، كأن يروي لنا زرارة خبراً مفاده عدم وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة؛ فهنا لا يرتفع موضوع دليل الأصل بنفس دليل الأمارة؛ لأن مفاد دليل الأمارة أو دليل حجية خبر الواحد هو قضية “خبر الواحد حجة”، وهي القضية المستفادة من أدلة حجية خبر الواحد. في حين أن الأصل العملي كان يقتضي وجوب صلاة الجمعة، أي إننا أثبتنا الوجوب بالاستصحاب.

ومع قيام الأمارة، فإن قضية “خبر الواحد حجة” لا ترفع موضوع دليل الأصل؛ لأن موضوع الأصل كان هو صلاة الجمعة المشكوكة التي بنينا فيها على اليقين السابق وحكمنا بوجوبها. غاية ما في الأمر أن دليل الأمارة يتعبدنا بالخبر ويجعله حجة، ولكن هل يزيل قوله “خبر الواحد حجة” موضوع الأصل؟ إنه لا يتعرض لذلك الموضوع ولا يرفعه. إذن، ما الذي يرفع الموضوع؟ إنه ثبوت المتعبَّد به؛ ومعناه أن عدم وجوب صلاة الجمعة -الذي هو مؤدى الخبر- هو الذي يرفع موضوع الاستصحاب بوصفه أصلاً عملياً. فبمجرد دليل التعبد (أي قضية خبر الواحد حجة) لا يرتفع موضوع دليل الأصل وهو الوجوب المشكوك لصلاة الجمعة، بل يتعين علينا خطو خطوة إلى الأمام لنقول: بما أن خبر الواحد قد أصبح حجة، وبما أن زرارة يروي عدم وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، فإننا نتعبد بعدم الوجوب؛ فالالتزام بهذا المؤدى وثبوت المتعبَّد به هو الذي يزيل موضوع الاستصحاب ويرفعه؛ إذ إن هذا “اللا وجوب” يرفع الوجوب المشكوك في صلاة الجمعة. وعليه، فإن الدليل بمفرده لا يؤدي إلى رفع موضوع الدليل المورود.

بيد أنه في موارد أخرى، يرتفع الموضوع بنفس الدليل من دون حاجة إلى هذه الخطوة اللاحقة؛ ومثاله في الأصول العملية العقلية كالبراءة العقلية؛ حيث إن مفاد البراءة العقلية هو “قبح العقاب بلا بيان”. فلو ورد دليل يحجّي خبر الواحد ويقرر أن “خبر الواحد حجة” أو “خبر الواحد بيان”، فبمجرد هذا التعبد يرتفع موضوع دليل البراءة العقلية تلقائياً؛ لأن دليل البراءة يقول بقبح العقاب بلا بيان، ودليل الحجية يقول إن خبر الواحد بيان؛ فمن دون الحاجة إلى الالتزام بمؤدى الخبر، يرتفع موضوع البراءة العقلية بنفس قيام الدليل.

ومن هنا يرى المحقق النائيني أن أدلة الأمارات واردة على الأصول العملية العقلية، لكنها غير واردة على الأصول العملية الشرعية، بل يمتنع ورودها عليها أصلاً. والوجه في ذلك أن الورود مشروط باجتماع خصوصيتين لو فُقدت إحداهما لانتفى الورود بالكلية؛ الخصوصية الأولى -المتفق عليها حتى عند الشيخ الأنصاري- هي أن يرفع الدليل الوارد موضوع الدليل المورود. والخصوصية الثانية هي أن يكون هذا الرفع مستنداً لنفس التعبد والدليل، لا بالالتزام بالمتعبَّد به أو ثبوته أو قبول مؤدى دليل التعبد؛ بحيث يكون مجرد قيام الدليل كافياً لرفع الموضوع من دون حاجة للالتزام بمؤداه ليرتفع موضوع المورود. ولذلك يقرر في باب الأمارات أنه لا يمكننا القول بورودها على الأصول العملية الشرعية؛ لأنه وإن كان موضوع الدليل المورود يرتفع بقيام دليل التعبد، إلا أن هذا بمفرده غير كافٍ، بل لا بد من انضمام قيام دليل التعبد والالتزام بالمتعبَّد به ومؤدى الخبر معاً.

وإذن، ثمة فارق بين قيام الدليل وبين ثبوت مؤدى ذلك الدليل؛ فقد تبيّن أنه في مثل قضية “خبر الواحد حجة” أو “خبر الواحد بيان” يمكننا القول إن نفس قيام هذا الدليل يرفع موضوع قبح العقاب بلا بيان من دون حاجة للالتزام بمضمونه أو معرفة حكمه، ولذا يكون وارداً في هذا المورد. أما إذا توقف رفع موضوع الدليل المورود على قبول مؤدى الأمارة والخبر والالتزام به، فهذا لا يعد وروداً بالاصطلاح.

وبناءً على هذا، يخلص المحقق النائيني إلى أن الأمارات يمتنع ورودها على الأصول العملية الشرعية أساساً.

السؤال: …

الأستاذ: نعم، إنه يدعي الحكومة؛ فهو يرى امتناع الورود من الأساس ليمهد السبيل للقول بالحكومة. والمرحوم الشيخ الأنصاري يذهب أيضاً إلى الحكومة، وكذا يوافقه المرحوم النائيني في القول بالحكومة.

وهذا هو المطلب الذي ادعاه في نهاية المطاف بعد الفراغ من مناقشة التقارير الثلاثة للورود، حيث انتهى إلى القول بعدم إمكان الورود مطلقاً.

وعلينا لاحقاً أن ندرس مسألة الحكومة ونبحث مدى صحة هذا الكلام تماميةً وعدماً.

شرح رسالة الحقوق

لقد تكلمنا في الجلسة السابقة عن حق الصلاة وآثار صلاة أول الوقت، وبيّنّا مدى أهميتها وما يترتب عليها من بركات وآثار في الدنيا والآخرة.

آثار صلاة أول الوقت

ولم يتسع لنا الوقت في الجلسة الماضية لاستعراض جميع هذه الآثار؛ حيث بيّنّا جملة منها، ويجدر بنا الآن الإشارة إلى ما تبقى منها.

5. الحيلولة دون الانغماس في الدنيا

ومن الآثار الأخرى لصلاة أول الوقت الحيلولة دون الانغماس في الدنيا والغرق في شؤونها. ومن العجيب كيف تمنع صلاة أول الوقت الإنسان من الغرق في ملذات الدنيا! وقد أشار الإمام السجاد (عليه السلام) إلى هذه النقطة في كلام نوراني آخر له، حيث يقول: «مَنْ أَهْتَمَّ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ لَذَّةَ الدُّنْيَا»؛ أي إن من يهتم بأوقات الصلاة لا يستكمل لذة الدنيا ولا يدركها بالتمام. فما معنى هذا؟ وكيف أن من يواظب على صلاة أول الوقت ويهتم بمواقيتها لا يستكمل لذة الدنيا؟

في قوله (عليه السلام): «مَنْ أَهْتَمَّ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ»، ثمة احتمال بأن المراد بالمواقيت هو المعنى العام؛ وبناءً على هذا الاحتمال لم يجرِ الحديث عن خصوص أول الوقت؛ إذ إن لصلاة الصبح وقتاً، وللظهر وقتاً، وللمغرب والعشاء وقتاً، غير أن أفضل الأوقات هو أولها ثم يتدرج فضلاً في المراتب اللاحقة. وعليه، فإن اهتمام المكلف بمواقيت الصلاة يعني مواظبته على أداء الصلاة في وقتها وعدم خروجها عنه، والحرص على عدم فوتها قضاءً.

والاحتمال الآخر هو أن يكون الحديث إشارة إلى تلك الأوقات الخاصة؛ أي أفضل الأوقات وأوائلها.

ولا يبدو تعبير «لَمْ يَسْتَكْمِلْ لَذَّةَ الدُّنْيَا» منسجماً مع حمل المواقيت على عموم الوقت؛ إذ ليس مقصود الإمام مجرد أداء الصلاة في وقتها ومنع فوتها قضاءً؛ فلو كان ذلك هو المراد لما قال «لَمْ يَسْتَكْمِلْ لَذَّةَ الدُّنْيَا»، بل إن إيقاع الصلاة خارج الوقت معصية ومخالفة لأمر المولى سبحانه، وتبعات عدم الاهتمام بالوقت في هذا الفرض أعظم بكثير من فوات كمال اللذة؛ إذ تترتب عليه عواقب وخيمة ومشاكل جمة. وعليه، يبدو أن تعبير «لَمْ يَسْتَكْمِلْ لَذَّةَ الدُّنْيَا» أشد ملاءمةً مع تفسير مواقيت الصلاة بخصوص أول الوقت. فالإمام (عليه السلام) يبين أن من يولي صلاة أول الوقت اهتماماً بالغاً لا يغرق في ملذات الدنيا ولا ينغمس فيها ولا يقع في مهاوي الضلال؛ فكلما دنت منه الغفلة لتستولي عليه، تنبه وبادر لإقامة الصلاة في أول وقتها. وهذه الصلاة التي تؤدى في أول وقتها تجعله أكثر تهيؤاً لاجتناب الذنوب والمعاصي، وأكثر استعداداً للطاعة والامتثال.

وهذا أثر عظيم؛ إذ إن صلاة أول الوقت تحول دون غفلة الإنسان. وكثيراً ما نتصور أن السير والسلوك وطرق المعرفة تقتضي المداومة على أذكار خاصة أو خلوات معينة وغيرها؛ وأنا لا أنفي أثر هذه الأمور، غير أن أهم الأعمال على الإطلاق هو صلاة أول الوقت. ولئن جعل الله تعالى في صلاة أول الوقت آثاراً وبركاتٍ جمة فهذا ثابت في موضعه؛ فصلاة أول الوقت تترتب عليها تلك الآثار والبركات بطبيعة الحال، بيد أن من أجلّ آثارها وبركاتها هو السمو بالإنسان وتعاليه روحيّاً.

إن الدنيا وعالم المادة والطبيعة ومشاغل الحياة المحيطة بنا تصرفنا دائماً عن ذكر الله تعالى، وكلما ازداد توجهنا نحو هذه المظاهر ازددنا غرقاً في هذا المستنقع، ويكون الخلاص منه عسيراً بحق. ولمنع وقوع ذلك، فإن من أنجع الطرق وأفضلها هو صلاة أول الوقت، شريطة أن تؤدى بآدابها وشروطها. والأسف يدرك المرء حين يرى البعض يتهاون في صلاة أول الوقت، بل قد يترك الصلاة نفسها مع شديد الأسف، ويبتغي في مقابل ذلك الوصول إلى المراتب العالية عبر الأذكار والخلوات والمشاركة في المجالس الحسينية واللطم وما شاكل؛ نعم، هذه الأمور ممدوحة في موضعها ومكملة للارتقاء والتعالي الروحي للإنسان، لكنها لا تنوب مناب الصلاة وصلاة أول الوقت بحال؛ فالأصل والأساس هو صلاة أول الوقت، فهي التي تدفع الغفلة، وعدم الغفلة هو الخطوة الأولى للسير نحو الغايات الإلهية السامية.

6. الأمان من عذاب الدنيا

تشير بعض الروايات إلى أن صلاة أول الوقت تبعث على أمان المصلي من بلايا الدنيا وعذابها، وهذا أثر وضعي ملموس. فقد ورد في الحديث النبوي الشريف: «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَاهَةً مِنَ السَّمَاءِ عُوفِيَ مِنْهَا حَمَلَةُ الْقُرْآنِ وَرُعَاةُ الشَّمْسِ -أَيِ الْحَافِظُونَ لِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ- وَعُمَّارُ الْمَسَاجِدِ»؛ فيفيد الحديث بأن المحافظين على مواقيت الصلاة، وكذا حملة القرآن وعمار المساجد، معافون من الآفات السماوية ولا تصيبهم تلك البلايا.

7. دفع شر الشيطان عند الموت

ومن الآثار الأخرى المذكورة في هذا الباب، دفع شر الشيطان وتمكين المحتضر من نطق الشهادتين عند الموت. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «مَلَكُ الْمَوْتِ يَدْفَعُ الشَّيْطَانَ عَنِ الْمُحَافِظِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيُلَقِّنُهُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَظِيمَةِ»؛ فملك الموت يذود الشيطان عن المصلي المحافظ على الصلاة في أول وقتها، ويلقنه الشهادتين ليجريها على لسانه في تلك اللحظات العصيبة والمهيبة عند الوفاة.

وقد ذُكرت آثار وبركات أخرى في الروايات، بيد أننا نكتفي بهذا المقدار نظراً لضيق الوقت.